تخطى إلى المحتوى

بين غلاء الكشفيات وحدود المهنة.. هل بات الصيدلاني طبيباً بديلاً؟

تفاقمت الأعباء المعيشية وارتفعت تكاليف العلاج، ما جعل الكشفيات الطبية تشكّل عبئاً حقيقياً على شريحة واسعة من المواطنين، ودفع كثيرين إلى البحث عن بدائل أقل كلفة وأسرع وصولاً، ومع ضيق الدخل وارتفاع أسعار الأدوية، تحوّلت الصيدليات في بعض الحالات إلى محطة أولى يقصدها المرضى طلباً للمشورة أو للحصول على علاج، بعيداً عن العيادات الطبية.

ويطرح هذا الواقع تساؤلات حول طبيعة الدور الذي يؤديه الصيدلاني اليوم، وحدود الممارسة المهنية الفاصلة بين تقديم المشورة الدوائية من جهة، والتشخيص الطبي ووصف العلاج من جهة أخرى، في ظل ضعف القدرة على تحمّل تكاليف الرعاية الصحية وغياب بدائل منظّمة لكثير من المرضى.

ورغم تفهّم الدوافع الاقتصادية التي تقف خلف هذا السلوك، إلا أن خطورته تكمن في تحوّل الاستثناء إلى قاعدة، وما يرافق ذلك من مخاطر صحية وقانونية، خاصة مع تسجيل حالات خطيرة ناتجة عن صرف أدوية دون تشخيص طبي، وصلت في بعض الأحيان إلى وفاة أطفال، ما استدعى ملاحقات قضائية بحق صيدليات مخالفة، ومن هنا تبرز أهمية تسليط الضوء على هذه الظاهرة من زاوية توعوية، تستند إلى آراء مهنية ورسمية، وتضع سلامة المريض في مقدمة الأولويات.

حدود تدخل الصيدلاني

يوضح الصيدلاني الدكتور محمد الموسى أن دور الصيدلاني محدد بوضوح، ويبدأ بتقديم المشورة الدوائية الآمنة ولا يصل إلى تشخيص الأمراض، ويبيّن أن تدخل الصيدلاني يقتصر على التعامل مع الحالات البسيطة ذات الأعراض الواضحة وغير الخطيرة، مثل نزلات البرد الخفيفة، والصداع العابر، أو الاضطرابات الهضمية البسيطة، وذلك وفق الخطوط العلاجية الأولية المتعارف عليها أكاديمياً.

ويؤكد أن إحالة المريض إلى الطبيب تصبح ضرورة لا خياراً في حال استمرار الأعراض أو تدهورها رغم العلاج الأولي، أو عند ظهور أعراض إنذارية مثل ارتفاع الحرارة الشديد، وضيق التنفس، والنزوف، أو فقدان الوعي، كما تشمل الإحالة الحالات المزمنة والمعقّدة، إضافة إلى الأطفال والحوامل وكبار السن، لكونهم أكثر عرضة للمضاعفات الدوائية.

ويضيف الموسى أن الحاجة إلى وصف أدوية تتجاوز صلاحيات الصيدلاني، سواء لكونها خاضعة لضوابط قانونية أو تتطلب تشخيصاً دقيقاً ومتابعة طبية، تفرض العودة إلى الطبيب المختص، مؤكداً أن الصيدلاني شريك في الرعاية الصحية وليس بديلاً عن الطبيب.

مخاطر تجاوز التشخيص الطبي

يحذّر الموسى من أن الاعتماد على صرف الدواء دون تشخيص صحيح قد يخفي أمراضاً خطيرة ويؤخر العلاج المناسب، كما قد يعرّض المريض لآثار جانبية أو تداخلات دوائية غير محسوبة، خاصة في ظل عدم إلمام المريض أحياناً بتاريخه المرضي أو الدوائي الكامل، ويكمن الخطر الأكبر في التحسّن المؤقت الذي قد يشعر به المريض، ما يمنحه إحساساً زائفاً بالأمان بينما تستمر المشكلة الصحية بالتفاقم.

كما أن تجاوز التشخيص الطبي قد يؤدي إلى اختيار دواء غير مناسب للحالة أو استخدام جرعات غير دقيقة، ما يسبب مضاعفات خطيرة.

وفيما يتعلق بالأطفال، تتضاعف المخاطر بشكل كبير، إذ إنهم أكثر حساسية للأدوية، وتُحتسب الجرعات لديهم بدقة بناءً على الوزن والعمر والحالة الصحية، وأي خطأ قد تكون عواقبه جسيمة، وقد سُجّلت بالفعل حالات وفاة لأطفال نتيجة إعطائهم أدوية دون إشراف طبي، ما أدى إلى ملاحقة بعض الصيادلة قضائياً، في رسالة واضحة مفادها أن اللجوء إلى الصيدلاني كبديل عن الطبيب ليس حلاً طبياً آمناً، بل قد يكون خطيراً.

من جانبه، يعبّر المواطن أبو بسام عن واقع يعيشه كثير من الناس، قائلاً: «بدلاً من أن يذهب المريض إلى الطبيب ويدفع أجرة كشفية مرتفعة، ثم يتحمّل أسعار الدواء، يلجأ مباشرة إلى الصيدلاني طلباً للعلاج».

ويضيف أن هذا السلوك نابع من الحاجة وضيق الحال، وليس تقليلاً من شأن الطبيب، لكنه يعكس ضغطاً اقتصادياً يدفع الناس إلى البحث عن حلول سريعة قد لا تكون آمنة.

ويقرّ أبو بسام في الوقت ذاته بأن المريض، في معظم الحالات غير العرضية أو المتفاقمة، يجد نفسه مضطراً في النهاية للعودة إلى الطبيب، بعد أن تتضح خطورة الحالة أو تفشل المعالجات الأولية في تحقيق الشفاء.

القانون والرقابة

في هذا السياق، يوضح مدير الرقابة الدوائية في حلب، الدكتور محمد عبد الحافظ، أن القانون الصحي السوري حدّد الدور القانوني للصيدلاني باعتباره مختصاً بالأدوية، يحق له صرفها وفق وصفة طبية صادرة عن طبيب معتمد، وتقديم الاستشارة الدوائية المتعلقة بطريقة الاستخدام، والجرعات، والتفاعلات الدوائية، والآثار الجانبية الشائعة.

ويؤكد عبد الحافظ أن الصيدلاني لا يُعدّ مختصاً بتشخيص الأمراض أو علاج الحالات المرضية، وأن التشخيص الطبي هو عمل حصري للطبيب المرخّص، كما يمنع القانون الصيدلاني من مزاولة الأعمال الطبية أو استخدام الصيدلية مكاناً لممارسة الطب بأي شكل، ويحظر عليه صرف الأدوية التي تتطلب وصفة طبية، مثل المضادات الحيوية وبعض الأدوية الخاصة، دون وصفة أصولية.

وحول المخاطر الصحية للجوء المرضى إلى الصيدلاني بدلاً من الطبيب، يشير عبد الحافظ إلى احتمالات التشخيص الخاطئ، والعلاج غير المناسب، وحدوث تداخلات دوائية خطرة، إضافة إلى تأخير العلاج الفعّال، ما قد يؤدي إلى مضاعفات جسيمة، ولا سيما لدى الأطفال ومرضى الحالات المزمنة.

وتبيّن مديرية الصحة أن دائرة الرقابة الدوائية تعتمد على جولات تفتيش دورية على الصيدليات للتحقق من الالتزام بالقوانين، ومتابعة صرف الأدوية الخاضعة للرقابة، والتأكد من حفظ السجلات المطلوبة، وفي حال ضبط مخالفات، تُتخذ إجراءات قانونية تتدرج من توجيه الإنذارات وفرض الغرامات المالية، إلى إغلاق الصيدلية مؤقتاً أو دائماً في حال تكرار المخالفات أو جسامتها، إضافة إلى إحالة بعض القضايا إلى الجهات القضائية المختصة.

وبين غلاء الكشفيات وضيق الواقع المعيشي، قد يبدو اللجوء إلى الصيدلاني خياراً سهلاً وسريعاً لكثير من المرضى، لكنه يبقى خياراً محفوفاً بالمخاطر إذا ما جرى التعامل معه كبديل عن الطبيب، فالصيدلاني شريك أساسي في المنظومة الصحية، ويؤدي دوراً محورياً في توعية المريض وضمان الاستخدام الآمن للدواء، لكنه لا يحلّ محل التشخيص الطبي الذي يُعدّ الخطوة الأولى والأساسية لأي علاج سليم.

وتؤكد الوقائع المسجّلة، بما فيها حالات وفاة أطفال نتيجة صرف أدوية دون إشراف طبي، أن تجاوز حدود المهنة لا يهدد صحة الفرد فحسب، بل يقوّض السلامة الصحية العامة، ومن هنا تبرز أهمية التزام كل طرف بدوره، وتعزيز وعي المواطنين بأن العلاج الآمن يبدأ بالتشخيص الصحيح، مهما كانت الظروف الاقتصادية قاسية.

إن حماية صحة المريض مسؤولية مشتركة تتطلب تعاون الطبيب والصيدلاني والجهات الرقابية، إلى جانب وعي المجتمع، فالصيدلاني ليس طبيباً بديلاً، ولا ينبغي أن يكون اللجوء إليه إلا ضمن حدود المشورة الدوائية، فيما يبقى الطبيب المرجع الأول والأخير للتشخيص والعلاج، ضماناً لحق الإنسان في رعاية صحية آمنة ومسؤولة.

بانوراما سورية-الثورة

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

تابعونا على فيس بوك

مقالات