تخطى إلى المحتوى

موقع بانوراما طرطوس يتابع نشر رواية الأديبة فاطمة صالح صالح (مَجنونةُ الخصيبَة)- الجزء الثاني:

12313668_920207128067256_2597888237955078668_nعبر مئات السنين ، لم تعرف ( الخصيبة ) حاكما ً عادلا ً ..
فقد عانت من الحكم العثماني ، ما لا تستطيع ذاكرة ٌ- مهما اتسعتْ- أن تسجله .. أغرقت خلاله بالفقر والجهل والقتل والتعذيب والتهجير ومحاولة الإلغاء وتمزيق الهوية .. لوحِقَ أهلها في محاولة تصفية ٍ عِرقية .. إلى درجة أن المثل الشعبيّ ( مثل قتل أهل الخصيبة في السوق ) لازال يُرَدّد على لسان أهلها ، بشكل ٍآليّ ،عندما يقوم إنسانٌ بعمل ما ، مُسرعا ً ، وبشكل متلاحق ..
كانت الجدة ، تقول لحفيدها الذي يتناول صحن(المتبلة) بسرعة ٍ بالغة، ليعود إلى اللعب مع رفاقه :
– لماذا تنزل بالصحن ، مثل قتل أهل الخصيبة في السوق ..؟!
فيضحك .. ويتابع طعامه .. دون أن يُدرك عمقَ مَدلول قولها ..
وكثيرا ًماكانت ( فاطمة ) تحرص على تحفيظ أحفادها تسلسلَ نسبهم .. الذي يصل إلى أعمق أعماق هذه الأمة ..
وتحذرهم من الغريب .. صار يعني لهم ، المعتدي ، الذي يستبيح دماءهم وأعراضهم ، وحُرماتهم كلها .. إما بالاستسهال .. أو القوة المادية ، والعنف بكل أشكاله ..
********************
12391788_920779364676699_7021068303748213697_n( – فتحتُ جيّابة الذاكرة .. تناولتُ عود ثقاب.. أشعلتُ دروب أيام خلتْ.. سَرَيْتُ على طرقاتها الموحشة ، والمعشِبة..
صادفتُ أمي آتية ً من بعيد.. حيّيتها.. وقبّلتها ..
ضمّتني إلى صدرها .. بكتْ..
– أمي.. ماهذا الحنان..؟!! لأنكِ لم تنجبي غيري ..؟!!
لم تنطق .. إنما حدّثتني بأجمل من الكلام .. أكثر حميميّة ً وألفة..
كان خالي عادل جالسا ًفي غرفته الشرقية ، ذات البابين..الشرقي ، والجنوبي.. يحدّث مُجالسيه ، بصوتٍ مرتفع ٍقليلا ً.. لكنه واثق ..هادف..
تناهى إلى سمعي صوتُ جدّتي الحنون الحزين:
– ” إلهي .. لاتخيّبني .. فإني ُمقِرّ ٌ بالذي قد كان مني
فإن عذبتني .. فالذنبُ مني وإن سامحتني .. لك الفضالة ”
-” قصَدتُ بابَكْ.. فأرجوكْْ .. لا تخيبني ..”..” أنا داخيل للعدرة وإبنها….المسيح اللي برى الأكمه .. وطااااب .. خ .. آخ ..”.. آخ.. ” كتر البعد.. بيولّد جفاااا.. خ .. آخ ..”
قفزتُ نحو نافذة الأحلام.. وقبل أن أصل إليها..لا أدري ما الذي دفعني لأنظر إلى الأسفل ..
– ياه..!! ياللهوّة السحيقة، المظلمة..!!!
تساءلتُ:
– هل كنتُ- حقا ً- هناك..؟!
لكنني عدتُ وتساءلتُ:
– هل – فعلا ً- أنا هنا..؟!
وعندما استقرّتْ قدماي على تلك الشرفة.. أخذتُ أنظر، نظرة ًإلى الخارج .. وأخرى إلى الداخل .. أو العكس..لأقدّر مدى قدرتي على التحليق .. استنادا ًإلى معطيات الواقع ..
و.. بدَوْتَ .. على ذلك الشفق البعيد ..
ناديتني :
– هِيْ .. !! يا أنتِ .. أيتها الموشاة بالأحلام ..
رمَقتكَ ، بعينين تنبّهَتا للتوّ.. رفعتُ لكَ يدي بالتحية..
ابتسَمتَ أنتَ أيضا ً..
أطرقتُ .. ثم رفعتُ ناظريّ بحنان .. وابتسامةٍ رقيقة ..
كم أخجلني أن عينيّ التقتا بعينيك..!!
ضحكتَ ..
لكنني أخفيتُ ضحكتي .. وبقيتُ أرمقكَ .. وأنا مُطرقة.. أراقب انفعالاتك.. أمحو.. وأرسم .. حتى اكتملتْ ملامحكَ ..
عندها.. رفعتُ وجهي ، لتلتقي عينايَ الحالمتان .. الصاحيتان ، بعينيك ..
وضمّتنا غيمة ٌ مَطيرة ..
– تعال .. يا توأم المطر ..
فأنا جالسة ٌعلى بساطه الأخضر..
من قال أنني وحيدة ..؟!
وضفائره تلفني ..
وأنا فراشة ٌ في أحضان زهرة ..!!!؟ )
كانت الجدة ( أم عادل ) تدعو في صلاتها الله ( الحاكم العادل ) أن يرأف بها وبأسرتها وبكل الناس الصالحين والمستضعَفين في الأرض .. ولأنها كانت على ثقة تامة أن ( الحاكم العادل ) غير موجود على الأرض .. كانت توجّه وجهها نحو السماء ، فاتحة ً صدرها المتعَب، الذي يعلو ويهبط مع كل شهقة ٍ منها .. وهي ترجو ذلك( الحاكم العادل)الذي يسكن الغيب .. ويحتجب في السماء .. أن يتنازل قليلا ً.. وينظر نحوها ونحو المظلومين في هذه الدنيا الفانية.. ليمنحهم بعض عطفه ورأفته ونصرته وعدله وقوّته .. وأن يردّ كيد الظالمين ..
وإذا سافر أحد أفراد الأسرة .. كانت تزوّده بدعائها المعروف :
– ألله يحميك من شرّ الظالمين ..
****************
وُلِدَتْ / فاطمة / في بداية القرن العشرين ويستطيع أخوها / الشيخ عباس / أن يقدر أن ذلك حصل عام / 1900م / ..
– حملني أبي .. وقبّلني .. سألني :
– أين أمك ..؟!
– في ( الخمّونة ) ..
رآها تمسك ظهرها ، وتئنّ ، وهي تعبّئ (عِدلا ً) من التبن ، لتحمله إلى البقرات المربوطات بأوتاد من خشب الشجر اليابس ، تحت ( مضَلّة ) مسقوفة بالأغصان الجافة .. سألها :
– أين المنجل ..؟! .. لكنه تنبه إلى أن وجهها ممتقعٌ .. وأنها جلستْ فوق العدل ، وهي تئنّ أنّة ً طويلة ..
فأسرع إلى الداية أم محمد :
– أسرعي ، يا أختي .. ( قنوع ) في المخاض ..
جلستُ بقربها ، وأنا أبكي .. مسحت على رأسي ، وطمأنتني ..
حضرت الداية .. ناولها أبي زجاجة َ ماء ٍ مقروءة ٌ عليها آيات من القرآن وبعض الأدعية .. وأعطاها ( خلعة ً ) من المزار .. وغاب مدة ً طويلة ..
أخرجتني الداية .. وبقيتْ مع أمي خلف ستارة القماش الممزق .. ظلت البقرات تعجّ .. حتى فلتت العجول .. وراحت ترضع حتى الشبع .. كنتُ أراقبها وهي تلعب حول أمهاتها ، قبل أن تعود وترضع ماتبقى من حليب .. كنتُ جائعا ً جدا ً.. لكن أحدا ً لم يطعمني .. حتى الذبابُ شبعَ من عينيّ .. ومن الحبوب المتقيّحة في رأسي وحول فمي ، وساعدي ، وساقيّ .. لكنني بقيت جائعا ً .. ولا أزال ..
جلستُ في الخارج على حجر أبيض .. التقطتُ عودا ً .. ورحتُ أنبش في التراب .. أخرجتُ ( سِلا ًً) .. فرحتُ .. حاولتُ أن أتسلى باللعب به وهو يتلوى كحية صغيرة .. لكن الدجاجة الحمراء اللعينة ، أسرعتْ واختطفته من أمامي .. التقطتُ حجرا ًصغيرا ً وضربتها به .. أصابت الحجر أحد صغارها .. فهجمتْ عليّ نافشة ً ريشها .. نقرتني بين عينيّ .. صرختُ .. لكن أحدا ً لم يلتفت إليّ .. قمتُ ، لأمشي ، لا أعرف إلى أين .. فأم محمد لاتسمح لي بالدخول .. وأنا أسمع أنين أمي .. أعطتني قطعة من التين ( المُهَبّل ) التهمتها بسرعة .. مسحتُ مخاطي بكمّ قميصي الطويل .. ومسحتُ دموعي بأسفل القميص تحت الركبة .. جلستُ لأبول قرب الحائط الحجريّ .. لم أكن ألبس سروالا ً .. فقط قميصي الأبيض القذر الممزق .. تغوّطتُ أيضا ً .. إسهالا ً حادا ً مخلوطا ً بالدماء .. بطني يؤلمني كثيرا ً.. وكنتُ أبكي .. ولا أحد يسمعني ..
حضرت جارتنا الأخرى .. كانت تحمل حملة سنديان ، وتسوق حمارة محملة بالحشيش .. سألتني عن أمي .. فبكيتُ أكثر .. وضعتْ حِملها أمام بيتها المجاور .. وأنزلت حِمل الحمارة ، وربطتها في الوتد .. نفضت ( القبّوع ) من أوراق السنديان الشائكة ، وأسرعتْ نحوي ماسحة ً عرقها ب ( شورايتها ) البيضاء .. سقطت ( البوشيّة )السوداء.. فأعادتها إلى رأسها ، وربطت ( الشوراية ) فوقها..
– مابكَ ياعباس ..؟! لماذا تبكي ..؟!
– بطني يؤلمني .. وكذلك عيناي ..
– لازال ( الرّمَدُ ) يعميكَ ياصغيري ..؟!
بلّلتْ طرف منديلها بريقها ، ومسحت عينيّ من ( القطع) الأصفر .. صِرتُ أرى أكثرقليلا ً.. جلستُ مكاني لأتبرّز ثانية ً .. سائلا ً مدمّى مرة ً أخرى ..
– داهمكَ الزحار ياصغيري ..؟!
أمسكتْ حجرا ً صغيرا ً مُتربا ً ، مسحتْ به مؤخرتي .. ثم سحبتْ قطعة قماش ملتصقة بالأرض .. بللتها ببعض الماء من جرن الدجاج .. ونظفت قفايَ أكثر ..
– سأغلي لكَ بعض ( الزّوْبَع ) ..
في هذه اللحظة سمعتُ زغردة الداية .. وصراخ أختي :
– كنتِ نحيلة ً جدا ً .. لكنكِ كنتِ جميلة ً يا / فاطمة / ..
التصقتُ بأمي التي كان يبللها العرق .. كان وجهها شاحبا ً جدا ً .. وكنتِ تصرخين ..
تكفلتْ أم محمد بتخليصها من بقايا الولادة.. لفّتْ أطرافَ /العِدْل ِ/ فوق /الصّفوة/ الرمادية.. التي تعلوها الدماء وبقايا الخلاص .. حملتها إلى أسفل القرية .. بعيدا ً عن ( دَروَة الشيخ ) .. ربما وضعتها في ( رجمة ) تحت الدولاب .. بينما بقيت / صَلوح / قربنا .. نظفتكِ من بقايا / الصفوة / والتبن .. ولفتك بخرقة بالية .. والتفتت إلى أمي ، تمسح عرقها .. وتساعدها على الاسترخاء فوق فرشة من الخروق ، على أرض / السيباط / الرطبة.. راحت تغلي لها قدرا ًمن الزوفا .. لكن / أم محمد / كانت قد أمسكت / شلوفا ً / أحمر.. وأخذته إلى الشيخ / محمود / ليذبحه .. هنأها بولادة قنوع .. ذبحه .. وأحضرته هي .. كان الماء يغلي في طنجرة نحاسية صغيرة ، على نار الموقد الحجري .. غطست / الشلوف / بالماء المغلي .. رفعته من ساقيه ، وأخذت تنتف الريش ، وأنا أتفرج عليها .. كانت تطلب مني أن أكشّ الذباب .. لكنه كان يصرّعلى الدخول في عيني أكثر من أي شيء آخر.. شقت بطنه.. وأخرجت أمعاءه ، وقطعت ساقيه .. رمتها أمام بقية الدجاج الذي تراكض نحوها .. وتجمّعتْ القطط لتتصارع معه ، في معركة أضحكتني كثيرا ً.. وقلعتْ عيون بعض القطط .. ونهشت ريش بعض الدجاجات ..
نظفت الداية/ الشلوف / المجوّف .. قصّتْ منقاره ، وطرف عُرْفه الأحمر .. ثم رمته في وعاء نحاسي آخر ، يغلي فيه الماء .. أتبعته ( بجَوْزيّة ) من الذرة الصفراء ، والقمح المقشور .. وعندما نضج ، صارت تسقي / زومه / لأمي ، التي استيقظت للتوّ مرتاحة قليلا ً ..
وضعوكِ على صدرها.. شعرتُ بالغيرة .. أنا وحدي من يجلس في حضن أمي .. لكنهم أبعدوني .. فبكيت .. أجلستني / صلوح / في حضنها وراحت / تفليني / ..
كنت ِ قد أصبحت ِ تضحكين عندما أداعبك .. وتناغين .. عندما حضر أبي من الحصاد .. كان معفرا ً جدا ً.. سحنته ازدادت سوادا ً .. ذقنه طويلة ولزجة .. وكوفيته عفِنه إلى درجة الاحمرار .. / شرواله / الأسود صار رماديا ً .. دِكّته محشوّة بالبراغيث .. عظامه الطويلة كانت مائلة ..
سخنت له أمي ماء ًعلى الحطب في / الدست / وناولته الطاسة ، والثياب النظيفة .. استحمّ في / المَدْوَر / في غرفة الدواب .. كانت تنظر إليه وتعجّ .. نام ليلة ، أو ليلتين .. ثم نهض ليأكل من مقلي البندورة والبصل و/ الشوّاف /.. قبّلنا جميعا ً .. وهو جالس على الطراريح المهترئة .. حلق ذقنه بالموسى .. صلّى .. وقرأ القرآن الكريم .. حمد الله كثيرا ً على نِعَمِه .. أخبر أمي أن / محيمود / قد / سَنْبَل / ومات .. وكذلك ابنته / هاجر / .. دفنوهما هناك .. لكن البقية عادوا .. سألها عن المطر .. أجابت أنه لم يهطل بعد ..
– الحمد لله .. نستريح قليلا ً قبل بدء موسم الفلاحة ..
***********

 

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك