تخطى إلى المحتوى

بانوراما طرطوس يبدأ بنشر رواية الأديبة فاطمة صالح صالح (مَجنونةُ الخصيبَة)- الجزء الأول:

الإهداء…………………….إلى جذوري
فاطمة
______________________________________________

استيقظت القرية على صوتِ ( حبّوب ).. تصرخ ، وتندب ، وتنتف شعرها ، وتحاول تمزيق ثيابها المهلهلة .. تسبّ وتشتم .. أشخاصا ً معروفين .. وآخرين لم يسمع بهم أحد .. بشتائم لم تكن تخطر على بال .. تدقّ على بطنها وتصرخ في وجه الجميع :
12313668_920207128067256_2597888237955078668_n– أنا حامل يا رجال ( الخصيبة ) ..
أنا حامل .. حامل ..
حبّوب العاقر، ابنة الخامسة والأربعين ، حامل .. هل سمعتم أيها الأوغاد ..؟! أخيرا ً ، أنا حبلى .. ياذكور النحل ..
هُرع َ الجميع إلى ساحة القرية .. ليروا ( حبّوب ) تسقط مغشيا ًعليها ..
في نوباتها السابقة ، كانت تنتفض وتدور وهي مستلقية ٌ على ظهرها عدة دورات قبل أن تخمد وتركن ..
كثيرا ً ما كانوا يظنون أنها ماتت .. لكنها لا تلبث أن تقوم بعد مدة تطول أو تقصر ..
هذه المرة لم تدر إلا دورة واحدة .. ركنت بعدها وهي تحضن بطنها بكلتا يديها..
– هل آلمكَ سقوط أمكَ يا ( حسام ) ..؟!
هل تتألم يا ماما ..؟!
العني ياحبيبي إن كنتُ آلمتك..
العن أمكَ .. العن ماما ..إن تسببت لك بأيّ أذى ..
لم تخلق الأمهات لتتسبب في ألم أطفالها ..الأم حنونة .. حنونة .. هكذا خلقها الله .. وأنا أمكَ يا ( حسام ) .. أنا ماما ( حبيبة ) .. إياكَ أن تناديني بغير اسمي ( ماما حبيبة ) .. هل سمعتَ يا صغيري ..؟!
كان الناس يتناقلون عبر أجيال – بكثير من الرهبة والجزع – .. أن تلك الصخور.. المصفوفة على تلة بين الحراج في سفح جبل مقابل القرية ليست سوى بشر .. كانوا يزفون عروسا ً.. من قرية إلى قرية ٍ أخرى .. في عصر ٍ لايمكن لأحد ٍتحديده .. أو مجرّد التكهّن بذلك .. وأن هؤلاء القوم .. كانوا منتشين بالفرح إلى درجة أن بعضهم كان يطلق النار في الهواء .. ويدّعي أنه / يقوّس / على الله تعالى ..
وما هي إلا لحظات .. حتى تحوّل الجميع .. إلى حجارة صمّاء .. ولا يزالون هكذا .. وسيبقون إلى ماشاء الله تعالى ..
*************
عندما يتكلم أحد المجانين بعقلانية.. يردد الناس :
( خذ الحِكمة ، من أفواه المجانين )
كنتُ أنشغل بمثل هذه الأقوال .. وأتساءل :
– هل من المعقول أن يتكلم فاقد العقل بالحِكمة ..؟!
أم أن لهؤلاء المساكين ظروفا ً أدّت بهم إلى أن يكونوا مختلفين عن السائد .. ولذلك يستسهل الناس إطلاق حكم الجنون عليهم ..؟!
غابت حبوب عن القرية عدة أيام ، في بداية جنونها ..
لاذ زوجها بالصمت مُدّعيا ً أنها لاتجرؤ على الابتعاد كثيرا ً ..
لم يعرف أحدٌ لماذا كانت تبدو بشكل هادئ ورزين ، بعدعودتها ..
______________________________________________

كانت ( مجنونة الخصيبة ) تحكي حكايات غريبة.. فعقب إحدى نوباتها روت هذه الحادثة :
(- تناولني من يد أمي .. كنت كالملاك.. كان عليه أن يجاري التقاليد، فهمّ بوأدي .. لكن انبرى له رجل أسمر الوجه ، عريض المنكبين .. واسع العينين .. يحمل سيفا ً .. رفعه في وجهه ، دون أن يؤذيه .. وأنقذني ..
أعادني إلى أمي.. ثم ابتعد..
سالت دموع أمي غزيرة.. كانت تخبئها في صدرها الكئيب ..
ركضت نحوه ، لتقبل يديه معا ً..
لكنه اختفى بطرفة عين ..
انتظرت حتى طغى الليل.. ولاذت بالفرار..وهي تحضنني..راحت تبحث عن ذلك المُخَلص.. وتسأل عن دياره ..
كانت تنام في البوادي الموحشة، أثناء النهار، وهي تحضنني ..
لكن أحد قطاع الطرق ، اغتصبها.. وهمّ بقتلها.. لكن آخر ضرب عنقه .. واغتصبها هو الآخر..
ثم تركها تنزف على رمال الصحراء ..
رأيتُ ذلك بأم عيني ..
التجأنا إلى أقرب ديار مسكونة ..
لم يسألنا أحد عن حالنا الذي أوصلنا إليهم ..
أكرمونا .. بأكثر مما يُكرِمون أهليهم.. شعرنا بالألفة ..
لم تجرؤ على إجهاض نفسها .. كما لم تخف أن يسألها أحد مُضيفيها عن أبيه ..
حتى هي كانت تجهل ذلك ..
وُلد أخي.. دون أن يُعرَف أبوه ..
اكتشفتْ أمي ، أن أهل القبيلة التي التجأت إليها .. هم من أبناء عمومتها .. الذين تفرقوا في كل أنحاء الجزيرة الشاسعة..شعرنا بالألفة .. كأننا بين أهلنا..)

*************
( – كنتُ أقبع في أحد الدهاليز ، عندما رأيته ..
لمحتُ طيف أنسيّ في الظلام .. تنحّيتُ جانبا ً .. لذتُ بالحائط أكثر ..ألصقتُ خدي فوق سطحه الأملس .. ألصقتُ راحتيّ .. أجفلتني البرودة .. وسهولة الانزلاق ..سمعتُ صوت ارتطام رأسي بالأرض ، طارت شرارات من عيني ، قبل أن أغيب عن الدنيا لأرى كابوسا ً مرعبا ً.. يختلف قليلا ً عن الكوابيس السابقة .. رأيتُ حَيّة ً رقطاء تتسلق جسدي ، وتلحس خدي .. شعرت ببرودة جلدها الأملس تنفذ داخل عظامي ..
وبسرعة البرق ، أمسكتها من عنقها.. وأخذت أضغط بكل ما أوتيت من قوة الرغبة في العيش .. لكن الحية الملساء كانت أقدر مني على استخدام مامنحتها إياه الطبيعة من أساليب الحفاظ على حياتها .. فالتفّ ذيلها الحُرّ، بسرعة وقوة ، حول عنقي ، عدة لفات .. وأخذت تعتصر أنفاسي ، حتى اختفى صراخي .. وتراخت أصابعي المنغرسة أظافرها في جلد الحية .. فأرخت هي بدورها عضلات ذيلها المتشنجة .. وانسلّتْ عابرة جسدي الذي كان يتلوّى من ألم الاختناق ..
وما إن فتحتُ عيني ، حتى رأيتُ / سعدو الأعرج/ يسحبني خارج الظلمة ..
كان قد رمى عصاه جانبا ً .. وأخذ يجرني ..
تأكدتُ أنه كان يرى مالا أراه من خطر ، عندما سقطت صخرة ٌ كانت معلقة في سقف الدهليز ، يسندها حجر ٌ صغير ..هو وحده الباقي في تلك التجاويف ..
جرّني سعدو .. لكنه سقط هو الآخر بعد خطوة واحدة .. بعد أن تخلخلتْ قدمه الصناعية .. كانت الخطوة كفيلة بأن تدفع عني الموت المحقق .. سمعتُ صوت ارتطام الصخرة بالأرض .. نسيتُ آلامي ، وأنا أرى شظاياها تتبعثر بأحجام متباينة .. ملساء ، ومدبّبة ، ومحرشفة ..
– الحمد لله ..
قالها .. والعرق يبلل قميصه المعفر ، شبه المهترئ ..الذي كنا نميزه بواسطته..أوعند سماع نقرات عصاه على إسفلت الشارع ..
صحيح ، يا أمي .. أنني كنتُ أشعر بثقل المسؤوليات وقسوة الحياة .. وبالتالي قسوة العيش معكم .. لكنني – بالمقابل – كنت أشعر بينكم بدفء العائلة ، الذي افتقدته .. بل حُرِمتُ منه قسرا ً.. وقهرا ً.. بعد زواجي..)

______________________________________________

 

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك