تخطى إلى المحتوى

خريطة طريق حذرة.. تحولات الموازنة بين دعم الرواتب وتحديات النمو

ليست كل الموازنات مجرد جداول وأرقام، بعضها يروي قصة بلدٍ يحاول أن يوازن بين البقاء والنهوض، في الحالة السورية تبدو الموازنة أشبه بخريطة طريق حذرة، تُنفق فيها الدولة على الاستقرار الاجتماعي، بينما تؤجل حالياً رهانها الأكبر على الاستثمار والإنتاج.
ضمن هذه المعادلة المعقدة، يرى الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية المهندس باسل كويفي أن الاقتصاد لا يزال يتحرك في مساحة “إدارة الأزمة”، لكنه يرسل في الوقت ذاته إشارات أولية نحو إعادة ترتيب الأولويات تمهيداً لمرحلة التعافي.
وتُبرز التصريحات التي أطلقها وزير المالية محمد يسر برنية مؤشرات مهمة حول توجهات السياسة المالية في سوريا خلال المرحلة المقبلة، ضمن دلالات وانعكاسات متعددة.
ويؤكد كويفي خلال حديثه لـ”الحرية”، أن هذه التصريحات تعكس مزيجاً من الإيجابيات والتحديات، وتؤشر إلى مرحلة اقتصادية دقيقة تتطلب توازناً بين تحقيق الاستقرار الاجتماعي والانطلاق نحو النمو المستدام.

إعادة هيكلية الإنفاق العام

من أبرز ما حملته التصريحات، إعادة هيكلية الإنفاق العام، حيث خُصص نحو 41% من الموازنة للرواتب والأجور، ورغم أن هذه الخطوة تُعد إيجابية من حيث دعم الاستقرار المعيشي، إلا أن كويفي يشير إلى أن هذه النسبة مرتفعة وفق المعايير الاقتصادية، إذ تتراوح النسبة الصحية في الدول النامية بين 20% و30%، ما يعكس عبئاً تشغيلياً كبيراً على الخزينة العامة للدولة.

موازنة استهلاكية

ويؤكد كويفي لـ”الحرية” أن هذه المؤشرات تدل على أن الموازنة لا تزال “استهلاكية” بدرجة كبيرة، الأمر الذي يترك مساحة ضيقة للإنفاق الاستثماري في مجالات البناء والتعمير والبنية التحتية، والتي تُعد المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي على المدى الطويل.

تحول جوهري

في المقابل، يلفت كويفي إلى أن التحول في أولويات الإنفاق يُعد تحولاً جوهرياً، حيث أصبح الإنفاق على القطاعات الاجتماعية (الصحة، التعليم، الحماية الاجتماعية) يفوق الإنفاق على القطاعات الأمنية، ويؤكد أن هذا التوجه من شأنه تعزيز “رأس المال البشري”، خاصة في ظل الدمار الواسع، حيث تشكل إعادة بناء قدرات الإنسان السوري شرطاً أساسياً لأي نهضة اقتصادية.

تعزيز الاستقرار

ويرى كويفي أن هذا التوجه قد يسهم في تحسين بيئة الاستقرار الاجتماعي، وهو عامل مهم في جذب الاستثمار المحلي والأجنبي على المدى المتوسط، خصوصاً مع التركيز على التعليم والصحة كركائز للتنمية.
ومن أبرز الإيجابيات أيضاً، إدخال إيرادات النفط والغاز في الموازنة العامة بدلاً من بقائها خارج إطار الخزينة.
ويعتبر كويفي أن هذه الخطوة تمثل إصلاحاً مؤسسياً مهماً، يعزز الشفافية المالية، ويخضع هذه الإيرادات للرقابة والإنفاق عبر الخزانة الموحدة، ما يساعد الحكومة على وضع خطط أكثر كفاءة لمشاريع إعادة الإعمار وتحقيق تنمية أكثر عدالة جغرافياً.

ضعف الإيرادات الذاتية

من زاوية أخرى، يشير كويفي إلى أن التحديات التي تواجه النمو الاقتصادي تتمثل في ضآلة الإيرادات الذاتية الناتجة عن تدوير الإنتاج والاستثمار، ما يعيق تحقيق نمو مستدام، ويعني ذلك أن استدامة الموازنة لا تزال مرتبطة بالاستقرار الجيوسياسي واستمرار تدفق المساعدات الخارجية.

الدعم الخارجي

ويستشهد كويفي بالمنح المالية السابقة من السعودية وقطر، والتي بلغت نحو 86 مليون دولار لدعم الأجور، ما يوضح أن فاتورة الرواتب لا تزال تعتمد بشكل ملحوظ على الدعم الخارجي، الأمر الذي يعكس هشاشة الاستدامة المالية.

إصلاح هيكلي

ويرى كويفي أن دعم الرواتب يبقى ضرورياً لتحقيق الاستقرار الاجتماعي في مرحلة انتقالية، إلا أن استمرار استنزاف 41% من الموازنة لهذا البند يعيق قدرة الدولة على تمويل مشاريع البنية التحتية الأساسية مثل الكهرباء والمياه والطرق، والتي تُعد العمود الفقري لأي انتعاش اقتصادي.
ويؤكد أن إصلاح الأجور يجب أن يقترن بإصلاح هيكلي في الجهاز الإداري من حيث عدد العاملين وكفاءتهم، مع إعادة توجيه العمالة نحو القطاعات الإنتاجية، ورفع كفاءة القطاع الخاص ليكون قادراً على استيعاب هذه العمالة.

التهدئة الاجتماعية

ويشير كويفي إلى أن هذا التحول في السياسات، من خلال دعم الرواتب وتوجيه الإنفاق نحو الخدمات، يمكن أن يسهم في تهدئة الوضع المعيشي، والحد من الهجرة، وتحقيق حد أدنى من الاستقرار السياسي والاجتماعي، وهو شرط أساسي لبدء أي عملية تعافٍ اقتصادي.

التحدي الأكبر

ورغم هذه الإيجابيات، يؤكد كويفي أن الاستدامة في التعافي تتطلب موازنات استثمارية ضخمة، ويكمن التحدي الأكبر في كيفية تحويل الإنفاق من مجرد “صرف رواتب”إلى “إنفاق رأسمالي” يعيد تشغيل المصانع، ويعيد بناء شبكات الطاقة، ويحفز القطاع الخاص.

مرحلة التثبيت

ويوضح كويفي أن ما ورد في تصريحات الوزير يمثل إشارات إيجابية على صعيد الحوكمة وإعادة توجيه أولويات الدولة نحو المواطن، إلا أن الموازنة، من منظور النمو الاقتصادي، تعكس اقتصاداً لا يزال في مرحلة “التثبيت”وليس “الانطلاق”.

تحفيز القطاع الخاص

ويشدد كويفي على أن التحدي الحقيقي أمام الحكومة يتمثل في تحفيز القطاع الخاص، وجذب الاستثمارات الخليجية والدولية لإعادة الإعمار، بحيث تصبح إيرادات النفط والغاز والضرائب الناتجة عن النشاط الاقتصادي الحقيقي هي المصدر الأساسي لتمويل الموازنة، بدلاً من الاعتماد على المنح لتغطية الرواتب.

بين الكفاءة الإنتاجية والاستهلاك

ويشير كويفي إلى أنه إذا تمكنت الحكومة من تحويل هذه النسب المرتفعة للرواتب إلى كفاءة إنتاجية، خاصة في القطاعات الاجتماعية كالتعليم، بما يتوافق مع متطلبات سوق العمل، فإن ذلك سينعكس إيجاباً على النمو الاقتصادي، أما إذا بقيت هذه النفقات في إطار الاستهلاك فقط، فسيظل النمو بطيئاً ومحدوداً بالمخصصات الخارجية.

الحرية

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك