تخطى إلى المحتوى

السيارات الكهربائية بين ضرورة التحوّل وغياب التشريع

إخلاص علي

في الوقت الذي يتسارع فيه توجّه العالم نحو اعتماد السيارات الكهربائية كخيار استراتيجي لتقليل الانبعاثات وخفض الاعتماد على الوقود الأحفوري، تطلّ سوريا على هذا المشهد من نافذة ضيقة، رغم بوادر أمل تمثّلت في ظهور أعداد محدودة من السيارات الكهربائية والهجينة على طرقاتها، خاصّة بعد التحرير.

هذه التجربة الوليدة، التي تحمل آمالاً بتخفيف فاتورة استيراد المشتقات النفطية الباهظة، وتقديم بديل أنظف وأكثر اقتصاداً في بلد يعاني أزمة طاقة مزمنة، تصطدم بجملة من التحدّيات الهيكلية واللوجستية، أبرزها غياب البنية التحتية الداعمة وندرة التشريعات الواضحة.

تجارب سابقة

أوضح المتخصص في قطّاع السيارات الكهربائية عامر ديب، أنّ سوريا ليست جديدة على قطّاع النقل الأخضر، فقد صدرت قوانين سابقة في عام 2014 تسمح بتجميع السيارات الكهربائية والهجينة، وحتى بإعفاء مكوناتها بنسبة 30 بالمئة من الرسوم الجمركية.

وفي المؤتمر العلمي الذي عُقد في المعهد العالي للتخطيط الإقليمي عام 2024، قدّم مفهوم النقل الأخضر الذي يشمل كلّ سيارة لا تعتمد على الوقود الأحفوري بشكل كليّ أو جزئيّ.

على الصعيد العالمي، أشار ديب إلى أنّ هذا القطّاع شهد طفرة كبيرة بدأت من عام 2000 واستمرت حتى الربع الأخير من العام الماضي، لكن مع بداية العام الحالي واجهت الصناعة تحدّيات عدّة أدّت إلى تراجعها، من أبرزها استمرار الحرب في أوكرانيا، وارتفاع الأسعار، والحرب التجارية، والسياسات الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب. كما أنّ فشل خطط التحوّل نحو الطاقة النظيفة على المستوى العالمي، والتحدّيات المتعلّقة بالبنية التحتية، وعدم النجاح في إدارة هذا القطّاع عالمياً، كلّها عوامل أسهمت في هذا التراجع.

وأضاف ديب لصحيفة “الثورة السورية”: نتيجة لذلك، نجد أنّ العديد من شركات السيارات الكهربائية التي أعلنت سابقاً عن بدء عملها قد تراجعت أو أغلقت، حتى شركة “تسلا”، التي كانت رائدة في هذا المجال خفّضت إنتاجها، وكذلك فعلت شركات أخرى كثيرة. في المقابل، استطاعت الشركات الصينية أن تفرض نفسها كرائدة في قطّاع النقل الأخضر، رغم إغلاق الأسواق العالمية في وجهها. وفي هذا السياق، شدّد ديب على ضرورة عدم الخلط بين أنواع هذه المركبات، موضّحاً الفرق بين السيارة الكهربائية بالكامل والسيارة الهجينة.

فالسيارة الكهربائية بالكامل هي التي لا تصدر أي انبعاثات وتعتمد فقط على الكهرباء. أما السيارة الهجينة، فتعتمد على محرّك احتراق داخلي يعمل بالبنزين إضافة إلى بطارية ومحرك كهربائي، وهي ليست سيارة كهربائية خالصة، لكنّها توفّر في استهلاك الوقود وتقلّل من الانبعاثات مقارنة بالسيارات التقليدية، كما أنّها تتيح للسائق خيارات متعدّدة للقيادة.

مستقبل القطّاع

حول مستقبل قطّاع النقل الأخضر عالمياً، يرى ديب أنّ التحوّل نحو السيارات الكهربائية أصبح ضرورة مهمّة، لكنّه لا يعتقد أنّ نسبة انتشارها ستصل إلى 95 بالمئة بحلول عام 2050 كما كان متوقعاً سابقاً، بل يتوقّع أن تتراوح بين 50 بالمئة و60 بالمئة كحد أقصى. هذا الرقم، بحسب الخبير، مرتبط بشكل أساسي بتوفّر مصادر الطاقة والتحوّل نحو الطاقات البديلة، لأنّ الاعتماد على الكهرباء التقليدية لشحن هذه السيارات، لن يحقّق الهدف المنشود.

لذلك، فإنّ الطاقة الشمسية أو مصادر الطاقة البديلة هي الأنسب لشحن السيارات الكهربائية على المدى الطويل، لأنّها تحقّق جدوى اقتصادية حقيقية وتساهم في الحفاظ على البيئة.

على الصعيد المحلّيّ، لفت ديب إلى وجود عوامل عدّة أسهمت في التحوّل نحو السيارات الكهربائية في العالم، والتي بدأت تلوح في الأفق السوري أيضاً، منها انخفاض أسعارها وتكاليف الصيانة، وتوفّر وكلاء لها، وسرعة الشحن، خاصة مع توفّر بطاريات بسعات مختلفة تبدأ من 17 كيلوواطاً وتصل إلى 50 كيلوواطاً.

فجوات محلية

أشار ديب إلى وجود فجوة في السياسات المحلية، قائلاً: “في سوريا، كان هناك غياب لرؤية واضحة لهذا القطّاع، رغم وجود رؤية سابقة في عام 2010 للتحوّل الكامل نحو السيارات الكهربائية بحلول عام 2040، ورغم صدور المرسوم 240 الذي ينظّم جمارك السيارات الكهربائية. واليوم، نحن بحاجة ماسّة إلى تنظيم هذا القطّاع عبر وضع رؤية وطنية واضحة تشمل موضوع الجمارك، وتوفير قطع الغيار، وتهيئة البنية التحتية، وإنشاء محطّات الشحن، وتقديم قروض ميسّرة وتقديم تسهيلات في الدفع لتشجيع المواطنين على التحوّل نحو هذه السيارات”.

أثر اقتصادي وبيئي

فيما يتعلّق بالأثر البيئي والتأثير على الاقتصاد، يرى ديب أنّ التحوّل نحو السيارات الكهربائية سيخفّف الأعباء بشكل كبير عن الدولة، فكلّ سيارة سواء كانت كهربائية بالكامل أو هجينة، تسهم في تقليل استهلاك البنزين، وهذا ينعكس إيجاباً على الاقتصاد الوطني وعلى البيئة.

وأوضح أنّ قطّاع النقل الخاص والتجاري ينتظر من الدولة أن تضع استراتيجية واضحة والعمل عليها بشكل سريع، لأنّ استمرار الوضع الحالي يلحق الضرر بالخزينة العامة ويزيد من التلوث البيئي.

وأضاف: “نحن في لقاءاتنا الإعلامية قدمنا استراتيجياتنا وخبراتنا، لكن يبدو أنّه لا توجد حتى الآن رؤية واضحة لهذا القطّاع تعتمد على أسس سليمة، غير الاعتماد على بعض الوكلاء والمستثمرين بشكل فردي”.

ودعا ديب إلى عدم شراء أيّ سيارة كهربائية إلا إذا كان التاجر المورد لديه وكالة رسمية، ويوفّر قطع الغيار، ويتيح إمكانية الشحن السريع للسيارة.

استراتيجية متكاملة

بدوره، حذّر الباحث في قطّاع الطاقة، زياد عربش، من أنّ دخول السيارات الكهربائية إلى سوريا سيبقى عرضة للفوضى في قطّاع النقل البري، ما لم تُعتمد استراتيجية متكاملة لتنظيم هذا القطّاع.

وقال عربش لصحيفة “الثورة السورية”، إنّ سوريا تواجه تحدّيات كبيرة على مستويات متعدّدة في مسار التحوّل نحو الاعتماد على السيارات الكهربائية، الذي لا يزال في بداياته، وذلك رغم بعض الإجراءات الأولية التي اتخذت خلال السنوات الماضية، ومن أبرزها استيراد شحنات من هذه السيارات أو الشروع في تجميعها محلياً.

ولفت إلى أنّ دعم الدولة للتحوّل نحو النقل الأخضر تجلّى في خطوات محدودة، منها استيراد 500 سيارة كهربائية، وتوفير خدمات الشحن، إضافة إلى مشاريع التجميع المحلي بالتعاون مع شركات صينية.

كما سبق أن صدرت توصيات تتعلّق بتصنيع السيارات الكهربائية، تسمح بتصدير 90 بالمئة من الإنتاج، على أن يخصّص 10 بالمئة منها للسوق المحلية في مرحلة أولى، بهدف التخفيف من حدّة أزمة الوقود.

واعتبر عربش أنّ اعتماد سياسة واضحة ومتكاملة في هذا المجال سيسهم طبيعياً في تحقيق وفر تدريجي في الاستهلاك، خاصة أنّ سوريا حالياً تستورد نحو 95 بالمئة من احتياجاتها من مشتقات الطاقة. وأكّد أنّ هذا التوجّه من شأنه التخفيف من الضغط على ميزان المدفوعات، وإيجاد آلاف فرص العمل، إضافة إلى الآثار الإيجابية بيئياً وصحياً، حيث تسهم السيارات الكهربائية في خفض الانبعاثات الكربونية، وتحسين جودة الهواء في المدن الكبرى، والحدّ من التلوّث والأمراض التنفسيّة المرتبطة باستخدام الوقود الأحفوري.

ويبقى السؤال مطروحاً: هل تستطيع سوريا تحويل التحدّيات إلى فرص، وبناء استراتيجية وطنية متكاملة تضع قطّاع النقل الأخضر على مسار صحيح، أم تبقى هذه التجربة رهينة المبادرات الفردية والفوضى التشريعية التي تعمّق أزمة الطاقة وتزيد من التلوث البيئي؟

الثورة

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك