تخطى إلى المحتوى

التأمينات الاجتماعية بين حقوق العمال وأعباء التجار

وفاء فرج:

في الوقت الذي تسعى فيه سوريا إلى تعزيز اقتصادها وإعادة بناء مؤسساتها بعد سنوات من الفساد وسوء الإدارة، تبرز قضايا العلاقة بين العمال وأصحاب الأعمال كمحور جدلي أساسي.

فقد أصبح موضوع التأمينات الاجتماعية نقطة اشتباك بين حقوق العمال وواجبات أصحاب المؤسسات، وسط انتقادات من التجار حول الأعباء المالية والإجراءات المعقدة، ومطالب من العمال بضمان حقوقهم المكتسبة.

هذا الواقع يفتح الباب أمام نقاش واسع حول مدى عدالة النظام الحالي، وفاعلية القوانين، وأهمية التوازن بين مصالح جميع الأطراف لضمان سوق عمل منظّم وعادل.

وألزمت وزارة الاقتصاد والصناعة، أصحاب الأعمال على تسجيل عدد معين من العمال في التأمينات الاجتماعية، كشرط لتجديد السجل التجاري.

التهرّب التأميني

أكد رئيس غرفة تجارة ريف دمشق، الدكتور عبد الرحيم زيادة، لصحيفة “الثورة السورية”، وجود “تهرّب تأميني كبير” من قبل الشركات التجارية والصناعية، مشيراً إلى أنّ بعض الشركات الصناعية توظّف مئات العمال والموظفين دون تسجيل أي منهم في التأمينات الاجتماعية.

وأوضح زيادة أنّ هذا التهرّب يحرم مؤسسة التأمينات الاجتماعية من دخل مادي هي بأمسّ الحاجة إليه لدفع رواتب المتقاعدين وتغطية النفقات الضرورية.
وشدّد على أنّ التسجيل في التأمينات الاجتماعية يحفظ حقوق العامل وصاحب العمل، ويضمن للعامل راتباً تقاعدياً مدى الحياة أو تعويضاً مادياً يساعده في تلبية احتياجاته بعد التقاعد.

كما أكّد الدكتور زيادة ضرورة الابتعاد عن “ثقافة التهرّب” الموروثة من النظام المخلوع، وإقامة علاقة شفافة قائمة على الثقة بين أصحاب الأعمال ومؤسسة التأمينات الاجتماعية، بما يحفظ حقوق الجميع ويجنّب الابتزاز والفساد.

فكرة قديمة مستوردة

دعا رئيس جمعية الشحن والنقل والإمداد، محمد رياض الصيرفي، إلى إعادة النظر في شرط إلزام أصحاب العمل بتسجيل العمال في التأمينات الاجتماعية لتجديد سجلاتهم التجارية.

وأوضح الصيرفي لصحيفة “الثورة السورية”، أنّ فكرة التأمينات الاجتماعية ليست جديدة، بل “قديمة مستوردة من الفكر الاشتراكي والنظام السوفييتي سابقاً، وتبناها فكر البعث كأداة للسيطرة والجباية”، ثم تحوّلت مع الوقت من حماية مفترضة للعامل إلى عبء حقيقي على صاحب العمل، دون فائدة ملموسة تعود على العامل نفسه.

وقال الصيرفي: “اليوم، ونحن نتحدث عن سوريا جديدة تقول إنّها تخلّت عن فكر البعث وأدواته، من المستغرب التمسّك بقوانين هي من صلب ذلك الفكر، وبواقع أثبت فشله اقتصادياً واجتماعياً”.

وأضاف: “الكل يعرف أنّ العبء الكامل للتأمينات يدفعه صاحب العمل، بينما العامل لا يرى أثراً حقيقياً لها، ولا يمكن عملياً حسم أيّ مبلغ من راتبه، لأنّه بالكاد يؤمّن معيشته، ومع ذلك يقال إنّ هذه الإجراءات لمصلحته”.

ولفت الصيرفي إلى أنّه عند مقارنة هذا الواقع مع دول الخليج، التي تعدّ من أكثر الدول تقدماً في الاقتصاد الحرّ، يظهر الفرق بوضوح، حيث إنّ حقّ العامل هناك محفوظ فعلياً، لا بالشعارات، إذ يُلزم صاحب العمل بتسديد الرواتب عبر البنك، ولا يستطيع إجراء أيّ معاملة رسمية ما لم يثبت دفع الأجور بشكل نظامي. وأكّد أنّه بهذه الآلية، لا يستطيع صاحب العمل التحكّم بالعامل أو أكل حقه، وتكون الرقابة حقيقية وفعالة.

واعتبر أنّه في سوريا، بدلاً من حماية الأجور وضمان الشفافية، يتمّ تحميل صاحب العمل أعباء إضافية تحت مسمى التأمينات الاجتماعية، دون رقابة حقيقية ودون مردود واضح على العامل.

ورأى أنّ “ما يحصل اليوم ليس تنظيماً لسوق العمل، بل قانون جائر، باطنه جباية، لا يخدم عاملاً ولا صاحب عمل ولا اقتصاداً وطنياً. إذا كنا فعلاً نريد اقتصاداً جديداً ومتقدّماً، فالطريق واضح: حماية الأجور، شفافية الدفع، ورقابة ذكية.. لا إعادة تدوير قوانين قديمة بأسماء جديدة”.

وأشار الصيرفي إلى أنّ العاملين يعيشون حالة خوف دائم من الدوريات والمخالفات، وكأنّهم مذنبون بشكل مسبق. ولفت إلى أنّ حتى أولئك الذين يسدّدون التأمينات، يفعلون ذلك وهم مخالفون، لأنّهم مجبرون على تسجيل الحدّ الأدنى من الرواتب، ليس لأنّه الواقع، بل لتجنّب ارتفاع المبالغ المستحقة عليهم.

وأوضح أنّ هذه القوانين لا تشجّع على الالتزام، بل تدفع الناس إلى التحايل، وتجعل المخالفة جزءاً من الحياة اليومية، حتى أنّ عبارة “ولّي إجو” أصبحت أسلوب عيش، وليست مجرد حالة استثنائية.

وطالب الصيرفي بقوانين واضحة وعادلة ومفهومة، تمكّن الراغبين في العمل بشكل قانوني من ذلك، وتجعل المتهرّبين وحدهم يعيشون في قلق وخوف.

ولفت إلى الفرق الملموس في القوانين الجمركية الجديدة، حيث أصبح الطريق واضحاً أمام الملتزمين، بينما أصبح المخالفون هم الذين يعيشون في خوف، مشيراً إلى أنّ القانون يجب أن يحمي الملتزم ويعاقب المخالف، وليس العكس.

قنوات فساد

النائب السابق لرئيس غرفة تجارة دمشق، محمد الحلاق، أوضح لصحيفة “الثورة السورية” أنّ النظام المخلوع انتهج أساليب تعجيزية لخلق قنوات فساد متشعبة ومتداخلة، ما يصعّب تحديد المسؤول عن الفساد، مشيراً إلى أنّ مؤسسة التأمينات الاجتماعية لا تضمن حقوق العمال بشكل كافٍ، بل تمثّل “رسماً إضافياً” على المؤسسات.

وانتقد الحلاق النسبة المرتفعة للاقتطاع من رواتب العمال لصالح التأمينات الاجتماعية، والتي تبلغ 24 بالمئة، معتبراً أنّ التعويضات التي تقدمها المؤسسة للمتقاعدين لا تتناسب مع قيمة الاشتراكات المدفوعة، حيث أنّ مبلغ 240 ألف ليرة قديمة (2400 ليرة جديدة) لا يكفي لشراء غرام واحد من الذهب (16,450 ليرة جديدة).

كما انتقد فرض ضريبة مرتفعة على رواتب وأجور العمال، معتبراً ذلك عبئاً إضافياً على المؤسسات، ويشجّع على التهرّب من التسجيل في التأمينات. لافتاً إلى أنّ العديد من المؤسسات الصناعية تسجل أعداداً قليلة من عمالها في التأمينات، بسبب عدم ثقة العمال بالمؤسسة والإجراءات المعقدة للتسجيل وفكّ الارتباط.

واقترح الحلاق تخفيض نسبة الاشتراك في التأمينات إلى حوالي 14 أو 15 بالمئة، على أن يتحمّل ربّ العمل ثلثيها والعامل الثلث، مع ربط الراتب التقاعدي بـ”فرق التضخّم” لضمان الحفاظ على قيمته. كما أكّد أهمية أن يحصل المتقاعد على 80 بالمئة من قيمة راتبه معادلة بالدولار بعد 20 أو 25 سنة خدمة، وليس مبلغاً زهيداً لا يفي بالمتطلبات المعيشية.

ودعا إلى تسهيل إجراءات التسجيل وفكّ الارتباط في التأمينات، بحيث يتمكّن ربّ العمل من تسجيل العامل وفصله إلكترونياً، مع تحميله مسؤولية صحّة البيانات، مشيراً إلى أنّ الإجراءات الحالية تتطلّب حضور العامل وربّ العمل إلى مؤسسة التأمينات الاجتماعية لإتمام عملية فكّ الارتباط، ما يشكّل عائقاً أمام العديد من العمال.

وانتقد الحلاق اشتراط تسجيل العمال في التأمينات لتجديد السجل التجارية، معتبراً أنّ هذا الإجراء غير متعارف عليه عالمياً وتمّ اتخاذه “لأغراض انتخابية”، وأنّه يتسبب في تشويه بيانات العمال المسجلين في التأمينات.

ودعا إلى إلغاء هذا الإجراء، وتمكين وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل من أداء دورها في حماية حقوق العمال، بدلاً من أن تعمل وزارة الاقتصاد والصناعة “بالدفاع عن حقوقها”.

وبحسب الحلاق، فقد كانت المراسلات السابقة بين الوزارتين في عهد النظام المخلوع توصي بإلغاء هذا الإجراء، لأنّه أدى إلى تسجيل غير صحيح للعديد من الأشخاص في التأمينات، مثل الزوجات والأبناء والإخوة، ما أدى إلى تشويه البيانات.

وأكّد الحلاق أهمية أن تكون البيانات الصادرة عن أيّ جهة حكومية صحيحة بنسبة 95 بالمئة على الأقل.

حقوق العمال

يؤكّد رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال، فواز الأحمد، لصحيفة “الثورة السورية”، أنّ تسجيل العمال في التأمينات الاجتماعية يعتبر من أبسط الحقوق المضمونة دستورياً وقانونياً وضمن الاتفاقيات العربية والدولية التي انضمت إليها سوريا والتزمت بتطبيقها.

وأشار الأحمد إلى أنّ القطّاع الخاص الوطني شريك أساسي في مسيرة التعافي وبناء سوريا الجديدة بعد التحرير، وعمّاله أهمّ حلقة من حلقات نجاحه، وبالتالي يجب الحفاظ على حقوقهم”.

وأضاف: “عملنا كتنظيم نقابي بعد سقوط النظام المخلوع من خلال الحوار البنّاء وعبر اللقاءات والجولات الميدانية مع أصحاب العمل والعمال على تنسيب أكبر عدد من عمال القطاع الخاص للنقابات، وذلك بهدف تعزيز وجودنا إلى جانب العمال ومتابعة قضاياهم، خاصة ما يتعلّق بالصحّة والسلامة المهنية، وإشراكهم بصناديق المساعدات والتكافل والخدمات الصحيّة والاجتماعية التي يقدّمها التنظيم النقابي للمنتسبين إلى صفوفه، وقد لمسنا تجاوباً جيداً”.

