تخطى إلى المحتوى

رسالة من معلم إلى وزير التربية..

سس

باستثناء السيد وزير التربية، ومعاونيه، والمديرين في الوزارة والمحافظات، لماذا يبدو أنَّ الأغلبية غير راضية عن العملية التربوية التعليمية في البلد؟.

الطلبة وأولياء أمورهم، وغالبية كوادر التربية من معلمين وإداريين؟.

زميلي الوزير، نحن زملاء في العمل التربوي، والفرق بيننا أنني ما زلت أدخل إلى الصف وأُعطِ الدرس الذي هو عصب العملية التربوية، أما حضرتكم فقد غادرتم الصف لتشرفوا على منظومة العمل التربوي من ألفها إلى يائها، ورغم أنه ليس لدي معلومات أعرفها أنا ولا تعرفونها أنتم لأقدمها لكم، فإن ما لدي حقيقة هو وجهة نظر من مدرس ما زال قائماً على رأس عمله في الصف بين الطلبة، ومع مجموعة من زملائه المدرسين أيضاً، أي أنني باختصار ما زلت في الميدان الذي غادرتموه سيادتكم لتتحملوا مسؤوليات أكبر كماً ومختلفة نوعاً، وأنتم أدرى بأن قيمة العمل التربوي واحدة سواء عند المعلم أم المدير أم الوزير.

إنَّ استياء الأغلبية من العملية التربوية ونتاجها يعني أنها ما زالت غير ناجحة كما هو مأمول منها، والتربية كما تعلمون عمل اجتماعي معرفي يجب عليه أن يقدم الأفضل “يجب وليس ينبغي فقط”.

ولنستثني سنوات الأزمة، لأن شروط التحليل والتقييم للسياسة التربوية في الفترة السابقة على الأزمة تختلف عن الشروط ذاتها خلالها.

الفرق بين فترة الأزمة وما قبلها أن الأمور زادت سوءاً، وأن الرقعة ضاقت على الفجوة، وأن الأسباب صارت أكثر وضوحاً من ذي قبل.

أما وجهة النظر التي أود عرضها فتتضمن الآتي، “رغم الاهتمام بالبنية التحتية للتربية، ورغم الاهتمام بالضبط الإداري، ورغم ضيق هامش الفساد المالي، فإنَّ المعلم نفسه، باعتباره عصب العمل التربوي، وبيضة القبان في نجاح التربية والتعليم أو فشلهما، هو السبب الرئيس في أن النتائج التربوية غير مرضية، وأن الغالبية مستاءة منها، لأنه في جميع الأحوال، ومهما اختلفت الظروف الإدارية واللوجستية، يبقى ثابتاً أنه ثمة معلم يدخل على الطلاب في الصف ويعلمهم، فإذا لم يعلمهم الأفضل، فإنهم سوف يتعلمون الأسوأ، وليس في الأمر وسط يكون بين الأفضل والأسوأ”.

أول نقطة في وجه النظر التي أريد عرضها هي أن كثيراً من المعلمين لا يمتلكون رؤية فلسفية لعملهم التربوي، أقصد ببساطة أنهم لا يعرفون المبادئ الأساسية التي يقوم عليها معنى مفهوم التربية، أو لنسمها القواعد، لا بمعنى القوانين التي تتبع، إنما بمعنى الأسس التي تشكل قاعدة البناء التربوي، والمعرفة هنا ينبغي أن تكون عملية لا نظرية، إذ ربما يعرف الكثير منا أن جوهر التربية هو استنبات الصفات العقلية والأخلاقية والمدنية ورعايتها وتطويرها، لتحقيق النمو الشامل للإنسان في المرحلة التي تسبق وصوله لمرحلة الأهلية الكاملة كفرد حر مسؤول عن أفعاله.

لكن هذا لا يتم عن طريق التعليم وتلقين المعرفة، بل عن طريق التعلم والحصول عليها ذاتياً، الطريق الأول يعطي المتعلم معلومة، والثاني يعطيه طريقة تفكير، التعليم أن تقدم للجائع سمكة، والتعلم أن تقدم له صنارة صيد ليصطاد كل يوم سمكته بنفسه، والأفضل أن يصنع صنارته بيده.

نقطة ثانية، وهي غياب التمييز بين الغايات والوسائل في العملية التربوية، خاصة وأن الوزارة أصبحت تشدد على الوسائل والطرائق والأساليب لدرجة صار المعلم فيها يشعر أن الغاية هي تطبيقها لا تحقيق النتائج منها، وحيث إن المعلم غير مستعد غالبا لتطبيق هذه الوسائل والطرائق بشكل حقيقي، فقد أدى هذا إلى أن تصبح شكلية لا وزن في مضمونها، والدليل أن الموجه يتابع المعلم على مجرد تطبيق الوسائل والتقنيات ولا يتابعه على نجاحه في تحقيق الغايات أو الأهداف، وما زالت الامتحانات تختبر كم يحفظ طالبنا من معلومات، لا كيف يفكر.

النقطة الثالثة هي النمذجة، والنمذجة في التربية هي أقوى الوسائل وأكثرها فعالية على الإطلاق، وهي باختصار أن أطفالنا يتعلمون من سلوكنا الذي يلاحظونه كسلوك معلمين أكثر مما يتعلمون من أي وسيلة أو طريقة أخرى، بل وأكثر منها جميعاً، والاكتساب عن طريق النمذجة هو أقوى أنواع الاكتساب، وعبره تنتقل اللغة وطرائق التفكير والقيم وإدارة الانفعالات، وغيرها الكثير.

ومهما حاول المعلم أن يربي في طلابه من صفات، فإنه سينجح نجاحاً منقطع النظير في تربيتهم على السلوك الذي يسلكه، المستبد في الصف سيعلم طلابه الاستبداد، والعنيف سيعلمهم العنف، لفظياً أو جسدياً، والمتكبر كذلك، والمغرور والمهمل والمتأخر واللامبالي والمتحيز، إلخ إلخ.

النتيجة أن التربية ستضيع طالما أنه لا يوجد رقابة على المعلم، وليس المقصود من الرقابة تقييده وتحجيم عمله، بل رقابة واضحة المعايير وناجحة في قياس الجودة وضمان تحقق الأهداف والغايات بشكل صحيح، ليس قدر ما يمكن، بل قدر ما يلزم.

أخيراً أعلم أنه يمكن نظرياً نفي نقاط وجهة النظر السابقة هذه كلها، ولكن نفيها نظرياً لا يعني أنها ليست صحيحة، بل ستكون غير صحيحة فقط عندما ينفيها الواقع ونتائجه الملموسة، على الأقل عندما لا يستقبل الأساتذة في الجامعات طلاب السنة الأولى بعبارتهم الشهيرة: “انسوا كل ما تعلمتموه سابقاً”.

أما على سبيل الإنشاء سأقول: “إن ثروات الوطن كلها، الزراعة والنفط والشمس والسياحة، وأسلحته كلها، وحضارته كلها، تبقى مهددة إذا لم نحافظ على ثروته الأساسية، بناته وصبيانه اليوم، نسائه ورجاله غداً”.

شادي العمر

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك