تخطى إلى المحتوى

موازنة 2026.. بين أرقام التعافي وتحديات التنمية والإعمار

 نور جوخدار

تدخل سوريا مرحلة جديدة من التحولات الاقتصادية، بعد إعلان السيد الرئيس أحمد الشرع، أن الموازنة العامة للدولة لعام 2026 تبلغ 10.5 مليار دولار، بزيادة لافتة مقارنة بعام 2024، مع توقعات بعودة الناتج المحلي إلى ما كان عليه عام 2010، على أن يصل إلى ما بين 60 و65 مليار دولار، في إنجاز واضح تحقق في غضون سنة وبضعة أشهر.

وستكون 40 بالمئة من موازنة هذا العام للخدمات من صحة وتعليم وغيرهما.

ويأتي ذلك بالتوازي مع توجه حكومي لإنهاء ملف المخيمات وإعادة تأهيل البنى التحتية، بما لا يقل عن ثلاثة مليارات دولار من الإنفاق الحكومي، عبر إنشاء صندوق خاص، دون الاعتماد على مساعدات أو قروض.

وفي عام 2024، بلغ الإنفاق الحكومي في سوريا نحو ملياري دولار، وفي العام 2025، وصلت نسبة النمو إلى ما بين 30 إلى 35 بالمئة، وارتفع الناتج المحلي إلى نحو 32 مليار دولار، بينما وصل مستوى الإنفاق إلى 3.5 مليار دولار، ولأول مرة حققت الدولة فائضاً في الموازنة.

وأعادت المناطق التي تحررت مؤخراً في الجزيرة، والتي تعادل نحو 25 بالمئة من مساحة سوريا، للدولة جزءاً مهماً من مواردها، ما من شأنه دعم الاقتصاد، خاصة في قطاعات الطاقة والغذاء والمياه.

ورغم أهمية هذه الأرقام ودلالاتها، فإن التحدي يكمن في كيفية توظيفها عملياً لتحقيق تعافٍ اقتصادي ملموس، وضمان توزيعها بشكل متوازن بين المحافظات والمناطق المتضررة بما يعزز العدالة التنموية خلال مرحلة إعادة الإعمار.

التعافي البنيوي

في تحليل لهذه المؤشرات، رأى الخبير الاقتصادي الدكتور سامر رحال، أن إعلان موازنة بقيمة 10.5 مليار دولار في بلد خرج من حرب مدمّرة يستدعي قراءة معمّقة لفهم دلالاته وانعكاساته الفعلية على أرض الواقع.

وقال رحال لصحيفة “الثورة السورية”، إن الصورة الكلية تشير إلى أنه إذا تراوح الناتج المحلي الإجمالي المتوقع لعام 2026 بين 60 و65 مليار دولار، فإن الموازنة العامة البالغة 10.5 مليار دولار تمثل نحو 16 بالمئة إلى 18 بالمئة من هذا الناتج، وهي نسبة أقل من متوسط الدول المستقرة الذي يتراوح بين 20 بالمئة و30 بالمئة، لكنها تبقى مرتفعة نسبياً في اقتصاد ما يزال في مرحلة التعافي.

وأضاف أن الأرقام تصبح أكثر دلالة عند مقارنتها تاريخياً، إذ كان الناتج المحلي السوري قبل عام 2011 يقدر بنحو 60 مليار دولار، بينما انكمش الاقتصاد بعد ذلك بأكثر من 80 بالمئة، وتسعى الدولة حالياً للعودة إلى نفس الحجم الاسمي، لكن بقاعدة إنتاجية أضعف بكثير، ما يعني أن الاقتصاد عاد رقمياً، لكنه لم يتعافَ بنيوياً بعد.

المخيمات أولوية

فيما يتعلق بملف المخيمات، وضعت الحكومة هذا الملف على رأس أولويات الإنفاق، مع التركيز على تمكين السكان من العودة إلى قراهم وبلداتهم التي دمرها النظام المخلوع.

وتعتزم الحكومة تنفيذ خطة لإعادة تأهيل البنى التحتية في المناطق المتضررة، لا سيما في أرياف إدلب وحلب وشمالي حماة وشمالي اللاذقية، إلى جانب بعض مناطق الغوطة الشرقية ودرعا ودير الزور.

وفي هذا الصدد، أكد الخبير رحال أن هذا الملف يمثل تكلفة “غير مرئية” في الموازنة العامة، موضحاً أن إنهاء ملف المخيمات يعني التعامل مع مئات آلاف الأسر. وأضاف أنه في حال افتراض، بشكل مبدئي، نحو 500 ألف أسرة بحاجة لإعادة توطين بتكلفة وسطية 10 آلاف دولار لكل وحدة سكنية بسيطة، فإن الكلفة الإجمالية قد تصل إلى خمسة مليارات دولار فقط للإسكان الأولي، دون احتساب البنية التحتية والمدارس والخدمات الصحية. وبالتالي، فإن هذا الملف وحده قد يستهلك ما يعادل 50 بالمئة من إجمالي الموازنة في حال تنفيذه بشكل كامل.

ويبقى تحدي التمويل هو المحور الأبرز، خصوصاً مع تأكيد الحكومة على عدم الاعتماد على القروض أو المساعدات الخارجية.

وفي هذا الإطار، رأى رحال أن هذا الملف يضع الاقتصاد أمام احتمالين: إما الاعتماد على الإيرادات الداخلية من ضرائب ورسوم وموارد، أو على إيرادات الموارد الطبيعية كالنفط والغاز، وهنا تظهر فجوة واضحة، حيث إن الاقتصاد ما زال هشاً، والقاعدة الضريبية محدودة، إضافة إلى أن الإنتاج النفطي لم يعد إلى مستوياته السابقة.

مؤشرات النجاح

تساءل الدكتور رحال حول كيفية توزيع الإنفاق جغرافياً، ويرى أن الاقتصاد السوري يمكن تقسيمه إلى ثلاث كتل رئيسة:

  • مناطق الدمار الشامل: تشمل حلب وإدلب وريف حماة الشمالي والغوطة وحمص، وتحتاج إلى استثمارات ضخمة في الإسكان والبنية التحتية، وقد تستحوذ على نحو 40–50 بالمئة من الإنفاق الاستثماري.
  • مناطق الموارد: تشمل دير الزور والحسكة والرقة، وتحتوي على معظم الثروات النفطية والزراعية، وتمثل مفتاح التمويل المستقبلي للاقتصاد، رغم ضعف الاستثمار فيها تاريخياً.
  • مراكز الاستقرار النسبي: مثل دمشق والساحل، والتي تحتاج إلى تحسين الخدمات والبنية القائمة، لكنها أقل حاجة لإعادة إعمار جذرية.

ويحذر رحال من أن أي توزيع غير متوازن بين هذه الكتل الثلاث سيعيد إنتاج الفجوات التنموية السابقة. فعلى سبيل المثال، تخصيص 60 بالمئة من الإنفاق للمناطق الغربية مقابل 20 بالمئة فقط للمناطق الشرقية يعني عملياً استمرار الفوارق التاريخية.

وعلى الصعيد العملي، تشير تجارب إعادة الإعمار عالمياً إلى أن نسبة الهدر في المشاريع تتراوح بين 30 و40 بالمئة، ما يعني أن من بين 10.5 مليار دولار، قد تضيع 3–4 مليارات دولار دون أثر تنموي حقيقي، لتصبح القيمة الفعلية للموازنة نحو 6–7 مليارات دولار من حيث الأثر الاقتصادي.

وبذلك، تكون المعادلة كالتالي: موازنة 10.5 مليار دولار في ظل اقتصاد حجمه 60 مليار دولار واحتياجات إعادة إعمار تصل إلى 300 مليار دولار، أي أن ما يُنفق حالياً لا يغطي سوى 3 بالمئة من الفجوة الفعلية سنوياً.

وبحسب رحال، لا يمكن اعتبار هذه الموازنة موازنة إعادة إعمار كاملة، لكن بداية لمرحلة إعادة الإعمار، ويقاس نجاحها بثلاثة مؤشرات حاسمة: نسبة الأموال التي تصل فعلياً إلى المشاريع، طريقة توزيعها بين المحافظات، ومدى شعور المواطن في الأطراف بنفس الأثر الذي يشعر به في المركز.

عدالة تنموية

حول تحقيق العدالة التنموية في سوريا، أكد رحال أن ذلك يحتاج إلى آليات دقيقة قابلة للقياس والمحاسبة، مشيراً إلى أن أي موازنة بهذا الحجم تتطلب إطاراً صارماً يضمن توزيعها بشكل عادل.

وقدم الخبير خمسة مقترحات أساسية لتحقيق العدالة التنموية، أبرزها اعتماد معادلة توزيع شفافة، فبدلاً من التوزيع السياسي أو العشوائي يجب الاعتماد على مؤشرات رقمية تشمل نسبة الدمار في كل محافظة، وعدد السكان العائدين والنازحين، والمساهمة الاقتصادية (زراعة، نفط، صناعة).

على سبيل المثال، محافظة مدمرة بنسبة 60 بالمئة وتضم 15 بالمئة من السكان يجب أن تحصل على حصة أعلى من محافظة دمارها 20 بالمئة فقط.

ثانياً، تخصيص حد أدنى إلزامي للمناطق المهمشة لمنع إعادة إنتاج الفجوة بين الشرق والغرب، حيث يمكن فرض قاعدة مثل “لا يقل نصيب المناطق الشرقية عن 25–30 بالمئة من الإنفاق الاستثماري”، لتصحيح “الاختلال التاريخي” وضمان الاستقرار.

ثالثاً، ربط التمويل بالنتائج، أي بدلاً من صرف الأموال دفعة واحدة تُقسم المشاريع إلى مراحل، ويتم التمويل بناء على نسب الإنجاز: 30 بالمئة عند بدء المشروع، 40 بالمئة عند بلوغ 50 بالمئة من التنفيذ، و30 بالمئة عند التسليم النهائي، ما يقلل الهدر الذي قد يصل إلى 40 بالمئة.

رابعاً، نشر بيانات إنفاق تفصيلية، فلا يمكن تحقيق العدالة دون شفافية، لذلك يجب نشر بيانات دورية (شهرية أو ربع سنوية) توضح حجم الإنفاق في كل محافظة، وطبيعة المشاريع، ومن هي الشركات المنفذة، ما يعزز الرقابة المجتمعية ويرفع الثقة العامة.

خامساً، إنشاء صندوق إعمار مستقل برقابة متعددة، فبدلاً من إدارة الأموال بالكامل عبر الوزارات، يمكن إنشاء صندوق وطني لإعادة الإعمار يخضع لرقابة حكومية وفنية مستقلة، وربما دولية لاحقاً، وهو نموذج مطبق في دول عدة بعد النزاعات ويقلل التسييس والفساد.

وخلص رحال إلى أن العدالة في موازنة 2026 تتحقق بتحويل الأرقام إلى نظام واضح يقوم على معادلة توزيع عادلة، وحصة مضمونة للأطراف، وتمويل مشروط بالنتائج، إضافة إلى شفافية كاملة ورقابة مستقلة. ودون هذه الأدوات التي لا غنى عنها، قد تتحول الـ10.5 مليار دولار إلى مجرد رقم كبير، أما معها فقد تكون بداية حقيقية لإعادة بناء دولة أكثر توازناً وعدالة.

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك