– أين خالي وائل ..؟!
– خالك ِ وائل ، ليس من السهولة أن تريه بعد الآن ..
كادتْ تقلق ، لولا الابتسامة التي ارتسمتْ على وجه خالها ابراهيم ..
( باستغراب ) :
– ماذا يا خالي ..؟! أين سيكون ..؟!
أصلَحَ ابراهيم جَلسته على الأريكة .. اقتربَ أكثر من ابنة أخته ميسم .. تباطأتْ حَبّات المسبحة في يمينه ..
– عند عروسه ..
– عروسه ..؟! ( تضحك مستغربة ً )
ترفع منتهى رأسها متنبّهة ً .. ثم تخفِضه .. لا تعرف ماذا يدور في هذا البيت ، الذي يُدعى بيتها ..
– يا خالي .. سيخطب عن قريب ..
– هكذا ..؟!
– هكذا يقول .. أخبرني من عدة أيام .. قبل أن يخبر جدتك .. قال خجلان ..
تقفز ميسم معانقة ً خالها ابراهيم ، دون أن يكترثا لوجود منتهى الجالسة قبالتهما ، تحيك كنزات الصوف الصغيرة .. التي لا تُلبِسُ حتى فأرة .. لكنه كان العمل الوحيد الذي كانت تتقنه ..
– مَن هي سعيدة الحظ ، بالله ..؟!
– بنت مدينة .. ليست متعلّمة كثيرا ً .. لكنها حلوة .. حلوة ..
زرتُهم مع خالك وائل .. بطلب منه .. من عدة أيام .. والله ، ناس ممتازون ..
– ألله يسمّعنا الأخبار الطيبة .. لكن خالي يدّعي أنه يحبني كثيرا ً.. لماذا لم يخبرني ..؟!
– أوه .. يا خالي .. زعلت ِ ..؟! لا تزعلي .. كنت ِ في المعهد .. وكان عندك امتحان .. غدا ً – إن شاء الله – تتخرّجين .. وتكون الفرحة ، فرحتين ..
– إن شاء الله ..
يلتفتْ إلى منتهى :
– لماذا لم تعملي لنا شايا ً ..؟!
– لا .. لا يا خالي .. إنني مستعجلة ..
– لاوحياتك.. لا يجوز.. سنشرب الشاي .. أما الغداء ، فلا أنصحك ِ .. لأنّ ( السّتّ ) حَرَقت المعكرونة..
تشابَكتْ خيطان الصوف حول قدميّ منتهى ..
وَبّخها ابراهيم :
– ارم ِِ هذه السخافة من يدك ِ ..
– لماذا ..؟! أنتم تتسلّون مع بعضكم .. وأنا أسلّي نفسي ..
تبتسم ميسم – ساخرة ً – من منتهى .. التي كانت تفوقها جمالا ً ، وجاذبيّة ً ..
فارَ الإبريق على البوتوغاز، ذي الثلاثة رؤوس .. شتمَتْ نفسها .. كادت تبكي .. هي تكره تنظيف الغاز ..
استعجَلَها ابراهيم :
– لماذا لم تُحْضِري كأسا ً ثالثة ..؟!
– لا أريد ..
صَبّتْ ميسم كأسا ً لخالها .. وأخرى لها .. دون أن تُنزِل ساقها اليمنى عن اليسرى ..
تتقزّز .. لتُلفِتَ نظَرَ خالها ..
– ماذا ..؟! لم تعجبك ِ ، أكيد ..!!
– ينقصها سكّر ..
– هاتي السكّر ..
***************************************************************
– ألله يخلّي أولادك ، يا بنت عمّي .. خذي لي هذه البنت معكِ إلى دمشق .. واعرضيها على دكتورة ..
– يا ابن عمي ، والله على عيني .. ابنتك ، مثل ابنتي .. لكن .. لماذا العجلة ..؟! لا تزال صغيرة على الحَمل ..
– لا ترفعي صوتك ِ ، لو سمحت ِ .. سنقول لزوجها أنك ِ ستأخذينها لتغيّر الجوّ .. فربما تتحسّن نفسيّتها قليلا ً..
لم تتردّد منتهى في الذهاب مع قريبتهم ، وعائلتها إلى دمشق.. وهل هي مجنونة ، حتى ترفض دعوة كهذه..؟!
بعمرها ما داسَتْ طرطوس ، إلا مرّتين .. وقد أحَبّت المدن لأنها صاخبة .. وهي تُشعِر الإنسان بالحياة ..
سألتها الدكتورة عن عمرها ، وعن زوجها ، وعمره ، وعمله .. وكم سنة مضتْ على زواجها ..
أخفَتْ رأسَها براحتيها – وهي تفحصها – .. وارتفع َ صوت ُ نحيبها ، رغم أن الدكتورة كانت لطيفة معها أكثر من أية مريضة أخرى ..
– انزلي يا ابنتي .. ونادي أمك ِ ..
– ليست أمي .. هي قريبة أبي ..
رَبَتتْ على كتفها ، ومسحتْ شعرها .. ناولتها منديلا ً ورقيا ً ..
– لا تخافي .. ليس بك ِ شيء .. نادي لها ..
دخلتْ أم يامن :
– خير ، يا دكتورة ..؟!
– قلت ِ لي ، كم سنة مَضَتْ على زواجها ..؟!
– سنتان ، تقريبا ً ..
– حرام عليكم .. لا تزال عذراء .. !
******************************************************************
( ويلك ، يا أبو محمد .. ويلك ..)
ظلّتْ هذه العبارة تتردّد على فم أبيها .. حتى وفاته ..
بعدما أخبرته أم يامن بالحقيقة .. أرسلَ ، يطلب من( صهره ) ابراهيم ، الحضور إلى عنده ، بأقصى سرعة ..
كان – للتوّ – قادما ً من صافيتا .. ظنّ أنّ ( عمّه ) أبا محمد ، يريد أن يبرّر له غياب منتهى .. ويطلب منه أن يطوّل باله عليها – كالعادة – ..
لكن صوت أبي محمد ، كاد أن يثقب سمع َ زوجته وأبنائه ، الذين تساءلوا :
– ماذا يجري ، يا أمي ..؟! لماذا يصرخ أبي بزوج منتهى ..؟!
– اخرسوا .. لا توقِظوها .. لم نصدّق أنها نامتْ .. مادخلكم أنتم ..؟!
خرَجَ ابراهيم من بيت كامل ، محاولا ً أن يتخفى عن الأنظار .. رغم أن عتمة الليل كانت كافية .. ولم يرجع إلى عين براعم ، إلاّ ميتا ً بالتسمّم الكحولي ..
حيث قال زملاؤه ، أنه ظلّ يشرب ، ويسبّ منتهى ، وأبيها .. ويشتم كل نساء العالم .. ثم يبكي .. ويعود ، يصِفُ مفاتنها .. وكيف أنه لم يرَ – حتى في البرازيل – أجمل منها .. وأنها تشبه ( كارولين ) .. ويزداد شربه ونحيبه ، حين يذكر ( كارولين ) ابنته .. كما أخبرهم – مؤخرا ً – ( الشيخ حسين ) القادم حديثا ً من البرازيل .. والذي استغربَ كيف لإنسان مثل ( كامل ) أن يزوّجَ ابنته من ذلك الشخص ، الذي طردته زوجته الأجنبية من بيتها .. لأنها لم تعُد تطيق مجونه ..!!!
******************************************************************
كانت ( أمينة ) تبذر الحنطة ، خلف أخيها ( كامل ) في ( الحاكورة ) حيث أيقظته مع الفجر .. رغم أن ( أم محمد ) كانت قد أخبرتها أنه لم ينمْ إلاّ من حوالي ساعة .. – كعادته – من يوم طلاق منتهى ..
كان ( يُرَمّي ) .. فاقتربتْ العجلة ( غندورة ) الحديثة العهد بالفلاحة .. اقتربَتْ أكثر من اللازم من ( الترماية ) عندما ضرَبَها بالعصى الطويلة ، التي يستخدمها ليهشّ بها على دوابه أثناء الحراثة ، كي يستقيم الثلْمُ قدر الإمكان .. فسقطَ بهم ( الرّعْش ) هو ودوابه ، و ( الصّمد ) ..
صرَختْ أمينة بأعلى صوتها :
– دخيلكم يا ناس .. أخي .. !!!
اجتمعَ الكثير من أهل عين براعم ، في ذلك الفجر الدامي .. ليحملوا أبا محمد .. الذي كان رأسُه ينزف بغزارة .. حيث سقطتْ فوقه حجرٌ كبيرة .. وكان لا يزال يقبض على مَسكة ( الصّمْد ) عندما لفظ َ أنفاسَه ..
وتعالى تكبير الرجال .. وصراخ النساء ..
وانتبهَ أحدُهم إلى الدواب .. حيث سمع شخيرَها .. أن الحَبل كاد أن يخنقها .. فأفلتَها .. وسارَ مع المكبّرين ، والنادبات ……
لم يستطعْ أحدٌ أن يُفلت َ رأسَ أخيها الدامي من بين يديها ، ومن حضنها ، بسهولة .. حيث لم تترك ( أمينة ) حادثة مهمّة جرتْ معها ، ومع أخيها ( كامل ) طوال سنيّ الشقاء ، إلاّ وحدّثته بها ، وهي تندبه :
– لِمَن تتركني ، يا كامل ..؟!
لمن تتركوني ، يا أخي ..؟!
مَن لي بعدكم ..؟!
ابراهيم ، راح .. وأنت َ ذاهب ..
مانفع ُ حياتي بعدكم ..؟!
لماذا أعيش ، بعد الآن ..؟! لماذا ..؟! لماذا ..؟!
عندما كانوا يقولون لي ، أنه تزوّج َ في البرازيل ، لم أصدّق ..
كذب .. والله كذب ..
هو قال لي ، أحبك ِ ..
هو قال لي ، انطريني .. وعندما أعود ، سأعمل لك ِ أحلى عرس ، يا أمينة ..
كلّكم ظلمتموني ، يا أخي .. لكن .. ألله يسامحكم .. ألله يسامحكم .. سأظلّ أحبكم ، حتى بعد موتي ..
يا ويلي ، بَعدك َ ، يا أخي .. !!
الحقّ عليّ أنا .. عليّ أنا ..
فقد رأيت ُ ( الترماية ) متشقّقة ، من يوم ذلك المطر الغزير ..
ولم أقلْ لك َ ..
كان واضحا ً أنها ستسقط .. لكنني غبيّة .. غبيّة .. سامحني يا أخي .. سامحني يا كامل ..
( تحضنها امرأتان من الجيران .. من تحت إبطيها .. وهي كالخرقة .. تُخرجانها خارج الغرفة التي يرقد فيها جثمان أخيها ( كامل ) .. وهي ، لا حَوْلَ لها ، ولا قوّة ..
( منتهى ) تتصرصَر :
– البَرديّة ، يا أمي .. البَرديّة ، دخيلك ..
جارة ، تهمس في أذن أخرى :
– استغرَبنا ، يا أختي ، لماذا كانت تبكي كل ذلك البكاء على ابراهيم ..
يا ألله .. كم كنا أغبياء ..!!
نهَرَتها الأخرى :
– ليس وقتها الآن .. اسكتي .. كنا عارفين .. ألله يسترنا .. وبَسّ ..
**************************************************************
كانت أم سليمان قد زوّجَتْ كل بناتها ، في قرى بعيدة عن عين براعم .. من شباب خلوقين .. ممّن كانوا يتردّدون على زيارة ( الشيخ عبد الله ) يتبرّكون من أفكاره النيّرة .. ويتعلّمون الكثير من أسلوبه في الحياة .. الذي يمكن أن نطلق عليه صفة ( العصاميّ ) ..
كان زوجها ، المرحوم ( الشيخ عبد الله شاهين ) .. شيخا ً وَرِعا ً ، و محترما ً من كل من يعرفه في قريته ( عين براعم ) أو في قرى المنطقة الأخرى ..
كان – عند توزيع الزكاة – في الأعياد ، والمناسبات .. لا يقبل أن يأخذ قرشا ً واحدا ً .. رغم حاجته الملحّة .. ويقول :
– يوجد ناس كثيرون ، أكثر حاجة ً مني ..
أنا – الحمد لله – بصحّتي .. وأقدر أن أطعِم َ أبنائي ..
كان فلاحا ً نشيطا ً .. وكان حادّ الطباع ..
وعندما مرض .. واستعصى شفاؤه ، وشعر بدنوّ أجَله .. طالبَ بابنه البكر ( سلمان ) وأبلغه برغبته أن يفرح به .. ويطمئنّ عليه ، قبل رحيله الأبديّ .. وأشار َ له برغبته أن يخطبَ ابنة عمه ( كاملة ) ..
كان سلمان في السابعة عشرة .. لا يزال يدرس المرحلة الثانوية ..
أما كاملة ، فكانت قد خرجتْ من المدرسة ، بعد أن أنهتْ المرحلة الابتدائية ..
لم تكن أصغر منه بكثير ..
وافق َ عمه .. كما وافقتْ كاملة ، والعائلة كلها .. وأسرعوا بالخطبة .. نزولا ً عند رغبة الشيخ المُحتضَر ..
أحَبّها ، وأحبته كثيرا ً .. صار يهرب من المدرسة .. وأحيانا ً من البيت .. ليلتقي بها .. وهي تحصُد .. أو تتبّن .. أو تقطف الدّخان ..
ومرة ً ، لاقاها حاملة حَملة حطب على رأسها ، وطالعة من الوادي ..
طارتْ من الفرح ، عندما رأته .. ولم تكن تتوقّع .. لم تكن تعرف أنه سمع أمها – مساء أمس – تطلب منها أن تذهب إلى ( شكارة الترك ) لتحضِر حملة حطب ..
ساعَدها في وضع الحملة على حافة ( الرّعْش ) .. وجلسا قرب بعضهما :
– مشتاق لك ِ كثيرا ً ، يا كاملة ..
احمَرّ وجهها أكثر .. مسحتْ عرقها :
– وأنا أكثر ..
وراحا ينسجان معا ً شكلَ حياتهما المقبلة .. وكيف سيتشاركان في بناء عشّ الزوجيّة :
– مثل هذه العصافير ..
– وأحلى .. وأحلى ..
كان سلمان متحمّسا ً أكثر من كاملة .. وكانت أمه أيضا ً تتمنى الإسراع بإتمام مراسم الزواج .. عساهما يملآن عليها بعضا ً من الفراغ الذي خلّفه رحيل والده الشيخ ..
وفي جَلسة جادّة ، وحاسمة ، بين العائلتين ، لتحديد موعد الزواج .. اختلفَ العمّ وزوجته مع أم سلمان ، على أمور عِدّة .. من ضِمنها ، المهر .. وكيفيّة قِسمة الأراضي .. إلى آخر هذه الأمور ، وما يشبهها ..
وما يهمّنا معرفته ، أن الخلافات انتهتْ بإنهاء هذه العلاقة .. التي ادّعَتْ أم العروس ، أنها لم تكن موافقة عليها من الأساس .. وأضاف زوجها ، أن كاملة لا تزال صغيرة ، وألف من يتمناها ، ويقدر أن يعيّشها أحسن من ابن أخيه ، المرحوم ..
لم تنفع دموع كاملة .. ولا زيارات سلمان المتكرّرة .. واعِدا ً عمّه أنه سيترك المدرسة ، ويذهب إلى طرطوس ، ليدبّر عملا ً ، يستطيع أن يؤمّن لكاملة ، عيشة هنيّة ..
وفي مساء أحد الأيام ، سمعتْ أم سلمان ابنها يكلّم أحدهم – هَمسا ً – في ( التلزيقة ) تحت البيت ..
اقتربتْ – بهدوء – لتسمع بوضوح أكثر ..
شهَقتْ :
– يا أولاد الحرام .. ماذا تقولون ..؟!
طارتْ كاملة نحو بيتها مرعوبة ، لا هثة .. لكن سلمان – بعد أن أجفل قليلا ً – صَعَدَ الحافة ، وقال لأمه – بهدوء – واضعا ً كفيه على خصره ، متحدّيا ً :
– سأخطفها .. ما شأنكم ..؟!
لفلفتْ أم سلمان الموضوع .. حفاظا ً على سمعة العائلة .. بعد أن أفلحَتْ بإقناع ابنها أن يَعدلَ عن الفكرة .. وأنه عندما يكمل تعليمه ، ويتوظف .. ستتسابق عليه أحسن بنات العالم .. واستعطفته ، إن فعل .. سيعرّضها لشماتة ( هالكهينة ) زوجة عمه ..
طوى انكسار أحلامه في الأعماق .. وتابَع َ دراسته ، التي كان قد تأخر فيها كثيرا ً – بهِمّة ٍ أعلى – وكانت تستنفره استفزازات زوجة عمه ، وأحاديثها أمام الناس .. أن ابنتها هي التي تركته .. وأن أمه معقّدة ، وصعبة العِشرة .. خصوصا ً بعد ترمّلها ..
كان يَعِدُ أمه – عندما يراها تبكي – مترفّعة ً عن أن تردّ على ادّعاءات سلفتها المهينة .. أنه سينجح ، ويتفوّق .. وسيتزوج ، ويسكن معها ، هو وعروسه .. التي ستحبّها بالتأكيد .. وسيعوّضها عن معاناتها .. وليذهب عمه ، وزوجته الفاجرة ، إلى الجحيم ..
*****************************************************************
– ألله يصبّحك بالخير ، يا أم محمد ..
– ألله يسعد صباحك .. تفضّلي ، يا أم سلمان ..
تناوَلَتْ منها سطل الحليب النحاسيّ .. وناوَلتها كميّة ً من البيض :
– والله ، خجلانة منك ِ ، يا أم سلمان .. وحياتك ، اليوم ، ما باضوا إلاّ هذه الخمس .. ولم أترك إلاّ ( المودعة ) ..
– وَلَوْ ..!! أزعل منك ِ ، يا أختي أم محمد .. دائما ً الدجاج يقلّ بيضُه في تشرين .. أين المشكلة ..؟!
– جاء موظّفو الزراعة ، ألله يكثر خيركم ، وخيرهم .. لقّحوا لنا إياهم .. لا أدري .. هل هذا هو السبب ..؟!
– ليس بالضرورة ..
– غدا ً .. أو بعده .. هَهْ .. بقرتي ستلِد ..
– تكون بقرتنا نزلتْ بالفلاحة .. ويقلّ حليبها .. الحمد لله .. لا ننقطع ..
– إن شاء الله ، تخلّف بالسلامة .. والله ، إنني خائفة عليها .. البَرَكة ، حملها ثقيل .. تلقيح صناعي ..
– وإن كان ..؟!
– ألا تذكرين ..؟! بقرة جيراننا ، العام الماضي ماتتْ ، دون أن يستطيعوا فِعل أيّ شيء من أجل إنقاذها .. حتى الطبيب البيطري ..
– فأل الله ، ولا فألك .. ليس كل البقر مثل بعضه .. هذه صدفة .. كبرَ العِجل في بطنها كثيرا ً .. ولم يُحضِروا لها الطبيب البيطري ، إلاّ بعد فوات الأوان ..
– ما لهم نصيب .. ألله يسترنا ..
– نحن ، يا أختي ، بقرتنا هولندية .. البَرَكة .. غزيرة الحليب .. لكن ، ماشاء الله – حاشاه – تأكل أكثر من كل دوابّنا ..
– مثلما يقولون .. ( أطعِموا الدّابّة .. تعطيكم ) ..
– ألم تستيقظ منتهى ، بعد ..؟!
– آخ .. يا أختي .. لا والله .. تأخذ الدواء ، وتنام .. وقلبي لا يطاوعني أن أوقِظها .. ألله يعينها ، ويعيننا .. مذنبون .. ماذا نعمل ..؟! هذا حظها ، وحظنا ..
– إن شاء الله ، يا أم محمد .. سيتحسّن حظها ..
– كيف ..؟! يا ويلي عليها ، وعلى حظها ..
– إبني .. الأستاذ سلمان ، سيخطبها ..
– ويلي أنا ..!! كيف سيخطبها ، وهي على هذه الحال ..؟!
– لا تظني أنني أنا التي قلتُ له .. وحياتك – فقط – كان يفكر أن يخطب ويتزوج ، قبل أن يذهب إلى الجيش .. وصرنا نفكر معه ، بابنة الحلال المناسبة .. وهو الذي قال : منتهى ، بنت جيراننا ..
– والله ، ألله يقدّم ماهو خير ..
– آمين .. فربما تحسّنتْ صحتها بعد ذلك .. يقولون ، إن الزواج دواء لمن يعاني من هذه الحالة ..
– والله ، نحن ، وحظنا .. أحيانا ً يفيد ، وأحيانا ً يضرّ ..
– صحيح .. !! ما أخبار ابنة عمك أمينة ..؟! هل هي سعيدة مع ذلك العجوز ..؟!
– والله يا أختي ، مليحة الحمد لله .. أرضهم سهليّة .. ويشقون كثيرا ً .. لكن زوجها لا يطلب منها شيئا ً من هذا .. فهم يضعون شغّيلة .. رزقهم – البَرَكة – كثير .. لاينتهي موسم الفستق ، حتى يأتي موسم الذرة ، والبندورة ، والخيار ..
– ألم تحبَل ..؟!
– من أين ، يا حرام ..؟! زوجها ختيار .. وعنده – البَرَكة – عشرة أبناء .. وهي قاربَت الأربعين .. والأولاد ، ماهم رزقة .. أولاد ضرّتها مثل أولادها .. وهم يحبونها كثيرا ً ..
– طبعا ً يحبونها ..
مثل الخدّامة لهم .. فلِمَ لا يحبّونها ..؟!
– لا والله .. يقولون أنه لايطلب منها أيّ عمل ، إلاّ أن تبقى عند زوجته العجوز المشلولة .. وفقط ، تعتني بها .. لأنه لا يستطيع ترك أعماله ، والتفرّغ لها ..
– ألله سَترَها ، بعدما كبرتْ .. والله أمينة تستاهل .. كل عمرها بنت أصل ..
– ولا من فمها ، ولا من كمّها ..
وزوجها ، ألله يستر آخرته ، كريم .. ودائما ً يُحضِر لنا ( فلّينات ) خضرة .. ويقول : هذا من أمينة ، إلى أولاد أخيها اليتامى .. ألله يكثر خيره ..
– ألله لا يتخلّى عن عبيده .. حاشا كرَمه ..
*****************************************************************
كان وضع منتهى ، يؤثّر كثيرا ً في نفسيّة سلمان ..
لم تكن بينهما أية قرابة .. كانت الجيرة تجمعهما ، بالإضافة إلى اليتم ..
أراد أن يعوّضها عن سنيّ العذاب .. ووعدها ليلة الخطوبة ، أن يُنسيها ما مضى .. وأنه سيساعدها على إتمام دراستها .. وسيطلب من زملائه المدرّسين أن يعطوها دروسا ً خاصّة في البيت .. ومن جهته ، سيتكفّل بمادة العربي ..
– كل عمرك شاطرة بالمدرسة ، يا منتهى ..
– كنت ، قبل أن أمرض ..
– أنت ِ لست ِ مريضة .. كلّه دَلع ..
ويُفلِح بإضحاكها ..
لكنه ، بعد الزواج بعدة أشهر .. طُلِبَ إلى الجيش ..
بكى – حينها – أكثر مما بكتْ منتهى ..
– دائما ً حظي هكذا ..
– لا تقولي هذا يا منتهى .. فربما جاءت خِدمتي قريبة ..
لكنه خدَمَ كل مدة خِدمته ، على الجبهة .. قريبا ً من درعا .. أو ، في جبل الشيخ .. وأخيرا ً في لبنان ..
وكان اختصاصُه ( حرب إلكترونيّة ) ..
لم تسمع منتهى بهذا الاختصاص ، من قبل .. لكن كلمة ( إلكترونية ) أرعَبَتها .. حرب .. و .. إلكترونية ..!!
شعرتْ أنها ضعيفة ، أمام هذا الواقع ، الذي لم تكن تحسب له حسابا ً .. فازدادتْ مراجعاتها للأطباء .. الذين لم تنقطع عن زيارتهم من قبل ..
كانت – كلما جاء سلمان إجازة – تودّعه منتحبة .. كأنها لن تراه بعدها .. فتنتقل إليه العدوى .. تعانقه .. وتتعلّق به :
– لا تتركني ، يا سلمان .. لا أستطيع العيش بدونك ..
يشدّ جسدها النحيل إلى صدره .. ويمسح دموعها :
– لا تخافي .. لا تحسبي كم بقي لأتسرّح .. احسبي كم ذهَبَ ..
ماذا أحضِر لك ِ في الإجازة القادمة ..؟!
– أنت ..
– وماذا ..؟!
– أحضِر لي شوكولا ..
تبقى على ذكرى هذه اللقاءات الحارّة ، حتى يعود ..
كانت ترقص فرحا ً ، إذا جاءتها منه رسالة ، مع أحد القادمين إجازات قبله ..
كم قبّلت الرسائل ..!!
كم سالت دموعها فوق كلمة ( الحبيبة منتهى ) .. مع أنها كانت تتمنى أن يكتب لها ( حبيبتي منتهى ) ..
******************************************************************
– الحمد لله .. صرت أستطيع المجيء أكثر .. لبنان قريبة ..
– ما هذا الفستان ..؟!
– رأيته في واجهة محلّ في بيروت .. أعجبني .. ولأنني أحبّ الأحمر عليك ِ ..
– شكرا ً .. والله حلو جدا ً .. لكنني لا أريد غيرك ..
تدخل أم سلمان :
– ألله يديم جلابَك ، يا بني .. ويبعث لك حياة الذكر ..
( وتضيف – مازحة ً – ) :
– فستاني أنا ، عندما أخيطه ، سيعيدني صَبيّة ..
يردّ سلمان :
– إن شاء الله ، تقطّعونهم بعرق العافية ..
– لكن .. المرة القادمة ، لا تنسَ نفسك ..
– لستُ بحاجة .. ثياب الجيش تكفيني .. وعندما أتسرّح ، يفرجها الله ..
**************
مرة ً .. مازحَه زميله :
– والله يا أخي .. من يراك تأتي أربع وعشرين ساعة إلى عند زوجتك ، يطن أنك عريس جديد .. ولا يمكن أن يتصوّر أنك َ متزوّج من سنتين ..
تضحك منتهى .. ويضحك سلمان ، ناظرا ً في عينيها .. سعيدا ً لأنه رآها تضحك ..
**************
لكن إشفاق سلمان على منتهى .. وحرصه الشديد على إسعادها .. وخوفه الزائد عليها .. كان يزيد من تعلّقها به ، وإحساسها بالأمان معه وحده .. كما يزيدها قلقا ً عليه ، وخوفا ً من أن يحدث له أي مكروه .. ولا تستطيع أن تفكر بعد هذا بأي شيء .. لأن حياتها خاوية .. إلا من بعض اللحظات المسروقة من فم الحرب في لبنان .. والتي لا يُعرَف أولها من آخرها .. والتي ساقه القدَرُ إلى دوّامتها .. حيث كانت منتهى تظن أن الكل يقتل الكل ّ .. دون تمييز بين ظالم ومظلوم .. خصوصا ً عندما كانت تسمع أن القتل أصبح على الهويّة ..
لو أنه في الجبهة .. في القنيطرة – مثلا ً – على حدود الجولان ، أو فلسطين .. ربما تواسي نفسها ، إن حدث له مكروه – لا سمح الله – أنه شهيد .. لكن ماكان يضاعف قلقها من هذه الناحية ، أنه إن قُتِلَ في لبنان ، فلن يُعرَفَ قاتله .. وإن قَتَلَ .. فربما يقتل – دون أن يدري – بريئا ً.. أو مُغَرّرا ً به ..
كل هذه الأمور ، كانت تضاعف من قلق منتهى ، وتزيد من كآبتها .. ولا مَخرج لها إلا الأطباء ، والأدوية .. حتى صاروا عالمها الأوسع ..
صار حديثها – غالبا ً – :
– قال لي الطبيب الفلاني ..
أو : – قال الدكتور بالراديو ..
أو : – قرأتُ في مجلة طبية ، كذا ..
كان تعلّقها بالأطباء والأدوية ، مَهْرَبا ً لها من واقع لم تكن مهيّأة لمجابهته مواجَهَة ً .. مجابهته هاربة ً ..
كمَن يُدمن الخمر .. أو الجنس .. أو أية لذّة ، يريدها مَهْرَبا ً من واقعه الذي أصبح لا يُطاق ..
هذه الدائرة المفرغة ، كانت تُحبطها أيضا ً ..
أين أحلامها ..؟!
أين طموحها ..؟!
أين أفقها ، الذي كانت ترسمه بأحلام اليقظة ، مُشرقا ً .. فاعِلا ً .. مضيئا ً .. مُقمِرا ً .. مُشمِسا ً ..؟!
أين ذهب كل ذلك ..؟!
مَن أدخلها في تلك الدوّامة ..؟!
وما دورُها في ذلك ..؟!
ماذنب سلمان ، الذي يعاني معها ..؟!
كل تلك الأسئلة ، كانت تُسَرّع الدوران .. فتسقط منتهى ..
زوجُها مُشتّت .. لا يعرف مَن أحَق باهتمامه .. زوجته المريضة ..؟! أم ، أمه الأرملة .. التي ( تحلف بحياته .. وتنام بلا عشاء ) ..؟! أم ، بواجبه تجاه وطنه المُستباح ..؟! أم ، بمستقبله .. بعد أن ينهي خدمة العلم ..؟!
ويزداد الضغط على أعصابه .. وعندما تراه منتهى ، في الإجازات .. يأتي مُغبِرَ الوجه .. قلقا ً .. باكيا ً أحيانا ً .. كانت تقبّله .. تقبّله .. ولا تشبع ..
وتبكي .. ويبكي ..
هو يزداد قلقا ً ، واضطرابا ً ، حين يراها ضعيفة .. وهي تشعر كأنّ زلزالا ً يزعزع استقرارها .. وأن الكون كلّه يهتز .. حتى الأرض ، لا تشعر أنها ثابتة .. فتُطلِق صرخة ً من الأعماق .. وتظن نفسها أصبحت خارج هذا العالم .. لا تعرف إن كان ذلك هو الموت ، أم أنه شيء آخر مُرعِب ..
ولم تكن هذه الحالة – كما قال لها الأطباء – وكما تأكّدت هي ، مؤخرا ً ، إلا نوعا ً من التفريغ اللاشعوريّ ..
كالبالون ، عندما يُنفخ فيه أكثر من طاقته على الاحتمال .. أو ، كالبركان عندما تضيق به الأرضُ ..فيفرّغ بعضا ً من ضغطه الزائد فوقها ..
وكانت تظن أنهم يجاملونها لأنها ضعيفة .. وكان عجز الأطباء عن إشعارها بالطمأنينة الكافية .. وكذلك عجز زوجها – رغم محاولاتهم الدائبة – أن يحققوا لها شرط العيش الأهمّ ، وهو ، الشعور بالأمان .. يخيفها إلى أقصى الحدود .. حتى اضطرّتْ – مرة – أن تصرخ :
– أين الله..؟!
وكم شعرتْ بالسلام يغمر نفسها ، بعد هذه الصرخة الصادقة ..!! بعد هذا التعبير الصادق عن حاجتها الحقيقية لقدرة ٍ تفوقُ قدرة َ مَن يشاركون في صنع مصيرها .. للتغيير نحو الأفضل ..!!
شعرتْ أن الله يقول لها : أنا موجود .. موجود دائما ً .. لكن ، لمن يعرفني ..
أنا السلام .. أنا الحق .. أنا العادل .. أنا الرحمن الرحيم ..
بكتْ – حينها – وللمرة الأولى منذ سنين – بكتْ براحة ، وسعادة ، وبما يشبه الطمأنينة .. التي عجزتْ كل عقاقير الأرض أن تمنحها إياها ..
صارتْ تحبّ الله .. بعد أن كان خوفها منه يزيد تأزّمها ..
صارت تحبه .. لأن ذكره – سبحانه – يمنحها الطمأنينة ، والسلام ..
وكلما ضاقت بها الدنيا ، صارت تصيح من الداخل ، وإلى الداخل :
– يا ألله ..
فيمنحُها شعورها بأنه قريبٌ ، مُجيب .. الطمأنينة َ ، بأن الفرَج قريب ..
تحَسّنت حالها كثيرا ً .. لكنها لم تُشفَ تماما ً ..
إذا ً .. بقي شيءٌ مهمّ ، يا منتهى ..
ماهو ..؟!!
ابحثي عن سبيل الخلاص بنفسك .. وإن لم تستطيعي .. استعيني بالأحبة المخلصين ..
كل الناس بحاجة للمساعدة .. لا أحد يستطيع العيش بدون الاعتماد بشكل ٍ ، أو بآخر ، على الذين يثق بهم .. دون مِنّة .. لأن الحاجة عامّة .. وليستْ مقتصرة على الضعفاء فقط .. لكن الحاجة إلى اللئام ، هي وحدها المُذِلّة .. فادعي في صلاتك ِ ، ألاّ تحتاجيها .. وألاّ يحتاجها إنسانٌ شريف ..
فهذا مؤلِمٌ جدا ً ..
وكم احتجت ِ – سابقا ً – إلى ذلك ، يا منتهى …….!!!!
******************************************************************
– يا ليلى .. يكفي كلام فارغ .. قومي ، اذهبي إلى أختك ، وانظري ماذا تحتاج ..!
– وماذا نقول ..؟! أقول : منتهى أختي ، وأعرفها .. ليس بها شيء إلا الدلال .. والله ، صهري الأستاذ سلمان ، أحسن من كل رجال الأرض ..
– بدَل أن تكوني قربها ياليلى ، تكونين مع الزمن عليها ..؟!
– وماذا أعمل لها ..؟! وإن أرسلتُ أولادك إلى عندها ، سيتعقّدون من تصرفاتها ..
– لا أستطيع أن أصدّق أنك ِ ليلى التي كنت أعرفها ..
– افعلْ مثلما كان المرحوم أبي يفعل .. ظلّ يقول : ليس عندي أحسن من منتهى .. حتى كانت هي السبب في موته .. ألله يرحمك يا أبي ..
**************************************************************
{ تعال َ ..
واجلس هنا .. يبكي كلّ منا على أهله ..
تعالَ ..
العمر قطارٌ سريعٌ ، لا ينتظر ..
تعالَ ..
دفءُ صوتك َ وطني ..
دموعُكَ ، هويّتي الضائعة ..
اجلسْ هنا ..
غنّ ِ ..
اصرخْ ، ملءَ فؤادك َآلاما ً ، وآمالا ً ضائعة ..
اصرخْ ، ملءَ روحك َ قهرا ً ..
فالوادي العميق على مرمى أصواتنا .. والنهرُ في أسفله ..
فرّغْ كلّ شحنات الغضب ِ ، والحبّ ، والقهر ، والحنين .. إلى كلّ شيء دافئ ، وجميل ..
فرّغه من عمق كيانك ..
وستكتشف أنّ الصدأ لم يُتلِف مفاصلَ الألم الدفين .. هناك َ .. في نسيج الفؤاد ..
لأنك َ تطرّيها دائما ً بدمائكَ اللاهبة .. ودموعك َ الحارقة ..
اصرخْ ..
فالبحرُ على مرمى نظرنا ، يلوّحُ للعابرين ..
البحرُ ينتظر ..
والقهرُ يَعبُر ..
ويتلاطمُ الموجُ .. تصطخبُ الرؤى .. تمتقعُ السماءُ .. تشرقُ الشمسُ .. تغربُ .. يجهًدُ العامِلُ .. الفلاحُ .. المقاتلُ .. الشريدُ .. العاشقُ .. المكلومُ .. المُحِبُّ .. المتلهّفُ ..
كلّ مَن له حاجة ، يصرخُ بالأوف ، من أعلى جبالنا .. حاضنة مواجع ِ كلّ هذا ، وذاك ..
بترابها الطهور .. وربيعها الدائم .. حتى في عِزّ أيلول الحزين ..
البحرُ ينتظر ، أيها الغالي ..
لا تخيّبْ ساعديه .. لا تجرحْ فؤاده ..
تعالَ ..
اجلسْ هنا ..
فالشمسُ تكاد تغرب .. وتستقرّ في أحضان حبيبها .. تقضي معه ليلة ً بيضاء َ، نقيّة .. ليلة َ حبّ ٍ ، خصبة .. فتستعيدُ قدرتها على الضياء .. وتعتلي السماء ، تنشرُ أشعة َ روحها المُخَصّبة بالحبّ ، والدفء، والحنان ، والطهر .. توزعها على الكون ، والناس ..
تعالَ ..
فأنا وحدي ..
هنا .. قربَ قِمّة الجبَل المُشرف على قريتي الحبيبة.. وعلى النهر، والبحر .. وعلى جبل عكّار ..على الدنيا كلّها ..
دموعي ، تكاد تهطل من عيوني .. كنبع ٍ نقيّ ، في جبَل ٍ بِكر ..
روحي مَشوقة ..
بربّك َ .. ألا تفكّر بي الآن ، في هذه اللحظة ..؟!
أحبك َ ..
لا تنسَ ذلك – أبدا ً – ..
أيها الرمز المُغلّفُ بالضباب ِ الشفيف ..
أشعرُ أنني طفلة ٌ متمرّدة .. حزينة .. حُرّة .. واثقة بمبادئها السامية ..
لا تظلم .. لا تطغى .. لا تأخذ حقّ غيرها .. لا تقتاتُ إلاّ بالحلال ..
قويّة ٌ بمبادئها .. حزينة ٌ بغربتها .. قصيّة ٌ ، بأحلامها .. دافئة ٌ ، بحبها .. حنونة ٌ ، إلى أبعَدَ من البحار ..
رقيقة ٌ ، كنسمة .. شفافة ٌ ، كالحقيقة .. شغوفة ٌ ، كعاشقة ..
طفلة ٌ بريئة ٌ .. لا تشيخُ أبدا ً .. حتى في أبعَدَ من الثمانين بدهر ..
يُسعِدني شعورٌ صادقٌ ، أنني لا أزال – وقد تجاوزتُ الخامسة والثلاثين – قادرة ً على الحبّ ، بمعناه الأسمى .. بنفس الزخم الذي كنتُ عليه قبل العشرين .. لكن ، بشكل أنضَج .. وربما ، بشكل ٍ عاصِف .. روحانيّ ، أكثر ، وأكثر ..
هل نُخلَقُ ، وتُخلَقُ معنا عاطفة الحبّ ، القادرة ُ على مَرّ الزمن ، على النموّ ، والسموّ ، والاستمرار.. تقوى ، وتنضج ، كلما أبحَرنا نحو الحقيقة .. في بحار الحياة الواسعة المدى ، والرؤى ..؟!
أم أنها نِعمة ٌ خاصّة ٌ بمَن يستحقّها ، فقط ..؟!
يكافحُ من أجلها .. ويرى الخلاصَ من خلالها ، فقط ..
فيدفعُ في سبيلها كلّ شيئ .. كلّ شيئ .. على الإطلاق ..
فتكون من نصيبه ..؟! }
زينب ..
السور الأخضر
2004









