كان عباس ، من ضمن الشباب الذين رُبطوا على أشجار التوت في ساحة القرية .. وجُلِدوا بالسياط ، وهم عُراة ً إلا من مبادئهم .. كانت عظامهم مغطاة ً بجلود ٍ رقيقة ، لكنها ثخينة.. إلا أن قسوة السياط استطاعت تمزيقها ، وإسالة الدماء المتبقية في العروق .. أمام أعين أهل القرية العُزّل ..
صرخت ( قنوعُ ) عندما رأت جسد ابنها يخور ويسقط كخرقة مربوطة من وسطها ، ليشكل رقم ثمانية .. لكن الجنديّ التركيّ أخذ يبرطم بكلمات التهديد والوعيد .. ويلكزه .. ثم يرشقه بسطل من الماء ، حتى استعاد بعض وعيه ..
عذبوهم أيضا ً ( بالخوازيق ).. وبكل أشكال العنف الذي لايُصَدّق ..
لم تصدق قنوع أن عباس سيعيش بعد كل ماذاقه من عذاب .. لكنه عاش ، وتزوّج بعد عدة أعوام ، من ( حسنا ) ابنة الأرملة ( خديجة ) .. كانا يحبان بعضهما كثيرا ً ، وبقيا عاشقين ، لم يفارق أحدهما فراش زوجه حتى وفاتهما في الربع الأخير من القرن العشرين ..
أنجبا خلالها أربعة أبناء ، وابنة واحدة .. كانوا قد تزوجوا جميعا ً، وأطفلوا ..
***********
توفي / ماجد / ابن / الشيخ عباس / في منتصف الخمسينات من القرن العشرين ، تاركا ًزوجته ، وابنة عمته / سكينة / حاملا ً بطفلهما الأول .. جُنت سكينة التي كانت تعبده ..
*************
( – فتحتُ أدراجه .. قلّبتُ أوراقا ً بيضاءَ .. وصفراء .. خضراء .. وحمراء ..
التهمَتْ عينايَ كل التفاصيل .. الصغيرة والكبيرة ..
و.. صدفة ً .. ومن غير ميعاد .. حدّقتْ بي .. كأنها تعرّيني .. في مشهد ٍ له طقسه الخاص جدا ً..
عاشقة ٌ .. تبحث في أدراج حبيبها .. وفي كل تفاصيل حياته .. عن امرأة ٍ أخرى ..
– أحبه ../ نطقتِ الصورة /..
– وأنا أكثر .. / أجابت العاشقة / ..
– لكنني متّ من أجله .. فهل يمكنكِ أن تفعلي ..؟!
– وما المانع ..؟! فحبيبي ليس شخصا ً عاديا ً .. هو محيط ٌ من الحب .. ونبعٌ من النقاء .. وشلال عذوبة .. وأنتِ أدرى ..
– احمليني إليه ..
– بشرط ٍ وحيد ..
أن أتأكد أنكِ ميتة ٌ فعلا ً ..
– المهمّ أن أراه ..
– لستِ وحدكِ في هذه الأمنية ..
وعلى قبره الذي ظلت تزوره كل صباح دون انقطاع .. إلى حين وفاتها بعد تسعة عشر عاما ً.. كانت تردد :
– كم كنتُ حمقاء يا ماجد..!
أو لنقلْ :
كم كنتُ حريصة ً على أن تبقى لي .. ولي وحدي يا حبيبي..!!
عندما كنتُ تلك المرأة التي تبحث في أدراج حبيبها .. وبين طيات حقائبه ..عن صورة أنثى .. ربما تقبع في ركن قصيّ من أنحاء ذلك القلب الحبيب ..
– مجنونة .. حمقاء أنتِ يا سكينة ..
أقسمتُ لكِ عند لقائنا الأول .. أنكِ الأنثى الوحيدة في حياتي ..
لم أكذب عليكِ .. قلتُ لكِ أنها عبَرَتْ ..
تلك التي كانت زهرة أيامي في شبابي الباكر ..
اختطفها الموت .. في غفلة ٍ، أو تغافل ٍ مني .. حين احتضنها ذلك الذي أجبرَتْ على الارتباط الأبديّ به .. لكن روحها وقلبها بقيا معلقين بي .. حتى بعد رحيلها .. واغترابها المركّب ..
أقسمتُ – بعدها – ألا ألمس أنثى ..
إلى أن أتيتِ أنتِ يا سكينة ..
أتيتِ من بين قضبان سجني .. حمامة ً بيضاء.. تهدلُ في حنايا روحيَ البائسة..
زنبقة ً تمدّ أصابعها لي من خلال السور .. بشفافية امرأة ٍ عاشقة ..
فتربّعتِ على عرش روحي – كالقدَر – كسرتِ يميني ..
لونتِ أيامي بما لم أكن أحلم به من جماليات الحياة الحقيقية ..
لكنكِ غِرتِ عليّ من نساء ٍ مالهنّ وجود إلا في خيال أنثى عاشقة .. تريد ألا تذيق أية أنثى من حلاوة ريق حبيبها الوحيد ..
– ستجفّ دموعي دون أصابعكَ ياماجد ..
ستتيبّس شفتاي ..ويسيل الدمُ من شقوقها في الصيف والشتاء ..
ستتحوّل إلى خِرقة ٍ بالية .. بعد أن كانت في حضوركَ شفتي أنثى عاشقة .. تستسلم بطواعية ٍ وتطلب المزيد .. حتى الثمالة ..
سأفتقدكَ ياماجد ..
سأفتقد حضوركَ ياحبيبي ..
وسأحتضنك من خلال احتضاني لبعض ٍ منك.. هذا الذي في بطني ..
لن تغيب عني لحظة ً .. أيها المكتمل الحضور حتى في غيابه ..
ستبقى حاضرا ً حتى بعد رحيلي ..
سأراك ياماجد .. سنعيش معا ً في الجنة .. حيث لاحرب ولا هزائم ولا أي شيء يعكّر صفو حبيبين حالمين ..
أين ذلك الغائب الحاضر ..الذي سيدخل الآن .. ليحضن أوجاعي .. ويعانق لهفتي ..؟!
أين تلك اليد الحبيبة التي طالما مسحتْ دموعي ..؟!
وذلك الشارب العابث الذي أحلم أن أتحد معه بقبلة ٍ تجعلني أنثى بعد شقاء عمر ٍ من الغربة ..؟!
سأتوغل بين أعشابه .. غير عابئة ٍ بالأشواك التي قد تخدش شفتيّ .. لأبحث بينها عن نبع رقراق .. أنهل منه بقية عمري .. مايجعلني أحيا .. أنثى من رحيق ..
أراكَ الآن تقول لي :
– لازلتِ تغارين عليّ يا سكينة ..؟!
بعد هذا العمر وهذا العهد الذي تعاهدنا به – صادقين – على أن نكون لبعضنا حتى الموت..؟!
هل جُنِنتِ بحبي لدرجة أنك صرت تخافين عليّ إن غِبْتُ عن ناظريكِ – ولو مُرغما ً – أن أعشق .. أو أن تعجَبَ بي أخرى ..؟!
ها أنا أغادركِ دون أخرى ..
ها أنا أغادركِ ..ولم تستطع أية امرأة ٍ أن تحظى مني حتى بالتفاتة ذات معنى .. إلا امرأة واحدة .. هي أنتِ يا سكينة ..
فلماذا أضعتِ الوقتَ القصير بالغيرة عليّ .. وجعلتني أنفر قليلا ً من أسركِ .. فسرقنا العمرُ دون أن ندري .. وحرمنا أنفسنا من المزيد من المتع .. التي تبرّد أرواحنا من لهيب الحرب والقهر والحرمان والشقاء ..؟! جاهلين .. أو متجاهلين أن العمر مهما طال .. فسيمضي .. / الحياة ُ أقصر من أن نختصرها / ..
يحرموا الرجال عليّ بعدَكَ يا ماجد ..
قالت لأخيها / عادل / وزوجته الطيبة / مريم / :
– يكفيني أنكما بجانبي .. تحميني يا أخي من كلام الناس .. وإن احتجتُ شيئا ً.. سوف لن أطلبه إلا منكما ..
*******************
كانت سكينة تتمنى أن تلد صبيا ً .. لتسميه باسم أبيه .. لكن المولودة كانت أنثى ..
أحضر عادل مجمَعين من السكاكر ، للضيافة ..
– أريدها أن تكون مثلكِ ياسكينة .. فأنتِ زينة النساء يا أختي ..
ومن يومها ، وعادل يحضر إلى البيت مجمَعين من السكاكر كلما وُلِدَتْ له أنثى .. ومجمَعٌ واحد ، إذا وُلِد له ذكر ..
لكن ابن الشيخ مجيد ، الذي كان بحاجة ماسة إلى إثبات رجولته .. مهما حاول أن يكون عادلا ً .. كما تمناه أبوه .. فلن يستطيع مخالفة التقاليد إلى درجة مُطلقة ، في مجتمع ذكوريّ يعتقد أن من متممات الرجولة ، عدم الرضوخ إلى مطالب النساء .. بل ، والنظرة الدونية إليها .. مع أن أغلب العائلات كانت مليئة بالأطفال .. لكن .. قد لايكون السبب في ذلك حب الرجال للنساء .. بل قد يكون الأطفال جاؤوا من الغيب .. أو من الداية .. أو ( الرّيّسة ) التي كانت تعبر القرية مع بقية ( الرياس )، في موسم الحبوب .. أو من مصادر أخرى .. ألله أعلم ..
منذ ولادة حبيبة ، كانت تبدو مختلفة ..
وبعد أن كبرت قليلا ً .. صارت تشبه أباها إلى حدّ بعيد ..
تقول أمها.. أنها كانت تبدي حساسية مفرطة منذ نعومة أظفارها..
كم كانت الأسرة سعيدة عندما لثغت الطفلة بأول كلمة ..
صاحت / سكينة/ :
– تعالوا اسمعوا .. حبيبة تتكلم .. ابنة العشرة أشهر تتكلم .. !! آه ٍ ياماجد .. لماذا رحلتَ وتركتنا غريبتين ..
لكن الطفلة امتنعت عن الكلام لعدة أشهر ، عندما ضربتها أمها لأنها بالت في ثيابها ..
وأنها لم تكن تحبو .. ككل الأطفال في سنها .. إنما أرخت نفسها مرة ً واحدة من يد أمها .. وركضت في ( الدّوارة ) بعد أن بلغت سنة ونصف من عمرها ، أمام دهشة الجميع ..
كبُرت حبيبة ، وظلت أفكارها الغريبة تشعِر الناس أنها مختلفة ..
كانت تتأخر عن رفاقها في العودة من المدرسة ..
وكانت كثيرة الصمت والتأمّل ..
وتحكي لزملائها أحاديث غريبة .. وتبتكر لهم حلولا ً لمشاكلهم لم تكن تخطر لهم على بال ..
كانت شغوفة ً بالمعرفة .. تفوّقت في مدرستها ..
لكن أحوالها تغيرت منذ وفاة مربيتها العجوز أم سليم ..
لم تكن الطفلة قد تجاوزت العاشرة .. كانت تحبّ مربيتها أكثر من أمها .. ومن كل أفراد الأسرة ..
وتتذكر :
( البنت ، يا ابنتي .. مثل ثوب البستونة .. أصغر نقطة ، تظهر عليه ..} ..
لأول مرة ، عرفت حبيبة أنها مختلفة عن الذكور .. وأن عليها أن تتصرف بما يناسبها كأنثى .. وتمتنع عن بعض التصرفات غير المسوح بها للإناث ..
كانت في العاشرة .. تنطّ فوق أرض الغرفة الترابية .. مبللة بالعرق .. تتابع لعبة النط على الحَبلة ، بعد أن لفت طرفيها حول أصابعها الأربع .. وتفرّقت البنات كل واحدة إلى بيتها قبل غروب الشمس بقليل ..
بعدها بأقل من ثلاثة أعوام .. تركت اللعب ، بعد إلحاح مثانتها المضغوطة ، التي سبب لها امتلاؤها المغص .. دخلت الدار التي تحيط بها أربعة أسوار عالية .. لها باب واحد مفتوح باستمرار .. رفعت ثوبها الأحمر الواسع المزموم من الخصر.. ومن تحته الشلحة الزهرية .. أنزلت سروالها البوبلين الزهري الذي خاطته لها أمها منذ عدة أشهر .. جلست القرفصاء واضعة كل قدم على حجر ، لتتفادى الغوص في ذلك المستنقع .. وسمحت لمثانتها بأن تقذف البول بقوة .. أخفضت رأسها لتراقب البول .. وتمنع تلويث ثيابها .. اقشعرّ بدنها .. واستبدّ بها الرعب عندما لاحظت بعض قطرات دم حمراء على سروالها .. ظنته زحار .. لكن .. لكن .. لا .. لا .. إنها هي .. هي تلك التي حدثتها عنها أمها باقتضاب منذ مدة ..
– ويلك يا حبيبة ..!! صِرتِ امرأة ً ناضجة .. مثل أمكِ .. ومثل جاراتك المترهلات .. القابعات في البيوت والدوارة .. الثرثارات باستمرار .. أو الميّتات من العمل في الحقول ، والبيوت .. وتلبية مطالب الأزواج .. والسهر على راحة الأطفال ..
ستُمنعُ عنكِ منذ هذه اللحظة ، كل الأشياء التي تحبينها .. اللهو .. والضحك بصوت عال .. وحتى السير كما ترغبين .. سيمنعون عنك اللقاء العفويّ بزملائك الصبيان .. سيُطلب منك أن تكوني متزنة من الآن فصاعدا ً .. لكن دماءكِ لاهبة .. وروحكِ عطشى إلى الحرية .. كيف انتهت طفولتكِ قبل أن تبدأ ..؟! ولماذا يمنعونني من اللعب ..؟! لماذا لا أبقى حُرة ..؟! ماالذي طرأ كي أفطَمَ عن حريتي منذ هذه اللحظة ..؟!
شعرت حبيبة بألم الفطام عن أجمل مرحلة في حياتها ..
صاحت بأعلى صوتها .. لكن أمها هدّ أتها :
– ألم أخبركِ أن هذا شيء طبيعي يحدث لكل فتاة في مثل عمركِ ..؟!
علمتها كيف تقطع الثياب القديمة وتعمل منها حفاضا ً تثبته من الأمام والخلف بشنكلين من المعدن .. وأن تتقن ذلك كي لا تلوّث ثيابها .. وأن تحرص في مشيتها على الاتزان .. وألا تخالط الذكور في مكان منعزل.. وحتى أن تمتنع عن زيارة عمها محمود اليومية ..
إذا ً .. بدأت مسيرة التقييد ياحبيبة .. مسيرة الأسر الطويلة المريرة ..
لا عليه .. فوضعك لا يختلف كثيرا ً عن وضع بقية بنات ( الخصيبة ) إن لم يكن أفضل .. فكثير من البنات لا يعلمن ماذا يحدث لهن .. فيتملك الخوف قلوبهن الصغيرة .. وقد تمضي عدة أعوام حتى تعرف أمهاتهن أن بناتهن بلغن سن النضوج ..
لم تكن الطفلة تعي لماذا تلحّ عليها أمها بالسؤال : هل عادت دورتها الشهرية ، أم لا ..؟! ولم تستطع تفسير رعبها وحنقها وتقريعها لها عندما تجيب بالنفي .. ولا حتى فرحها البالغ .. وتغيّر معاملتها التي صارت لطيفة بعض الشيء عندما جاءت الدماء بعد شهر وعشرين يوما ً ..
كم أخجلها طلب أمها أن ترى ذلك بعينيها ..!! لكنها أذعنت .. وأثلجت صدر أمها الخائفة ..
تعلمت حبيبة جيدا ً كيف تنظف الخِرق بالماء والصابون .. بعيدا ً عن عيون الجميع .. وأن تنشرها على عيدان السنديان التي تحيط بمربط الدواب .. من جهة الداخل .. وأن تحرص على تنظيف يديها جيدا ً بالماء والصابون ثلاث مرات بعد الانتهاء من عملية الغسل .. وألا تصلي .. أو تقرأ القرآن ، إلا بعد نظافتها التامة منها .. وحمّامها مرتين بعدها ..
أدركت أنها دماء القذارة .. أو ربما الأكثر قذارة من أي شيء .. فكانت تنظفها بتقزز تكاد تقذف الطعام من معدتها من شدته ..
تعلم الأطفال أن يناونها ( أختي ) وتعلمت أن تناديهم بأخي أو أختي .. كما تعلموا أن ينادوا كل قريب لهم ، أو صديق ( عمي ) أو ( عمتي ) .. ( خالي ) أو ( خالتي ) ..
صحيحٌ أن خالها عادل الشيخ مجيد كان يميّزها عن أبنائه .. لكن الأمر لم يكن يخلومن بعض التهكمات التي تنالها منه..مثل مناداتها ( حبّوب ) .. في بعض الأحيان .. لم يكن يدرك مدى شعورها بالدونية والخجل من ذلك .. وصحيح أن ابنه البكر صالح ، لم يكن يجرؤ على طلب شيئ منه مباشرة ً .. فيرسلها لتطلب من أبيه كل مايحتاجونه من دفاتر وأقلام .. أو الموافقة على ذهابهم في رحلة ستقوم بها المدرسة .. كان صالح يدرك تماما ً أن أباه لن يرفض لها طلبا ً .. لكن الصحيح أيضا ً أن خالها كان يضربها أو يوبخها في بعض الأحيان ، كما يضرب أو يوبخ أبناءه وبناته إذا اشتكى منهم أحد الجيران ، أو الأصدقاء .. كان يضربهم الضرب المبرّح أمام المُدّعي عليهم ، قبل أن يتبيّن صِدق هذا المُدّعي أو كذبه .. فهو عادل .. وسليل أسرة عادلة .. فكيف يسمح لنفسه أو لأي فرد من أفراد أسرته إلا أن يكونوا قدوة .. فيشعر الأبناء بالخجل والإحراج والغبن والظلم .. حين يعاقبون ظلما ً وعدوانا ً على ذنوب لم يقترفوها .. وإن فعلوا شيئا ً ، لم يكن يستحق إلا كلمة لوم صغيرة .. كانت كافية لتردع الصغير .. لأن العدل في أرواحهم كالوشم .. وليسوا بحاجة إلى عقوبات رادعة ليعدلوا .. فيحقدون على أبيهم .. وعلى أمهم التي لم تكن تجد لها متنفسا ً إلا بالدعاء عليهم وتخويفهم من عقاب الأب .. وعقاب الله .. وغضبه عليهم ، إن لم يطيعوها .. كما يحقدون على جيرانهم أو معارفهم الذين لا يكلفون أنفسهم مشقة التأكد من صحة شكوى أبنائهم .. ويستغلون حبّ أبيهم للعدل .. وإنصافه للآخرين .. ناسيا ً حقوقه .. وحقوق أبنائه من هذا العدل .. مما كان يزيد طمع الآخرين بهم ..
**************
أغرقتْ سكينة نفسها بالعمل الشاق ، مع أخيها وعائلته .. لتعيش مع ابنتها بكرامة .. ولتخفف من تأثير فقدانها لزوجها الغالي .. الذي لم تعش معه أكثر من عامين .. لكنها لم تستطع التفكير برجل سواه ، حتى نهاية حياتها .. ولم يجرؤ أخوها بالتلميح لها بحقها بالزواج .. وأن الحبّ الكبير ، لايُبعِد سلطته ، إلا حبّ أكبر .. كان يخشي من أن تفسّر ذلك عكس ما يريد ..
كانت تراه في أحلامها ، شابا ً متوسط القامة ، أسمر ، واسع العينين .. جميل الملامح .. لطيف المعشر .. طيّب القلب .. حنونا ً .. يضمها .. وتضمه .. ويغيبا معا ً في عالم ساحر ..
– آه .. لو تدري كم أحبكَ ياماجد ..!!
– وآه ٍ عليكِ من بعدي يا سكينة ..!!
يمسح دموعها .. يقبلها من فمها ، وعينيها .. وخديها .. وحتى كتفيها وراحتيها ..
ومرّة ً رأته يقبل رجليها .. فسحبتهما وهي تضحك ، واضعة ً كفها على شعره الأسود :
– اهدأ ياماجد .. قد تموت ..
– الحبّ يُحيي .. ولايميتُ ياسكينة ..
– أتمنى أن أنجبَ منكَ عشرة أبناء ..
– ليتكِ تفعلين ..
فتستيقظ ، وتصرخ :
– لماذا رحلتَ ياماجد ..؟!
لماذا رحلتَ ياحبيبي ..؟!لماذا توأدُ أحلامنا دائما ً .. ؟!
************
انتسب ماجد إلى الجيش ، في أوائل الخمسينات من القرن العشرين .. لم يكن قد مضى على زواجه أكثر من شهرين .. لكنه لم يصرّح بذلك أمام رؤسائه .. فلم تكن الدولة تسمح للمتزوجين بالدخول إلى الجيش إلا إذا كانوا عازبين ..
وعدَ زوجته أنه سيصطحبها معه إلى مكان خدمته في الجنوب ، بعد انتهاء فترة التدريب القاسية .. غاب عدة أشهر ، قبل أن يأتي أول إجازة .. قضى في القرية عدة أيام .. عاد بعدها إلى عمله ..
وظل يغيب فترات متفاوتة .. ولا يمكث في القرية إلا عدة أيام .. يعود بعدها .. وهكذا ..
ظنت سكينة أنها لن تحبل إذا بقي الأمر كذلك .. لكنها طارت من الفرح عندما شعرت بأعراض الوحام .. بدأت تأكل حجر ( الحفحاف ) الأبيض بشهية لا تقاوَم .. دللتها حماتها .. طبخت لها كل ماتشتهي من أطعمة .. منعتها من القيام بالأعمال الحقلية القاسية .. وأوكلت المهمة إلى نفسها ..
طار ماجد من الفرح :
– أخيرا ً .. ستنجبين مني عشرة أبناء ياسكينة .. سأبني لكِ بيتا ً في الخصيبة ، يليق بكِ يا حبيبتي .. سنقضي فيه إجازاتي .. عشا ً لايحلم به أحد غيرنا .. صغيرا ً .. لكنه يتسع بالمحبة .. فقيرا ً.. لكننا سنغنيه بأحلامنا ..
لكن ماجد ، توفي أثناء رحلة عودته من إحدى الإجازات .. وماتت الأحلام الطفلة