وأوضح الأحمد أنّ المبادرة إلى تسجيل العاملين في القطاع الخاص لدى المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية يعدّ التزاماً أخلاقياً واجتماعياً، إضافة إلى كونه التزاماً بأحكام قانون التأمينات الاجتماعية، لا سيّما المادة 16 منه، وهذا يعزّز شعور العمال بالرضا والثقة والاستقرار المهني، ما يزيد حرصهم على بيئة العمل وأدواتها ويزيد من الإنتاج وجودة المنتج، إضافة لمساعدة أصحاب العمل في موضوع إصابات العمال وتحمّل نفقات العلاج وتعويضات للعامل أو ورثته.

ضرورات المصلحة العامة

قال معاون مدير عام المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، الدكتور سمير بركات، لصحيفة “الثورة السورية”، إنّ قرار ربط السجّل بوثيقة تسجيل العمال في التأمينات الاجتماعية الصادر عن وزير الاقتصاد والصناعة هو تنفيذ لضرورات المصلحة العامة والقوانين النافذة في مجال العمل والتأمينات الاجتماعية، التي ألزمت كل صاحب عمل بالاشتراك عن كل العاملين في المنشأة.

وأضاف أنّ هذا القرار إجراء تسعى الدولة ممثلة بجهازها المعنيّ لمنع التهرّب التأميني والمحافظة على الحقوق التأمينية للعمال، مع الإشارة إلى أنّ هذا الإجراء معمول به سابقاً وصدور تعميم الوزير جاء تأكيداً وتحديداً لهذا الإجراء الذي يحفظ حقوق العامل وصاحب العمل والدولة على حدّ سواء.

وأوضح بركات أنّ صاحب العمل الملتزم بأحكام قوانين العمل والتأمينات الاجتماعية لن يتأثر سلباً بالعمل بمضمونه طالما أنّه ملتزم بتنفيذه، وأنّ الإعفاء من هذا الإجراء يخالف قانون التأمينات الاجتماعية لا سيّما المادة 16 منه في الفقرة (أ)، وهي الزامية التأمين على أيّ منشأة يوجد فيها عامل على الأقل.

وشدّد بركات على أنّ الربط الذي نصّ عليه التعميم يلتزم بالقوانين الناظمة للعلاقة التعاقدية بين العامل وصاحب العمل لجهة الحقوق والواجبات بينهما، ويعتبر جزءاً لا يتجزأ من التكامل بين غرف التجارة والصناعة وبين مؤسسة التأمينات الاجتماعية وفروعها في المحافظات لتعزيز الحماية الاجتماعية للعاملين في القطاع الخاص.

واعتبر أنّ التسجيل في غرفة التجارة دون الحصول على وثيقة تثبت عدد العمال بالنسبة لصاحب العمل غير الملتزم بتسديد الاشتراكات المترتبة عليه تجاه عماله سيُسهم في الإضرار به.

وأشار إلى أنّ عدم مراجعة أصحاب العمل للمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية لمعرفة فيما إذا كان عليهم ذمم أم لا، ستتضاعف المبالغ المترتبة مع الفوائد والغرامات، ممّا يزيد العبء المالي عليهم وفي النهاية الحجز على المنشأة لتحصيل المستحقات نتيجة عدم السداد، علماً أنّ الحصول على وثيقة عدد العمال لا يتطلّب أيّ وقت أو جهد من أصحاب العمل.

وأكّد بركات تقديم التسهيلات كافة لأصحاب العمل للحصول على هذه الوثيقة، مشيراً إلى أنّ ضرورات المصلحة العامة تتطلب تضافر الجهود بين الغرفة والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية حتى تتمكن المؤسسة من الاستمرار بعملها تجاه المتقاعدين والمؤمّن عليهم وأصحاب العمل معاً.

ولفت إلى أنّ الجولات التفتيشية التي تنفذها المؤسسة، والمنصوص عليها في قانون العمل وقانون التأمينات الاجتماعية، تسير وفق خطط شهرية بنزاهة وشفافية، وبما يحقّق المحافظة على حقّ العامل والمال العام.

الثورة

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

تابعونا على فيس بوك

مقالات