– اليوم ياسعدو.. وبعد أكثر من ربع قرن.. اليوم .. فقط .. حققتُ أهم شرط سعيتُ له في حياتي .. وهو الحرية ..
لا أكتمك سرا ً ياحبيبي.. أنني لا أزال في شكّ من أمري .. ولا أزال أتساءل:
– هل فعلا ً أنني قد حصلتُ على حريتي ..؟!
أم أنني ضعتُ مجددا ً في إحدى الدروب التي تشبه تلك التي كنت أظنها ستوصلني إلى مبتغاي ..؟!
– اسنديني ثانية ً.. ألا ترين غزارة المياه في الأسفل ..؟!
– لو أننا عبرنا من المكان الآخر..!! ما أغبانا..!!
– لاعليكِ .. نحن هنا.. فلنعبُر..
– المكان الآخر مزدحم.. لو انتظرنا ً دورنا لتأخرنا كثيرا ً..
– تضحِكينني أحيانا ً..هل هناك تنظيم للأدوار عندهم..؟!لو كان ذلك لما وجدتهم على ماهم عليه..
– معك حق.. لم أتخلص من التسرع في إطلاق الأحكام..
– انتبهي.. لقد وصلنا..
وبشكل ٍ آليّ ، وضع يده اليمنى على كتفها الأيمن .. وأحاطتْ بيدها اليسرى خصره ..
– انتبهْ جيدا ً.. ثبّتْ عصاك في ذلك الثقب فوق هذه الصخرة.. واقفز معي حال أن ألفظ الرقم ثلاثة..
– الحمد لله .. فلنجلس قليلا ً.. يكاد يُغمى عليّ ..
– آخ .. ظهري انكسر
– .. وتؤلمني قدماي ..
– ظهرك .. أم ظهري ..؟!
– قدماي .. أم قدماك ..؟!
– أتساءل ياسعدو .. إن كنتُ أستطيع أن أقابل الله يوم القيامة .. وأنا أفعل هذا ..
– سأقابله معكِ ..
– نعم .. أستطيع أن أقابله.. وسأقول له ..
بل لا أقول له شيئا ً .. فهو العليم الخبير .. وهو الحاكم العادل ..
**********
أيقظته في أول ليلة يقضيانها معا ً على فرشة من العشب الأخضر ، دون أن يمسهما أذى من حيوان أو إنسان .. في تلك الغابة الخضراء البعيدة :
حرّكت أصابعها بنعومة ٍ تتلمّس جسده ، لتصدّق نفسها أنها غير حالمة ..
– شعرتِ بالغربة ..؟!
– أبدا ً .. إنما أحاول ألا تفوتني لحظة ٌ واحدة ..
– كنتُ مُتعَبا ً ..
– وأنا غير مُصَدّقة ..
*******************************
– لا أدري إن كان ذلك حلما ً، أم شيئا ًآخر..!!
كنتُ أعوم في تلك الزرقة .. حين رأيتُ وجهكَ.. ذاتَ حُلم ..
رأيته طافيا ًفوق الماء ..
سبحتُ حتى كدتُ ألامس جسدكَ العاري .. في ذلك البحر الهادئ ..
كنتَ في حالة استرخاء ..
وحده رأسكَ ، كان ثابتا ً، وأنفك يطفو ، وبعض عينيك ..
وأحيانا ً ، كان الموج الهادئ يؤرجحه قليلا ً، فيغمره .. ولا يستريح ..
فيميل قليلا ً.. ثم يعود ويعتلي صفحة الماء ..
ظننتك مصلوبا ً.. من انفراج ساقيك ، وساعديك.. واستسلام ٍتام ٍ، أخافني :
– هل أنت حقا ً ميت ..؟!
تابعتُ السباحة باتجاهكَ ..
أمسكتك من ساعدك .. فالتفتَّ نحوي ، خائفا ً، هلعا ً.. كأنك كنت في عالم آخر..
كان شعري مبللا ً، مسترسلا ًفوق جسدي ، ووجهي ..
فاستويت َعلى الماء ، كأنك تدوس فوق أرض ٍصلبة ..
تأملتني قليلا ً..
أزحتَ خصلات شعري المبلل عن وجهي الغارق بالقطرات ..
لامستَ بأصابعك ، فمي الذي كنتُ أخرِجُ منه الماء ..
شددتني نحوك .. عصرتَ جسدي .. قبّلتَ شفتيّ ..
أزحتك قليلا ً.. أبعدتك – مستغربة ً..
– مَنْ أنت ..؟!
ولم تجِبْ ..
وعندما اقتربتَ ثانية ً ، تأملتُ شاربيك المبللين ، وفمك الشهيّ ، وعينيك الساحرتين .. البعيدتين .. تردّدتُ قليلا ً.. ثم ضممتُ رأسك إلى صدري العاري .. فاستسلمتَ ، كطفلٍ ..
عدتُ ، وضممتك إلى قلبي .. ومسحتُ شعرك المبلل .. قبّلتُ خدّيك .. وتلمّستُ عنقك .. ثمّ شعر صدرك الذي كان يتموّج فوق الماء ، وتحته ، كعشبٍ أخضرفي بداية الربيع ..
صرتَ تجدّل شعري ، ثم ترخيه.. وتتأمّل جريانه مع الماء ..
ثم تأخذه،خصلة ً، خصلة.. تجمعه، وتقبّله.. وتشرب من عصيره المنعش .. ترخيه فوق صدرك .. وأنا أتأمّل ..
أسحبه قليلا ً.. وأعود به من جانب رأسي الآخر ..
أستلقي برأسي ، فوق صدرك ..
تداعبني .. أنتَ..؟! أم الماء ..؟!من الذي كان يحضنني ..؟!
ونسبح .. نسبح متحدين ..
كانت أسماك القرش تمرّ بنا ، وهي خائفة..
كنتُ متأكدة ً، أنها كانت ستفترسنا ، لو أننا كنا منفصلين..
لكنها كانت تهرب مذعورة ً، من ذلك الكائن الجميل ، العملاق .. الذي يفوق كل الكائنات قدرة ً، وجمالا ً..
وكانت الأعشاب البحرية ، تفسح لنا الطريق ، فتميل برؤوسها عنا، كي لا تعكر صفو حبيبين حالمين..
والأسماك الصغيرة ، تتهامس ، وتضحك.. تتجمّع في عرس ٍمهرجانيّ بديع..ثم تأخذ تسبح بعيدا ًعنا ..وكنا نلاحظ أنها تتجمّع زوجين، زوجين.. بين المرجان .. وتحت أجنحة العشب ..
كانت الحيوانات البحرية الصغيرة الدقيقة، تستوطن الطحالب الخضراء ، والملونة.. فوق صخور البحرفي الأعماق.. تتكاثر بهدوء ، وانسجام بدائيين ..
كانت الطبيعة ساحرة .. في ذلك الخضم العاري ..
ونحن نسبح متحدين ..
رأسي فوق صدرك .. وشعري يسبح فوق جسدك.. ويستطيل ، حتى يغمر كامل جسدك ..
أتراه البحرغذاه،فنما بهذه السرعة.. فزاده طفولة ً، ونعومة..؟!
كنتَ مستسلما وبديعا ً..
وجهك كالملاك ..
تخترق الحواجز بأجنحة ٍمن نور..
* * *
ومرة ً.. صعدنا جرفا ً صخريا ً..
أمسكتني من ذراعي ..
واعتلينا القمة ، تلو القمة ..
كنا نجلس متجاورين .. يدلي كل منا ساقيه إلى الأسفل .. ونلوّح بهما .. بتناظر ٍبديع ..
كنا طفلين ..
وكانت أرجلنا تتشابك أحيانا ً، عن قصدٍ .. أو دون قصد ..
وكنا – عندها – نضحك ملء قلوبنا .. ونفرح بالصدى ..
تشرق الشمس .. وتغرب .. وننسى أنفسنا ..
ولا نخاف الظلام ..
كنا نتآلف مع الطبيعة .. روحا ً، وجسدا ً..
نعشق طهارة بدائيتها ، ونقاءها..
كنتَ تناديني باسمي .. وأناديكَ باسمك َ..
فيتعانق الصدى .. وننتشي ..
– هل كان ذلك حلما ً..؟!
أم هذا هو الحلم ..؟!
هل هذه هي حبيبة ..؟!
أم تلك ..؟!
أم ..؟!( الحياة حلم ..والموت يقظة ..)!!
ياألله ..!!ماهذا ..؟!
وهل علينا أن نصدّق كل ما نقرأ.. أو ما نسمع .. أو حتى ما نرى ..؟!
لكن .. لماذا أشغل نفسي الآن، وفي هذه اللحظة بالذات،بمثل هذه الأسئلة ..؟!
أنتِ الآن بين أحضاني .. فمالي أشغل نفسي بأمور قد تكون حقيقة ، وقد لاتكون ..!!
أكون مغفلا ً، أو غافلا ً، إن تابعتُ التفكير بهذه الطريقة ..
أنت ِ الآن ، الحقيقة الوحيدة التي بين يديّ .. وهذا يكفي ..
فلأبحر معك ِفي تلك العوالم الساحرة ، التي طالما دغدغتْ خيالي ، وأنا أعبر تلك الغابة الموحشة.. فلا تتركيني ..
سمعت ِ..؟!
هل سمعت ِصوتي يا حبيبة ..؟!
لاحظ أن صوته لم يخرج من صدره .. ويبدوأن ذلك قد حصل معه منذ مدة طويلة .. والدليل على ذلك ، أن فمه كان قد تيبّس ، لولا بعض قطرات ٍ من ريقها ، أشعلتْ فيه الحياة النائمة..لكنه ، بالمقابل ، لاحظ أنها تسمعه .. والدليل على ذلك أيضا ً،أن جسدها كان يزداد طراوة ً، وليونة .. ودفئا ً.. ورطوبة ً منعشة.. ومن مداعبات كفّها السحريّة ، التي تسبح فوق ظهره ..
تساءل أيضا ً:
– هل هذه ، فعلا ً يدُها ..؟! وهل ….؟!
لكنه قطع تساؤلاته .. وأنب نفسه ثانية ً:
– عُدتُ إلى الهذيان .. لماذا أشغل نفسي بعدّة احتمالات .. قد تكون واقعة حقيقية .. وقد لا تكون ..؟!
وسمعها تقول له :
– كيف أدخِلكَ إلى قلبي ..؟!
– إنني في قلبِكِ ..
الفصل الرابع :
*********
عندما رأى / الشيخ مجيد / أن صحته تتدهور.. وأن الأطباء في سورية ولبنان ، عجزوا عن إيجاد دواء يشفيه من العلل الكثيرة التي انتابته منذ سنوات طويلة .. بدأتْ منذ أن اضطرّ إلى تسليم سلاحه ، مع رفاقه المجاهدين..لانقطاع الإمدادات.. وإنهاك الثوار .. الفلاحين الذين تفوق طاقاتهم الروحية إمكانياتهم الجسدية والمادية بكثير ..
شجّع ابنه البكر عادل ابن السبعة عشر عاما ً .. أن يذهب إلى المدينة ، ويتزوّج ابنة خاله / مريم / .. التي يكاد يخطفها من هم ليسوا جديرين بها – كما كان يقول –
ترك عادل المدرسة ، غير آسف.. بل رآها فرصة مناسبة للتخلص من سلطة ذلك الأستاذ القاسي .. وتلك المناهج الجافة التي لم تكن تغريه بالمعرفة التي كان ينشدها .. لم تكن به رغبة إلا لتعلم اللغة العربية والشعر.. وفضول لمعرفة اللغة الفرنسية .. لكن قسوة الأستاذ الوحيد، الذي يدرّس كل الصفوف، كانت تنفره ..
أما القرآن الكريم ، فقد كان يحفظ الكثير من آياته غيبا ً.. عندما كان يقرأ مع مجموعة من الأطفال عند / الخطيب / .. قبل دخوله المدرسة .. تحت إحدى شجرات التين الأكثر تظليلا ً.. يتنقلون تحتها حسب ميلان الظل ..
******************
/ مريم /.. تلك الشابة الفارعة الطول .. الجميلة الملامح .. التي تسابق على استمالة قلبها جميع الأقارب .. منهم من أرسل أهله ليطلبوها.. ومنهم من كلمها مباشرة بهذا الخصوص ..
لم يستطع أحد أن ينال قبولا ًمنها .. ولم يقبل أبوها أن يزوّج ابنته الوحيدة ممن لاترغبه ..
خاصمه الأقارب .. واتهموه أنه لايحبهم .. لأنه لم يستطع إقناع / مريم / الجميلة الطموحة .. الذكية .. الحالمة .. التي أدخلها أبوها المدرسة في زمن كانت المدارس فيه للذكور فقط .. لكنها خرجت من المدرسة بعد أربع سنوات قضتها فيها .. بحجة أنها لا تستطيع أن تكون البنت الوحيدة بين الذكور.. تصطف معهم وتحيّ العلم .. وتجلس على مقعد وحيد في غرفة متهالكة كانت يوما ًما ثكنة عسكرية للفرنسيين ..لتتلقى تعليمها كما الذكور تماما ً ..
ولم يجد / أبو مريم / الشيخ الجليل بدا ً من الاقتناع بما حاولت ابنته إقناعه به .. لكنه اشترط عليها أن تتابع التعليم في البيت .. فكان له ما أراد .. وتابعت مريم القراءة والكتابة .. والاطلاع على العلوم الأخرى .. خصوصا ً التراثية منها .. واستطاعت أن تحفظ أغلب آيات القرآن الكريم .. غيبا ً.. وبعض الأحاديث النبوية .. وأقوال الإمام عليّ .. والكثير من الحكم والأمثال الشعبية المتوارثة عبر أجيال .. والكثير أيضا ً من الحكايات الشعبية.. التي ظلت ترويها لأبنائها.. وابنة سكينة اليتيمة /حبيبة / ..
ضاق أبوها ذرعا ً بكثرة الخطـّاب .. مما جعله يحسم الأمر بإلزام مريم على الاختيار.. وكم كان سعيدا ً عندما اختارت ابن عمتها / عادل/ ابن /الشيخ مجيد/ رغم أنها لم تكن تراه إلا نادرا ً.. فأسرع عادل .. بتشجيع من كل أفراد العائلة إلى الزواج بابنة خاله .. محققا ً أول حلم ٍ .. لم يكن يتوقع أن يحصل عليه ..
حيث سكن مع زوجته في بيت أبيها / الشيخ اسماعيل / إلى أن صار عمر ابنهما البكر/ صالح / أكثر من عام بقليل .. وكانت / أم صالح / قد حملت بمولودتها الثانية / بتول / ..
وقد عقدا العزم على أن يبقيا مع العائلة في المدينة .. وأن يساعده خاله /الشيخ اسماعيل / في تأمين عمل.. في نفس الشركة التي يديرها .. إذ أن الثقة بينهما كانت مطلقة .. وعند ذلك ، يستقلّ /عادل / مع زوجته وأبنائهما في بيت مستقلّ .. كاد يشعر بالاستقرار.. لكن ..
لم يطل الوقت على فرحته ..
حتى جاءه خبر وفاة أبيه كالصاعقة ..
****************
كانت جنازة أبيه المجاهد ، واحتفالات تأبينه التي اجتمع فيها الناس من عدة مناطق ، ومحافظات سورية ، ومن لبنان أيضا ً..أنشدوا الأشعار.. وألقوا الخطب الوطنية ، والقومية ، والإنسانية.. مشيدين بشخصية الشيخ الجليل ، وبطولاته .. وتعامله الإنساني وسعة معرفته.. وعدله..
ترك ( الشيخ مجيد) وراءه أسرة مؤلفة من عدة أبناء.. وبنات..أكبرهم / سكينة / وثانيهم/ عادل/ ..
***********************
انضمت أخته سكينة وطفلتها إلى العائلة الكبيرة .. لتصبحا أمانة إضافية من الأمانات الكثيرة التي يحملها عادل ابن التاسعة عشرة .. بعد وفاة أبيه ..
كان يدرك ثقل الأمانة .. لكنه بالمقابل .. كان واثقا ً من نفسه ، ومبادئه .. إلى درجة كبيرة .. ويصرّ على تحقيق أحلامه .. التي هي في الحقيقة ، امتداد لطموحات أبيه التي لم تتحقق .. فعاهدَ نفسه على أن يكمل الطريق التي سلكها أبوه .. ويقوم بكل الواجبات التي ألقيتْ على عاتقه على أكمل وجه .. بشكل يرضي ضميره .. ويرضي أيضا ً روح أبيه الذي كان يشعر بالذنب تجاهه .. خصوصا ً عندما يضطرّه عناده ، وجرأته المبالغ فيها .. إلى اقتراف الكثير من المخالفات .. فيضطرّ / الشيخ مجيد / إلى التوسط لدى هذه الجهة أو تلك .. كي تعفو عن ابنه المندفع .. بحجة أنه لم يبلغ سنّ الرشد .. ولايمكن محاسبة قاصر .. لكنه يوبّخه في البيت ويهدّده ويتوعّده ..
فمثلا ً .. مرّة اضطر أن يتدخل لإخراجه من السجن ولم يتجاوز العاشرة .. لأنه سبّ أحد رجال / الدرك / .. عندما خاطبه هذا الآخر .. بكلام ناب ٍ – دون وجه حق – مما أهان كرامة ذلك الغِرّ الأبيّ ..
ولولا نفوذ الشيخ مجيد .. ومكانته الجهادية والأخلاقية ، والاجتماعية .. لما استطاع إطلاق سراح ابنه ..
****************
كان/ أبوصالح / .. دائما ً يطلب المزيد من العطاء.. والتفوّق.. ونكران الذات .. من نفسه.. ومن عائلته .. كان طموحه لا يحد.. في أن يكونوا قدوة في كل شيء.. فيصرّ على أن يُشعِرَ أبناءه أنهم مقصرون في واجباتهم الدراسية ، وغيرها ..
أراد أن يحفزهم ليستنفر طاقاتهم الكامنة.. لكنه لم ينتبه إلى أنه كان يرهقهم بالواجبات.. فيزدادوا شعورا ً بالذنب والإحباط إذا قصّروا .. في أي واجب.. وحتى دون أن يقصّروا ..
***************
كان أهل القرية يتحدثون بكل إجلال وتقدير عن / الشيخ محمد / ذلك المجاهد الذي شارك في المعارك ضد العثمانيين .. ومن بعدهم الفرنسيين .. بالإضافة إلى أن بيته كان مِحَجّة ً لكل طالب حق..وكل مظلوم ..هو وإخوته..
فقد توارثوا أيضا ً.. مايشبه سلك القضاء..لكن دون رخصة أحد .. إنما الرخصة كانت قد جاءت من الثقة بهؤلاء الرموز المنصفين الشجعان ..
هؤلاء الفلاحين الملاكين المجاهدين الشعراء الصوفيين..الذين لا يزهدون من الدنيا.. إنما يسعون بجد ونشاط ليعيشوا ماكتب لهم .. طامحين نحو الأفضل.. لهم ولغيرهم.. ومتقبّلين – بكل إيمان – /القدَر/ الذي يأتي دون إرادتهم..أو لا يستطيعون أن يغيّروا منه شيئا ًً.. كالموت – مثلا ً- .. أو ولادة طفل مشوّه.. ولم تُغرِهِم النعَم التي بين أيديهم أو التي يحصلون عليها.. إذ أنهم كانوا يقتنعون أن كل شيء ماديّ زائل..لامحالة.. وأن النعم كلها.. من صحة ومال وبنين وشجاعة وثقة من قِبَل الآخرين ..أو أي رزق يأتيهم..كل ذلك كانوا متأكدين أنه أمانة بين أيديهم..عليهم أن يخدموا من خلالها الآخرين..ويدافعوا عن الحق .. أينما وجدوا اعتداء ً عليه ..
كانوا يطمحون فقط إلى الاكتفاء الذاتي.. ويفهمون الغنى على أنه غنى العلم والمعرفة.. والقدرة على الاستغناء عن الحاجة المُذِلة إلى الآخرين.. مع إيمانهم الراسخ بالتعاون بين البشر.. وأن الناس كلهم بحاجة إلى تكامل الحاجات.. بالتعارف.. والتعاون ..على ماهو خير الجميع ..
كانوا يعاملون الفلاحين الذين يعملون معهم في أرضهم .. كما يعاملون أفراد أسرهم .. يعيشون بينهم .. ويأكلون من نفس ما تأكل أسرهم .. يلعب أبناؤهم مع أبنائهم بندّية .. تخلو من التمييز الطبقيّ الذي كان يسود في زمانهم .. يسكنونهم في بيوت خاصة .. ملاصقة لبيوتهم .. طينية مثلها ..
كانت الميزة الوحيدة .. التي تتمتع بها عائلة بيت / الشيخ مجيد / .. عن أولئك القوم .. أنهم يملكون الأراضي .. والماعز والأغنام .. والحمير .. والبقر .. بينما أولئكَ لايملكون إلا القليل .. جاؤوا من قرى بعيدة .. هرباً من الفقر والقمع والقهر والموت .. وظلم الملاكين الكبار .. الإقطاع الذي انقسم في ذلك العصر إلى نوعين .. نوع فضل مصالحه الخاصة على المصلحة العامة .. وتعامل مع الاستعمارالفرنسي .. ومن قبله العثماني الذي رزحت تحت نيره البلاد قرونا ً عديدة .. مريرة .. ذاقت فيها البلاد والعباد .. شتى أنواع القمع والقهر والتجهيل والتفريق والتمزيق بين أعضاء الوطن الواحد .. مالا يمكن أن يعرفه إلا من ذاقه .. أو من عايشه من أبناء تلك المنطقة من العالم الغنية بثرواتها الفكرية والمادية والمعنوية .. والتي لايزال يطمع بخيراتها كل مستعمِر.. ولا تزال تتكالب عليها أطماع الدول الاستعمارية .. وتتسابق على استثمار خيراتها الشركات العالمية الاستعمارية العنصرية .. على مبدأ / الغاية تبرر الواسطة / .. وكان ولا يزال الشعار الأهمّ لهذا الاستعمار بكل أشكاله وألوانه مبدأ / فرّقْ .. تسُد ../ .. مما أتاح لذوي المصالح الخاصة .. والشركات الاستعمارية .. أن يثبتوا أقدامهم في هذه البلاد .. قرونا ً طويلة .. متخفين أو منكشفين ..
لم يقدر الجهلاء..أو الاستعمار العثماني..أو الفرنسي..والمتعاملين معه على أن يزعزعوا إيمان هؤلاء النخبة ..بالحق..وأن أي نصرة لحق أي إنسان في العيش ..بحرية..وكرامة..على هذه البسيطة..هو نصرة ٌ للحق الأعلى ..الحق الأكمل..وأن أي ظلم ..أو تقاعس عن نصرة الحق..هو خيانة..تستوجب المسؤولية..على مبدأ../العين بالعين..والسن بالسن..والبادئ أظلم../..وكان مبدأ القصاص عندهم ..يأتي على مبدأمعاقبة الفاعل شخصيا ً..وليس أحدا ًدونه..وكانت العقوبة عندهم أيضا ً عادلة..فلايعاقبون الظالم إلا بمقدار ظلمه..فإن تاب ورجع عن ظلمه.. سامحوه .. لكنهم ينظرون إليه بحذر.. ودون ثقة كافية..لأن من يتوب نتيجة العقوبة.. يكون قد تاب خوفا ًمن العقاب..وليس حبا ً بالعدل.. والخير.. والإنصاف.. وفي هذه الحالة يكون التائب – غالبا ً- ينتظر أن تزول سلطة القضاء حتى يعود إلى طبعه../ والطبع يغلب التطبّع / فيفسد في الأرض كما كان.. بل ربما أكثر..
لأن/ الخوف.. قد يصنع طاعة ً.. لكنه – أبدا ً- لن يصنع حبا ً/..
*************
كان الشيخ محمد أيضا ً طيب المعشر..عذب الصوت.. يغني في المناسبات..كما يجاهد مع المجاهدين.. يميّزه عن إخوته شيء واحد..هو أنه كان شاعرا ً..فلم يذهب إلى العمل في الأرض يوما ً..إلا اصطحب معه دفترا ً.. وقلم / كوبيا / .. يستخدمهما عندما تأتيه فكرة جديدة..أو بيت شِعر..أوعندما يتذكر أنه في غمرة أعماله..وانشغاله الدائم.. ربما نسي حق أحد.. فيسجل ذلك حتى يأتي الوقت المناسب لتفعيل أفكاره .. واستخدامها في خدمة الحق.. والخير.. والجمال..
كانت لديه كتبٌ تراثية .. يعتمد عليها كثيرا ً في مداواة الأمراض .. بالرقى والأعشاب .. والبحث عن الأشياء الضائعة .. والتنبؤ بالكوارث الطبيعية .. والحروب .. ويستطيع تخمين مدلول خسوف القمر ، حسب لونه وشكله .. أو كسوف الشمس .. أو بسقوط المطر .. أو انقطاعه .. تأخر ( الرّيات ) التي تعتمد عليها الخصيبة في زراعتها .. أو قدومها المُبكر .. و تفسير الأحلام .. كما في التنبؤ بالمستقبل .. لكنه يقول دائما ً :
– هذا ما ورثناه من علوم .. أما الحقيقة المطلقة ، فهي في علم الله تعالى / العليم الخبير / ..
ومن ضمن ما تناقله الناس عن لسانه .. أنه كان يتنبأ أن / الحديد.. سيطير يوما ً ما .. في السماء ../ .. وتأكد الناس من هذه النبوءة .. عندما رأوا الطائرات المصنوعة من الحديد ، تعتلي الأجواء ..
ومن أنه / سيأتي يومٌ تقلد فيه المرأة ُ الرجل .. ويقلد فيه الرجل المرأة .. في اللباس والأفعال .. وتختلط الأدوار ../ .. وهذا ما حصل في العصر الراهن ..
كان أخوه/الشيخ مجيد/ يحبه ككل إخوته.. لكنه يأخذ عليه في أنه يضعف أحيانا ًويتنازل عن حقه ..إذا استعطفه المعتدي على حقه.. فيرق قلبه الحنون.. ويطلق ذلك الغاصب.. ليعود ويعتدي مرة أخرى على حقه بشكل أكبر.. وأكثر ثقة أنه لن يُردَع.. ثم يدعي أنه تاب..وأنه اقتنع أن له حدودا ً في ممارسة حريته.. وفي أطماعه.. وسوف لن يعتدي على حق أحد بعد الآن..فيصدقه /الشيخ محمد/أو ربما يعطف عليه.. ويطلق سراحه.. ويعفو عنه مرة أخرى.. ليعود ذلك الماكر.. المراوغ.. ويطمع أكثر بطيبة قلب/الشيخ محمد/ وعفوه عمّن ظلمه.. دون أن يأخذ حذره من ذلك الظالم..كان ينظر إليه بمنظار روحه النقية..روح الشاعر الإنسان..الذي يرى من الدنيا ما يحلم أن يكون حقيقة..
أما / الشيخ مجيد/.. فقد كان يختلف عن الجميع..بجرأته البالغة على اقتحام الصعاب..وتذليل كل العقبات للحصول على حقه..وحق كل مظلوم ومستضعَف..دون تمييز بين قريب أو بعيد..بين طائفة أو أخرى ..أو بين مذهب وآخر..
كان يُدركُ أن الحق..لا يُجَزّ أ..وأن عليه أن ينصر الحق في كل مكان وزمان..ابتداء ًمن نفسه..التي كان يعاقبها بالحرمان من حقوقها الطبيعية..إذا لاحظ أن هذه النفس /الأمّارة بالسوء/ تفكر بأي سوء..
وكان أيضا ًيعاقب أفراد أسرته إذا أساؤوا..بل ويشدّد عليهم العقوبة..لأنهم – في نظره- أبناء مناضلين..وقضاة..ورموز..وعليهم أن يكونوا قدوة للجميع..فكيف سيطبقون العدل بين الناس إذا لم يكونوا قدوة في العمل الصالح..؟! كان يُدركُ خطورة خطأ الرمز..ويرى أن المسؤول في أي مجال،أخطر من الإنسان العادي..
كان يوصيهم بما يوصي نفسه به..ويحثهم على إتمام المَهَمّة التي عاش من أجلها كل حياته..وأوصاهم ألا يحزنوا عليه عند وفاته..إذ أنه لم يترك حقا ًرآه ..دون أن ينصره ..أو يحاول ما استطاع..وما كان بإمكانه أن يفعله في سبيل نصرة ذلك الحق..أما ما لايستطيع تحقيقه..وكان فوق طاقته المحدودة كفرد..فهي مَهَمّة الأجيال التي تأتي بعده..وهي أمانة في أعناقهم..عجزت عن حملها الجبال..
( – عادل ..
إياكَ والأحزاب ..
إياكَ والتعصّب الطائفيّ ..
إياكَ ……… !!! )
***************
/ حليمة/ الابنة الوحيدة للشيخ محمد.. شابة جميلة.. يتيمة الأبوين.. تزوجت ابن عمها الوحيد على ابنتين.. استبشرت خيرا ًعندما أنجبت من/ سليم/الضعيف البنية،ابنة ً.. لكن انكسار حلمها لم يكن ليعوّض عندما توفيت طفلتها.. ذات الأشهر السبع.. فكانت تترك زوجها في فراشه.. وتذهب في الليل.. إلى قبر حلمها.. تذرف أنهارا ًمن الدموع.. وتغني –بصوتها الحنون- الذي أورثها إياه أبوها.. غناء ثكلى.. وتحدث ابنتها بحنان الأم المفجوعة عن آلامها وآمالها ..وتروي لها أحاديث..عن حياة أهلها.. جدّيّ الطفلة، وأقاربهم والجيران.. وعن كل ماكانت تحلم أن تحدثها به عندما تكبر..وكان حلمها أن تسقي ابنتها من نفس المعين الذي شربت هي منه.. لكنه مصفى أكثر وأكثر.. لتنقل تلك الطفلة..الابنة.. بدورها ..هذه الأحاديث لأبنائها الذين كانت /عمتي حليمة/ تراهم امتدادا ًلها.. وامتدادا ًلسلالتها النقية.. وعندما تتذكر المفجوعة أن من تكلمها ليست سوى جثة طفلة عمرها سبعة أشهر فقط..وأن ماتسقيها إياه ..إنما تسقيه إلى روح الطفلة الأمل .. فقط .. وأنه فقط كلام قد تسمعه روح الطفلة.. وقد لاتسمعه.. فتزداد أكوام التراب سماكة فوق قبر حلمها بالامتداد والخلود.. لكنها لا تريد أن تصدق نفسها.. فتشعر بالحاجة إلى الإغماء.. لتهرب من أقسى شعور مرّ عليها.. وما أكثر ما مرّعليها من مآسي..!!وتتساءل :
– هل انتهى أهلي..؟!
هل ستنقرض سلالتي..؟!
وبهذه البساطة ينتهي كل شيء..؟!
وفجأة ًتتنبه الأم الثكلى إلى أن طفلتها جائعة..
– الجوع..؟! الجوع يا / ضوّ عيني/..؟! لن أدعه يفتك بكِ .. كما فتك بأجدادكِ وأبيك يا/ حورية/..؟!
وتتذكر قول الإمام /عليّ/عليه السلام :
/ لوكان الفقر رجلا ًلقتلته/..
فتفتح أزرار فستانها القطني الواسع والمشجّر.. وتخرج منه صدرها.. وتحلبه فوق القبر .. لترضع الصغيرة.. وتظل تحلب.. وتحلب ..وتصرّ على أن تُخرِجَ آخر قطرة من الحليب الشحيح .. لتسكبه في فم الصغيرة .. المفترَض.. ولا تنسى أن تهدهدها.. وتغني لها أغنيات المهد ..
/ نيّمتا بالمرجوحة.. وجحتا جَوحة عْلى جَوْحَة.. وبالله عليكي صلّوحة .. هزّي للغالي تينام /
/ نيّمتا بالعلّية…………وبالله عليكي يا بنية..هزّي للغالي تينام../
وعندما يقترب الصباح.. وتهلّ بشائرالفجرالحزين..تدغدغ كفّ ُالطبيعة .. وجه حليمة.. وكأنها أمها الكبيرة الحانية ..التي تمسح دموعها ، بأصابع من نور.. لتخفف من آلامها..وتعِدها ببزوغ فجر جديد..
فتلملم أشلاءها.. وتعود أدراجها إلى البيت..فتسمع من بعيد،صوت زوجها المريض.. يرندح لحنا ًصوفيّا ًحنونا ً..وهو يبكي عجزه..وانطفاء حلمه الأرضي..فيطلب رحمة السماء..برجاء..وتبتّل وإيمان صادق لا يتزعزع..أنه سيلاقي في جنة السماء..ما حُرِمَ منه على الأرض ..أضعافا ًمضاعَفة..نتيجة ًلتمسّكه بالصبرعلى الابتلاءات المتواصلة..
لم يطل الأمر على سليم .. فقد لحق بطفلته بعد أقل من شهر .. تاركا ً زوجته الثكلى .. التي لم تبلغ العشرين .. والتي أقنعها عمها الشيخ مجيد بالزواج من ذلك الأرمل الآتي من الجرد ليطلبها بعد ترمله هو الآخر .. ويتبرّك بأصلها .. تزوجت حليمة بعد ترملها بسبع سنوات ..
******************
ظلت / عمتي حليمة / تحتفظ بجمالها الروحي والجسدي .. وعينيها الخضراوين الساحرتين .. وطولها الفارع .. الذي كانت تزيده طولا ً وجمالا ً .. تلك الفساتين الواسعة الطويلة .. التي كانت تخيطها بنفسها.. حتى أن كشاكشها كانت تصل حتى الكعبين .. وتلك المناديل الحريرية التي كانت ترتديها عندما كانت تأتي إلى بيتنا .، بصحبة زوجها الذي كان يدللها كأنها ابنته ..
عندما كانت / عمتي حليمة / تسمع بأن ابنه المرحوم ماجد مريضة .. كانت تأتيها بحرز – مغلف ٍ ب / خلاع ٌ / مقصوصة من أقمشة خضراء كانت مقامات الأولياء .. كانت تبكي وتقول:
– علقيها قرب رأسك يا ابنتي .. ياحبيبة .. قد تساعدك على الشفاء .. فقد ساعدتني قبلك كثيرا ً ..
كما كانت تواسيها قائلة ً :
– لا تزعلي ياحبيبة .. / وتزداد غزارة دموعها وهي تتذكر / وتتابع :
– أن لا يكون لديكِ أبناء ، أفضل من أن تنجبي ويموتوا .. أنتِ لم تذوقي حرقة كبدي ياحبيبة ..
وتدعو الله ألا تذوقها أمّ في العالم ..
وظلت حتى وفاتها مخلصة لبيت أهلها في ( الخصيبة ) .. كما ظلت مخلصة لأبناء زوجها السبعة .. الذين كانوا يعتزون بها وبنسبها .. ولا يستغربون معاملتها لهم بحنان أمّ حقيقية .. فهي / تعمل بأصلها / .. لذلك تستحق حبّ زوجها الحنون .. المؤمن الصادق / الشيخ علي / .. وتحمله لطباعها القاسية .. ودلالها عليه .. ويقول :
– / المحقيني دائما ً خلاقو صعبة / ../ والله حْليّمي – كما كان يدلعها – مليحة كتير وحنونة .. بس طبعها صعب ../
وبعد أكثر من عشرين عاما ً على وفاتها ووفاة زوجها ، الذي لحق بها بعد أقل من عام .. لايزال أبناء وأحفاد زوجها يتواصلون مع أهلها في الخصيبة .. وأهلها يتواصلون معهم .. ويستفسرون عن أحوالهم .. وربما يرسل لهم عادل .. الكثير من المساعدات المادية والمعنوية .. قد لايصرّح بذلك .. فقد اعتاد على أن يعطي في الخفاء أضعاف مايعطيه في العلن ..
كانت أكياس البطاطا الطردية ذات اللون الفاتح ، والتي تتمتع بصلابة ذلك الجرد .. وسحاحير البندورة الجردية .. ذات الأقراص الكبيرة .. العملاقة .. واللون الزهريّ الجميل .. التي كانت تأتي إلى بيت / أبو صالح / .. في المواسم .. تلك الثمار الصحيحة .. التي لم ترَش بالمبيدات الحشرية أو الفطرية – أبدا ً- ولم تدعم تربتها الخصبة – يوما ً- بالأسمدة الكيماوية .. كانت تبقى في البيت – دون ثلاجة – أشهرا ً عديدة .. دون أن تتعرض للتلف ..
حين يبدأ أحدهم بقصم حبة البندورة .. بيديه دون سكين . تنبثق على سطحها الداخليّ حبات كأنها الندى .. تغريك بتناولها بمنتهى الشهية .. و تنبعث منها رائحة البندورة الجبلية الحقيقية ..
أين نحن منها الآن .. في زمن / العولمة / وتحكم الشركات التجارية بالعالم .. واعتمادها على الربح السريع .. دون النظر إلى صحة المواطن أو أمنه .. ؟!
هذا الزمان .. الذي صارت فيه مهنة / التجارة / رمزا ً للخداع والقذارة .. لأنها تحولت من مهنة ككل المهن .. تعتمد على تلبية حاجات التاجر والمشتري .. المستهلك .. لصالح الاثنين معا ً دون غش ودون خداع .. دون احتكار ودون شك بنزاهة التاجر ..
لم تكن / الغاية تبرر الوسيلة / .. لم تكن ثقافة / أنا .. ومن بعدي الطوفان / قد عُرفتْ في هذا الوطن ..
وكان عادل.. يسارع إلى ردّ الجميل بأحسن منه .. فيعطي أسرة ابنة عمه كل ماينقصها من مواد تموينية .. كزيت الزيتون ، الذي كان عادل يحتفظ كل موسم .. بحصة بيت / أختي حليمة / وحقها في إرث أهلها .. من كل ما تنتجه الأرض .. في مجتمع ٍ ذكوريّ نادرا ً مايعترف بحق المرأة في الميراث ..
********************
ربّتْ الجدة / أم سليم/ أبناء وبنات عادل.. الذين وُلِدوا خلال حياتها.. وابنة عمتهم حبيبة.. وأخلصت لهم كأنهم أحفادها.. كما كان عادل مخلصا ًلزوجة عمه الأرملة ، والثكلى.. وكان حريصا ًعلى مشاعرها أكثر من حرصه على نفسه..أو أي فرد من أفراد عائلته.. لدرجة أن أمه/ فاطمة/ كانت تغار.. وتشعر بالغبن.. كيف يعطي ابنها الذي تعبت عليه وربته عندما كان أبوه يتابع مع الثوار مسيرة النضال المريرضد المستعمر الفرنسي.. ويترك لها مهمة تربية أبنائهما.. بالإضافة إلى العمل في الأرض.. واستقبال الضيوف.. وغير ذلك من المسؤوليات التي ترتبت على عاتقها كزوجة مجاهد.. ورمز وطني..يؤم بيته الناس من سائر الجهات.. من دمشق.. وحلب.. طرطوس.. واللاذقية.. ومن طرابلس،وبيروت.. وإدلب.. وجبل العرب ..
فتبكي عندما ترى ابنها البكريحترم زوجة عمه أكثر منها.. ويقول لها ولزوجته ..عندما يلمح شيئا ًمن التأثر على وجه زوجة عمه:
– من منكما اقتربت من مشاعر زوجة عمي..؟!
فتحلف كل منهما أغلظ الأيمان أنها لم تفعل..ولايمكن أن تهينها أو تقصّربحقها..أبدا ً..
لكنه يشك في صدق ماتقولان.. فيحلف :
– والله..الذي لا إله إلا هو.. إن رأيتُ الدمعة في عينها مرة أخرى../سأجعل ألله ماخلقكم/..
لكن العجوز الحزينة ، كانت تضطرّ بعد ذلك أكثر من كل مرة..لأن تخفي مشاعر الحزن النبيل الجليل الذي كان له من المبررات الشيء الكثير..أكثر مما يتوقعه ابن سلفتها عادل.. والذي اختصره- في زحمة مشاغله- إلى كلمة نابية من أمه أو زوجته ..
فحوّلتْ بكاءها إلى أغاني عذبة حنونة.. كانت تهدهد الصغار بها .. وهي تؤرجحهم بين ساقيها.. وهي تجلس على كرسيّ صغير.. قوائمه الأربع من خشب.. وقاعدته من قش مجدول ..
كم كانت العجوز تستمتع وهي تروي بسعادة غامرة .. سعادة الإنسانة المؤمنة التي تتعالى على جراحها الخاصة.. لتجعلها بلسما ً لجراحات الآخرين .. بصوتها الدافئ .. وضحكتها الخفيضة .. كهبّة ريحان ٍ عبرت ذلك الوادي وتخللت الجبال لتنثر شذاها في رحاب المكان :
– كانوا يحبون زيارة / ختيارة بيت علي /.. كانت حبيبة تحضر لي / صرمايتي / .. عندما تملّ .. لم تكن تعرف الكلام بعد .. لتفصح عن رغبتها بالعودة إلى البيت .. ما أذكاها ..!!
– رحمكِ الله يا / مرت عمي أم سليم / .. لم أعرف أن اسمكِ / خديجة / .. إلا عندما كبرت .. وربما بعدما تزوجت .. كنتُ أناديكِ .. كما كانت أمي وكبار العائلة ينادونك ِ.. بخلاف كل الأطفال الذين ربّيتِهم .. والذين كانوا ينادونكِ / جدّتي / ..
رحمكِ الله .. لقد ملأتِ طفولتنا دفئا ً .. وحنانا ً .. لم يذق مثله طفلٌ في القرية .. وربما في كل القرى المجاورة ..
كنتِ تحيطيننا بهالة ٍ من الحنان .. والأمومة .. والقدسية ..
كنا ننظرإليكِ كهويّة نعتزّ بها .. تركتْ بصمة ً من حنين .. لاتزال أرواحنا تعبق بطيبها .. مادمنا أحياء ً.. سنورثها لأبنائنا من بعدنا .. أيتها الطاهرة ..
لم أكن أصدّق أن أحدا ً من عائلتنا يمكن أن يموت .. كنتُ أسمع أن فلانا ً أو فلانة قد ماتوا .. وكنتُ أظن أن هذا الزائر البغيض لايجرؤ على الاقتراب من بيت / الشيخ مجيد / .. ومن هو حتى يقربه ..؟! وقد هزموه في كل المعارك التي دارت بينهم فوق هذه الأرض الطاهرة ..؟!
هم عشاق الحياة .. عبّاد الحيّ القيوم .. فكيف يجرؤ الموت على الاقتراب من بيوتهم العامرة بالحياة ..
لكنه غدرنا واختطفكِ من بيننا ذات يوم ٍٍ كئيب .. أذاقني فيه أول مذاق ٍ لحنظل الفقد .. ومن يومها .. وأنا أكره الموت يا / مرت عمي / .. إذ لايزال يختطف من أمام عينيّ .. ومن بين أحضاني .. حلما ً وراء حلم .. لكن أقساها كان فقد/ أخي صالح / ..
***************
– لو أحرقوا الذاكرة .. والتراث المكتوب على الورق .. فلن يستطيعوا محو الهوية الحضارية .. من جينات أهل هذه الأرض الطاهرة .. على اختلاف انتماءاتهم الفرعية .. التي تشكل ألوانا ً متناغمة مع بعضها .. لتثري ذاتها .. كما تساهم في إثراء الحضارة الإنسانية ..
********************









