تخطى إلى المحتوى

في الذكرى الأولى لرحيل الشاعر سميح القاسم.. نبكي ونضحك في غربتين

samih-elkassem_2014-w450«لم يعش الشّعر مهرجاناً شعبياً ويكسر طوق العزلة عن بضع مئات من النّسخ، تُباع لنخبة مثقفين،

ويتحرر من العوز والتجريد، ويكسر استعباد الألفاظ، ليختلط بتراب الحياة وعرق كادحي الثّورات الجديدة، ويمتزج بأهازيج النّاس، في جلسات اليأس والنّدب، وترجيع لهاث الحزن القديم على إيقاع الحقد الجديد.. كما يفعل الشعر المقاوم بنا وبثقافتنا اليوم».. هذا اليوم الّذي ترك «مطاع الصّفدي» مصراعيه مفتوحين من دون تاريخ محدد، في مستهل تقديمه لديوان الشّاعر الفلسطيني «سميح القاسم» الصادر عن دار العودة –بيروت 1987، وكأنّهما الاثنين كانا على دراية بأن باب الصّراع سيبقى مفتوحاً في عالمنا العربي إلى ما لا نهاية، مع فارق أن الصّراع بعد انقضاء الألفية الثانية، سيكون أكثر ضراوة، حيث إن المعتدي أصبح أكثر مراوغة في تقديم هويته الحقيقية، بمساعدة إعلام ٍ كاذب في أكثر الأحيان، يشكّل المهرجان الشّعبي لغربته، ويعيد الشّعر المقاوم إلى أيدي النخبة المثقفة فقط، فهل سنستطيع ردّ الزّمان إلى رشده ونبصق في الكأس السّابعة، كما كان يرجو سميح القاسم، ويحرص على هذا من خلال شعره الرّفيق الأكثر التصاقاً بالإنسان الفلسطيني المقاوم الحالم أبداً بالحرية مع توءمه العربي الّذي حضر مهرجان هذا الشّعر، بكلّ روحه وآماله للخروج من دوائر اليأس حتى وإن تباعدت المدن فالصوت واحد: «يا رائحين إلى حلب معكم حبيبي راح.. ليعيد خاتمة الغضب في جثة السّفاح.. يا رائحين إلى عدن معكم حبيبي راح.. ليعيد لي وجه الوطن ونهاية الأشباح.. يا رائحين، وخلفكم عينا فتى سهران.. مازال يرصد طيفكم قمراً على أسوان.. يجيئون ليلاً، يجيئون فاستيقظوا واحرسوا القرية الخائفة.. استيقظوا واحرسوا القرية الخائفة.. يجيئون ليلاً، من الغرب.. في مسرب العاصفة، أظافرهم من بقايا السلاسل، وأسنانهم من شظايا القنابل.. يجيئون،قلت، على عرباتٍ قديمة تئن بأثقالها الخيل.. خيل الجريمة.. «يجيئون ليلاً» فهاتوا الهراوات.. هاتوا المشاعل.. من الغرب قلت لكم فافهموني، وألقوا المسابح للنار، وألقوا غبار القرون، وقوموا نقاتل!».
لا بديل إذاً عن متابعة المقاومة والقتال، هكذا يخبرنا الشّاعر «سميح القاسم» في ديوانه «في انتظار طائر الرّعد» بعد انقضاء عام على رحيله عن عالمنا (19/8/2014)، ويؤكد من خلال قصيدته «غرباء» بأننا: «بكينا.. يوم غنّى الآخرون.. ولجأنا للسماء.. يوم أزرى بالسماء الآخرون.. ولأنّا ضعفاء، ولأنّا غرباء.. نحن نبكي ونصلي .. يوم يلهو ويغني الآخرون» فلا سبيل إذاً إلا المقاومة ما دام الآخرون يلهون ويغنون حين نبكي.
و«القاسم» المولود في قرية «الرّامة» الفلسطينية عام 1939، يشبه غيره من شعراء المقاومة بتواتر الصرخات، والاحتفاء بالصمود، والرفض والتمرد والأمل الدفين، حتى وإن اختلفت فنيّة الصرخة من شاعر إلى آخر، واختلف زمن ولادتها فالذوبان في الجمع يؤصّل البشرى التي تنتظرها الأرض من المفرد.. يقول القاسم: «يوم ولدنا ولد الرّفض، فاستبشري أيتها الأرض.. عيوننا مفتوحة في الدجى ضلّ على شطآنها الغمض.. ويعبر التّاريخ.. أحزانه ركضٌ، وفي ساحاتنا ركضُ.. نقول للمرهق في ليلنا.. لا يصمد الليل .. إذا ومض.. نحن هنا.. نحن هنا.. فاهدئي واستبشري أيّتها الأرض!». وهو المولود من رحم هذه الأرض كان لا بد من أن يكرّس حياته للدفاع عنها وعن إنسانها الّذي يهدد وجوده وهويته رصاص الغدر دوماً، واختار «القاسم» سلاح الكلمة فقد بدأ حياته مُعلماً وصحفياً، وإن مهر الشّعر هويته الإبداعية كسلاح أكثر من غيره من فنون الأدب، إلاَ أنه كان لجولاته في الفنون الأخرى وقع الشعر ذاته في ساحات المقاومة، وتتبع مسيرة إبداعه هي البوصلة التي تشير إلى ذلك من دون عناء، فقد صدر له ما يقرب من ثمانين كتاباً في الشعر والقصة والأدب والمسرح والرواية والترجمة، وصدرت أعماله في سبعة مجلّدات عن دور نشر عدّة في القدس وبيروت والقاهرة.. وتُرجم عددٌ كبيرٌ من قصائده إلى عدة لغات أبرزها الإنكليزية والفرنسية والتركية والروسية والعبرية. وكان من مؤسسي صحيفة «كل العرب» ورئيس تحريرها الفخري، وساهم في تحرير «الغد» و«الاتحاد» وتولى رئاسة تحرير جريدة «هذا العالم»، وأمين عام تحرير «الجديد» فرئيس تحريرها، وأسَّس منشورات «عربسك» في حيفا، مع الكاتب عصام خوري خلال 1973، وأدار فيما بعد «المؤسسة الشعبية للفنون» في حيفا، وترأس «الاتحاد العام للكتاب العرب الفلسطينيين» منذ تأسيسه.
وقد جمعته في الثمانينيات من القرن الماضي مجموعة من الرسائل مع الشاعر الرّاحل «محمود درويش»، كان في مضمونها أكثر من رسائل، قد تكون وثائق شعب بصيغة الجمع، أو هكذا تعامل معها القراء العربي عندما كانت تنشر في صحيفة اليوم السابع. يقول عنها القاسم: «في واقع الأمر فقد بدأ الأمر لعبةً بين صديقين، لكنّ الإقبال الواسع لدى القرّاء على مُتابعة هذه الرسائل، جعلها ظاهرة أدبية استثنائية آنذاك، ثم صدرت في كتاب «الرسائل» عن دار العودة في بيروت عام 1990، كما أطلق الكاتب محمد علي طه على هذه الرسائل اسم «رسائل بين شطري البرتقالة»..
وقد بدأا بتبادلها بعد اجتياح بيروت ورحيلهما عنها كلٌّ في سفينة، ثم التقيا في المهجر، فكتب «القاسم» «تغريبة إلى محمود درويش» يقول فيها: «لبيروت وجهان.. وجه لحيفا.. ونحن صديقان، سجناً ومنفى.. قطعنا بلاداً وراء بلاد ..وها نحن، في تعتعات الدوار نعود.. وزاد المعاد عناق سريع بباب مطار.. أكان اللقاء اعتذاراً؟ أكان الود اعفراراً؟ من دون كلام نمدّ اليدين ويا ليل يا عين.. لا الليل ليل ولا العين عين.. يفرقنا العالم اليعربي.. ويجمعنا العالم الأجنبي.. ونبقى أجانب في العالمين! ويبقى الرحيل.. مع الريح من منزل في الجليل.. إلى الريح في فندق غامض.. يعانق فيه القتيل القتيل.. من دون سلام.. من دون كلام.. تُقبّل في عنقي قلبَ أمكَ.. وربّ أخ لك.. أُلقي بهمي على صدر همكَ ونبكي ونضحك في غربتين».

تشرين

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك