تخطى إلى المحتوى

زيادة الرواتب في 2026.. أمل لتحسين المعيشة أم تحد اقتصادي جديد؟

ميساء العلي:

مع تآكل القدرة الشرائية للرواتب في القطاع العام وتنامي الضغوط المعيشية على المواطنين، عادت الحكومة السورية لتطرح مسألة زيادة الرواتب والأجور ضمن موازنة عام 2026، في خطوة أثارت نقاشاً واسعاً حول أثرها الاقتصادي والاجتماعي.

وقال وزير المالية محمد يسر برنية، في تصريحات صحفية: إن موازنة 2026 تضمنت إصلاحاً للأجور والرواتب، مؤكداً أنها مسألة مستمرة قطعت الحكومة فيها خطوات وستواصل العمل للوصول إلى المستوى الذي يضمن حياة كريمة للمواطنين.

وبين أمل الموظفين بتحسين مستوى معيشتهم، وتحذيرات الخبراء من مخاطر التضخم وقيود التمويل، تبدو زيادة الرواتب اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين دعم المواطنين وتحريك الاقتصاد دون الإضرار بالاستقرار المالي.

من هذه الزاوية، يقرأ الخبير الاقتصادي سامر رحال، التوجه نحو زيادة الرواتب باعتبارها محاولة لاحتواء التوترات الاجتماعية والحفاظ على ما تبقى من التماسك الوظيفي في مؤسسات الدولة، غير أن هذا التوجه، رغم وجاهته، يثير تساؤلات جوهرية حول حدوده الاقتصادية، لا سيما في اقتصاد يعاني ضعف الإنتاج وارتفاع الاعتماد على الاستيراد.

وقال رحال لصحيفة الثورة السورية: إن الإشكالية الأساسية تكمن في حجم الزيادة وآلية تنفيذها، فالزيادات المحدودة التي تقلّ عن 100 في المئة لن تُحدث فرقاً ملموساً في مستوى المعيشة، بينما قد تؤدي الزيادات الكبيرة التي تتجاوز 200 في المئة، إذا لم تُرفق بموارد حقيقية، إلى موجة جديدة من التضخم وارتفاع الأسعار.

وفي 2025، رفعت الحكومة السورية، رواتب الموظفين والعاملين في مؤسسات الدولة بنسبة 200 بالمئة.

زيادة تدريجية

يرى رحال أن زيادة تتراوح بين 120 و180 في المئة تُنفذ بشكل تدريجي وتفضيلي لصالح الشرائح ذات الدخل الأدنى، قد تكون أكثر انسجاماً مع التوازنات المالية، أما على صعيد التمويل، فإن التحدي الأكبر، بحسب رحال، يتمثل في تجنب اللجوء إلى التوسع النقدي لما يحمله من مخاطر تضخمية معروفة، وتبقى البدائل الممكنة محصورة في تحسين كفاءة التحصيل الضريبي، وإعادة هيكلة المؤسسات العامة الخاسرة، وترشيد الدعم غير الموجَّه، إضافة إلى دعم الإنتاج المحلي.

وأضاف: إن هذه الخيارات، رغم صعوبتها السياسية والتنفيذية، تشكّل الأساس لأي زيادة قابلة للاستمرار، فعلى المدى القصير قد تسهم زيادة الرواتب في تنشيط الطلب وتخفيف الضغوط الاجتماعية، لكن من دون توسع موازٍ في العرض تبقى مخاطر ارتفاع الأسعار قائمة مع ما يرافق ذلك من ضغوط إضافية على سعر الصرف.

وبذلك، تمثل زيادة الرواتب في موازنة 2026 اختباراً لطبيعة المسار الاقتصادي الذي تسعى الدولة إلى تكريسه، كما يرى رحال، فإما أن تكون جزءاً من تحول أوسع نحو ربط الدخل بالإنتاج وتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية، أو تتحول إلى إجراء مؤقت يؤجل الاختلالات البنيوية بدل معالجتها، فنجاح هذه الخطوة يُقاس بقدرتها على إحداث فرق حقيقي ومستدام في حياة المواطنين من دون إعادة إشعال دوامة التضخم.

مواكبة التضخم والأسعار

يتوافق المحلل الاقتصادي شادي سليمان، مع رحال بأن هذه الخطوة تهدف إلى تحسين الوضع المعيشي، كونه يأتي في وقت يعاني فيه المواطنون من ضغوط اقتصادية كبيرة، كما يعكس سعي الحكومة للتخفيف من وطأة التضخم، رغم التحديات المالية والاقتصادية التي تمرّ بها البلاد.

ويقول سليمان لصحيفة الثورة السورية: رغم عدم التصريح عن النسبة المتوقعة للزيادة القادمة، والتي يعتقد البعض أنها من الممكن أن تصل إلى 200 بالمئة، إلا أنه من المهم أن تكون تلك الزيادة تفوق هذه النسبة حتى تكون مجزية في ظل الارتفاعات الكبيرة بالأسعار، لا سيما الخدمات، كالكهرباء والاتصالات والمياه التي تنتظر دورها بالارتفاع، مؤكداً أهمية أن تكون تلك الزيادة كافية لمواكبة التضخم وارتفاع الأسعار.

ورجح سليمان أن تشمل مصادر تمويل الزيادة المرتقبة الفائض الذي تحدّث عنه الوزير برنية بموازنة 2025، أو عن طريق إعادة ترتيب الأولويات في الموازنة العامة، إذ من الممكن تقليص بعض النفقات غير الضرورية في بعض القطاعات الحكومية، وتحويل تلك المبالغ لصالح الرواتب والأجور، أو من خلال تحسين أداء الشركات والمؤسسات الحكومية المملوكة للدولة، التي قد تسهم في توفير موارد إضافية من خلال تعزيز الإيرادات الناتجة عن بيع السلع والخدمات.

وبحسب تصريحات وزير المالية، من المقرر أن يتضاعف الإنفاق العام في موازنة 2026 أكثر من ثلاث مرات مقارنة بموازنة 2025، مع تركيز استثماري يصل إلى 30 بالمئة من إجمالي النفقات لإعادة تأهيل البنية التحتية والمناطق المحررة، إضافة إلى ارتفاع كبير في النفقات التشغيلية والاستثمارية لتغطية احتياجات إعادة الخدمات وصيانة المنشآت النفطية.

أثر ومخاطر

حول الأثر المتوقع من الزيادة المرتقبة، يرى سليمان أنها قد تحمل تأثيراً إيجابياً على الاقتصاد في المدى القصير، عبر المساهمة في تحسين مستوى معيشة الموظفين وتعزيز قدرتهم الشرائية، ما قد يؤدي إلى زيادة في الاستهلاك المحلي، ويسهم في تحفيز النشاط الاقتصادي.

كما أن زيادة الأجور قد تسهم في تحسين مستوى الرضا الوظيفي وزيادة الإنتاجية في بعض القطاعات، خاصة إذا تم تزامن ذلك مع إصلاحات إدارية وتشغيلية، وفق سليمان.

أما عن المخاطر المحتملة، فتشمل بحسب سليمان، زيادة الأسعار والتضخم، أي إذا لم يتم تأمين تمويل الزيادة من مصادر جديدة وغير تضخمية، فقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع الأسعار نتيجة الطلب الزائد عن العرض، وبالتالي قد لا تؤدي الزيادة في الرواتب إلى تحسين الوضع المعيشي للمواطنين بشكل ملموس، فالشركات قد تزيد من أسعار السلع والخدمات لمواكبة زيادة الأجور، ما يؤدي إلى دورة من التضخم.

ويقترح سليمان عدداً من الخطوات للتخفيف من تلك المخاطر المحتملة، بما في ذلك ضبط التضخم من خلال السياسات النقدية، مثل زيادة سعر الفائدة أو تقليص الكتلة النقدية المتداولة في السوق، مع تحفيز الإنتاج المحلي.

وأوضح أنه لتجنب التضخم الناتج عن زيادة الطلب، يجب على الحكومة العمل على زيادة الإنتاج المحلي، وتحفيز الصناعات المحلية لتلبية احتياجات السوق، كما يمكن للحكومة توفير برامج دعم اجتماعي موجهة للأسر ذات الدخل المحدود، وذلك للتخفيف من تأثير التضخم على الشرائح الأكثر ضعفاً في المجتمع.

الثورة

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

تابعونا على فيس بوك

مقالات