تخطى إلى المحتوى

يتابع موقع بانوراما طرطوس نشر رواية(مَجنونةُ الخصيبَة ) للأديبة فاطمة صالح صالح – الجزء السادس

كان صالح خامة قابلة للامتلاء ، ولم تستطع زوجته أن تملأ تلك الخامة .. أو أن تؤدي له أية خدمة تذكر .. فلم تكن موظفة .. ولا ذات شهادة عالية .. ولا رزينة .. كما أنه لم يستطع تطويعها لتكون عجينة ً في يده .. ولا أن تتقبل ماكان 12313668_920207128067256_2597888237955078668_n-204x300يجود به حسن ، وزوجته عليهما من ( حضارة ) ..
– سنشتري برّاد بيت ( أبو ريمون ) .. يقول حسن أنه لايزال جديدا ً .. لكن ( أم ريمون ) ترغب بتبديله بماركة أفضل .. سيعطينا إياه بربع قيمته ..
– لا أقبل أن أعيش على الفتات يا صالح .. هل طلبتُ منكَ – يوما ً – شيئا ً يفوق طاقتك َ ..؟!
– أبدا ً ..
– أستطيع أن أعيش معكَ على الحصير .. وبأدنى مقوّمات العيش .. لكن .. بكرامة ..
– سنذهب إلى دمشق .. بيت ( أبو ريمون ) يدعوننا .. سيستضيفوننا عندهم عدة أيام.. ( أم ريمون ) تستضيف أهلها .. و( حسن ) نحن أهله .. سيكون فخورا ً بنا ..
– لن أذهب .. لن تنطلي عليّ هذه الحيلة .. إنها تريد أن تزوجكَ أختها العانس ( دلال ) .. وأنتَ ترغب بذلك .. فهي معلمة مدرسة ..
– أنتِ حمقاء .. حمقاء .. هل تتهمينني بالعُهر أيتها المجنونة ..؟!
– أعوذ بالله من الظن يا صالح .. لكنكَ تهجرني .. وتهينني أمامهم .. وتتودد لهم كثيرا ً .. وهم لايحترمونني ..
– أنت تكذبين .. ( أم ريمون ) دائما ً توصيني بكِ .. وتحتجّ على قسوتي معكِ .. هي تشفق عليكِ ..
– لا أتقبّل شفقتها .. ولا أن تحضّرني .. فأنا أملك من الحضارة ما يختلف جذريا ً عن حضارتها ..
أقول لكَ للمرة الألف : أنا لاأنسجم معهم .. هذه النماذج من الناس ، لا أستطيع العيش معها ..
فيسافرأبو العز من دون زوجته .. يختلق لهم الأعذار :
– إنها مريضة .. هي هكذا .. تبقى مريضة ..
– ألله يساعدك يا أبو العز .. كيف تستطيع الصبر عليها كل هذا الوقت ..؟!
*****************
كثيرا ً ماقال لها زوجها :
– ماهذا الوجه المغبر.. ؟!!
12391788_920779364676699_7021068303748213697_n-225x300لاتعرفين .. ولا تقبلين مَن يعلمك ِ ..؟!
انظري إلى ( أم ريمون ) .. أقسم أن حسن لايعرف لون وجهها ..
– لن أقبل أن أظهر إلا بلون وجهي الحقيقيّ ..
**********************
– – كيف استطاعوا إقناعنا أننا مخلوقاتٌ ناقصة ..؟!
وأن علينا أن نعمل عمليات تجميل كي نصبح، مقبولين ( عولميّا ً) ..؟!
أو أن نضع الأصباغ ، والماكياجات .. لنكون أسواقا ً نستهلك – بكثير من حمى تعويض النقص .. عطورهم ، وأصباغهم الكيماوية ، السامّة.. ومن ثم ّ، أدويتهم .. لمعالجة أمراضنا الناجمة عن استعمال تلك السلع
(الضرورية) ..؟!
يالنا من بشر ٍ، هشة ٌمبادؤنا..!!

********
حياتهما تسير من رتابة إلى رتابة .. زوجته تحاول كسر هذه الرتابة بافتعالها المرض والضعف .. وكان يسارع إلى علاجها بكل مايملك من قدرة مادية ومعنوية .. لكنه ندم أشد الندم على زواجه منها .. بعد أن اكتشف عجزها عن أن تكون زوجة صالحة لصالح الحمدان .. أبي العز .. لكنه كان يحرص أشد الحرص على أن يخلق مبررا ً كافيا ً ليتخلص من هذه النقمة .. لكن كيف ..؟! وهي اليتيمة .. التي عاهد الله ، وهو يضع كفه في كف خالها عادل أمام القاضي .. وأقسم كل منهما على استلام وتسليم الأمانة .. كيف يجد لنفسه مخرجا ً من هذه الورطة دون أن تتأذى مكانته في أنفس الآخرين ..؟! وزاد الطين بلة .. أنه سمع منها وأخذها إلى الطبيب النسائي في العاصمة .. أصرت – بعنادها – على أن تخضع لكل الفحوص والتحاليل المخبرية .. والصور الشعاعية لتكشف العيب الذي يمنعها من الإنجاب .. لم يكن أي منهما يشك يوما ً أنها هي السبب .. بل كانت حبيبة على ثقة بأنها هي العاقر .. لأنها كانت قد فقدت الثقة بنفسها تماما ً .. أكدت لصالح أنها ستخضع لكل أنواع العلاج لتنجب .. فهو لم يكن يفصح عن حاجته إلى طفل .. لكنها كانت متأكدة أنه يتحرق لذلك .. رفضت أن يجري زوجها تحليلا ً لسائله المنوي ، رغم تأكيد الطبيب على أن الحاجة إلى تحليله أولا ً أكثر أمانة وأقل جهدا ً وعناء من الناحية المادية والمعنوية .. لكنها أصرت على ألا يخضع زوجها إلى هذا الكشف .. فمن أين لأبي العز ، زوجها المكتمل من كل النواحي .. من أين له النقص ..؟! لا .. أنت ِ الناقصة في كل شيء ياحبيبة .. أنت قصيرة القامة ، وهو طويل .. أنت سمراء البشرة .. خشنة الملامح .. وهو حنطي بعينين عسليتين واسعتين .. وكتفين عريضين .. من أين له النقص أيتها الحمقاء ..؟!
لكن الطبيب أكد لها أن مابها من نقص لا يمنع الإنجاب إلا لعدة أشهر .. تتكفل أربع حقن ٍ من الهرمون بإصلاحه .. عندها فقط أصرت عليه أن يجري التحليل .. ولم يكن مستعجلا ً أبدا ً :
– قلتُ لك ِ مرات كثيرة ياحبيبة أنني لم أتزوجك ِ لتنجبي لي .. أنا أريدك ِ كما أنت ِ .. لكن مطيعة .. لكنك عنيدة وكبيرة الرأس .. وهذا الرأس سأكسره يوما ً ..
– لن تستطيع أن تكسره ياصالح ..لن أخضع لغير خالقي .. الذي أستمدّ منه العزة .. فهو العزيز الحكيم ..
” ليس الشديد بالصرعة ..إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب “..
– وتتفقهين أيضا ً ..؟! لا ينقصنا إلا هذا ..
استخدمت كل الحيل حتى استطاعت إقناعه بالكشف على نفسه .. حزنت عليه كثيرا ً عندما تغير وجهه وارتجفت أوصاله .. لأول مرة ترى زوجها الحبيب في حالة تشبه حالة الانهيار التي كانت تداهمها كثيرا ً.. حاولت ألا تنظر في عينيه كي لاتشعره بالحرج وهو لايكاد يصدق الطبيب الذي كان يؤكد له بقسوة :
– الأمر منك أكثر مما هو من زوجتك يارجل .. تدارك نفسك .. مع أن الأمل ضعيف ..
– الحمد لله .. الحمد لله ..
( ليست الرجولة في القدرة على الإنجاب .. إنما الرجولة في التعامل بإنسانية )
قالتها وهي تحاول أن تتأبط ساعد زوجها وهما خارجان من العيادة .. لكنها لاحظت أنه يصرّ على أن يفلت يدها .. رافضا ً أن تكون بجواره تلك اللحظة بالذات ..
– أتشمتين بي ..؟!
قالها بصوت لايشبه صوته الأصلي ..
فاجأتها لهجة العنف الذي وصل ذروته تلك اللحظة .. ليمتد بعدها عقودا ً كانت كفيلة بأن تجنن حبيبة .. وتجعلها تترك المنزل وتهرب إلى الحقول والغابات .. مبتعدة عن كل أنسيّ ..
– لا والله ياحبيبي .. لم أقصد ذلك أبدا ً .. إنما قصدتُ أننا سنبقى من الآن فصاعدا ً معا ً .. ستبقى لي وحدي ياصالح .. لن أغار عليك بعد الآن .. لن أخاف أن تخطفك مني امرأة أخرى ياحبيبي .. لولا هذا النقص البسيط .. البسيط جدا ً ياصالح ، كنتُ سأخاف عليك من الموت .. لأنك مكتمل ياحبيبي .. ويقولون أن الإنسان يموت إذا اكتمل .. لكن هذا النقص البسيط .. البسيط جدا ً كما ترى ، هو وحده ضمانتي أنكَ ستبقى قربي .. ومعي .. ولي وحدي يا صالح ..فكيف أعيش بدونك ياحبيبي ..؟! أنتَ أبي وأمي وإخوتي .. أنت أهلي وأسرتي كلها ياصالح .. لو بقيتَ مكتملا ً كما كنتَ .. كنتُ سأغار من نسمة الهواء إذا لامست جبيبك .. كنتُ سأغار من كل نساء العالم أن تختطفكَ مني ..هل فهمتَ سبب حمدي لله تعالى ياحبيبي ..؟! من الآن فصاعدا ً سوف نبني حياتنا المشتركة على الحب وحده .. الحب .. والحنان .. والعطف .. والحياة الهادئة المستقرة .. هذا ماسوف نعيش به منذ هذه اللحظة .. وهذا مبرر فرحي وسعادتي الغامرة ..
الشماتة ..؟! وهل يمكن لإنسان أن يشمت بإنسان ياحبيبي ..؟! لاياصالح .. الشماتة غريبة عن أخلاقي .. لم أسمع بها حتى هذه اللحظة .. فكيف أشمت بحبيبي ..؟!
لكن صالح كان قد أسقط في يده أكثر بكثير مما كانت تتوقعه زوجته التي كانت قد أتمت الحادية والعشرين عاما ً قبل شهرين .. تضاعف شعوره بالدونية .. كما تضاعفت قسوته على زوجته .. التي تحولت اضطراباتها النفسية إلى زلازل من الانهيارات العصبية المتكررة .. عندما عانت كل أنواع العسف والحرمان والهجر واستثارة غيرتها وإذلالها الدائم إن لم تخضع لكل مطاليب زوجها .. بل إن لم تتقبل بصدر رحب لايكل ولايمل ولايتذمر ، كل تقلبات مزاجه .. صار يحرمها من كل مايمكن أن تبدو من خلاله أقوى منه .. وكانت تتودد إليه وتستعطفه إما بالتمارض .. أو بالمبادرة إلى طلب الجنس منه عند إلحاح الحاجة .. أو عندما يختصما .. لم تكن تجد سبيلا ً إلى التخفيف من العنف الدائم في منزلها إلا بادعائها الحاجة الملحة إلى زوجها .. فتنال النذر اليسير من حقها الزوجي .. في مقابل ازدياد غطرسته حين يشعر أنها تحتاجه .. فيزداد هو تضخما ً حين يراها ضعيفة .. وتزداد هي انهيارا ً وتأزما ً حين ترى أن جهودها كلها وتنازلاتها التي لاتنتهي عن حقوقها الطبيعية ، لا تحقق الحد الأدنى من الحياة الكريمة في ذلك المنزل الذي ماكان يوما ً بيتا ً .. فتسقط .. وتسقط .. ويضيع حقها في الحياة .. صارت تراه أكثر مايكون سعادة ، عندما يراها تحتاج إليه ، وتئن تحت سياطه .. وكان سعيدا ً عندما يحيطه الناس بالتقدير والاحترام لصبره على علاجها .. كما أن خالها عادل كان ينظر إليه بمنتهى الاحترام والتقدير لذلك .. فهو لايعرف معاناة ابنة أخته.. كان ينهرها دائما ً ويظن أنها تستغل اهتمام زوجها بها لتتقاعس عن أداء واجباتها الزوجية .. محتمية بمكانة عائلة أهلها في عيون الناس .. حتى أنها حين أرادت مرة أن تشرح له بعضا ً من معاناتها مع أبي العز .. لم يتقبل .. بل بالعكس .. فقد فاجأها قبل أن تبدأ الكلام بقوله :
– أقسم ياابنة أختي أن الأمر لايتعدى أنك ِ تريدين أن تتعالين على هذا الإنسان المحترم .. لأنه لاينجب .. ولأنك ِ يتيمة.. وابنة أخت عادل الشيخ مجيد .. لاتحاولي إقناعي بغير ذلك ياسيدة حبوب ..
– هل تقول ذلك مقتنعا ً ياخالي ..؟!
بل أقسم بشرفي ومعتقدي أنها الحقيقة ..
وخرجت حبيبة من بيت خالها .. الذي لم تعُد إليه بعدها .. وقررت حل مشاكلها بنفسها .. لكنها عاجزة .. فالتجأت إلى الغابات .. كانت تقضي أغلب النهار في الحقول ..
كانت تهرب من أيّ إنسان تراه .. فكيف لا تهرب من زوجها ..؟!هي التي كانت تخافه أكثر من الموت .. وأكثر من الحرب .. أو أكثر من كلّ المخيفات ..
يحاول أن يعيدها وهو يبكي :
– لاتبهدلينا يا حبّوب ..
فتجيبه وهي تقاوم العودة :
– دعني .. فلا أريد أن أبهدل أحدا ً .. أريد أن أعيش في مملكتي ..
كان يعرف ماتعنيه .. لكنه ينظر إلى ( أخيها صالح ) بأسى .. ويقول :
– تظن نفسها ملكة ..
فتردّ عليه :
– دع المُلكَ لكَ ولأمثالك .. لا أعني ماتقول .. لا تصدّقه يا أخي ..
وبالقوّة يعيدها الاثنان إلى منزلها .. وهي تسبهم جميعا ً .. وتبصق في وجوههم ..
كان ( أبو العز ) يتمنى في أعماقه أن تموت ( حبوب ) .. ليخلو له الجو ، كي يستمتع بزوجته وأم أطفاله ( دلال ) .. التي أنجبت له (حامد ) الذي أصرّت على أن تسميه على اسم جدّه لأبيه .. ليرثه حتى بالاسم .. وكان (حامد ) قد استعجل المجيء إلى أحضان العائلة أكثر من الجميع .. فقد ولدته ( دلال ) بعد زواجها بأبي العز بستة أشهر وعدة أيام .. لكنها كانت تُصِرّ أنها أكملت السبعة ، وزادت عدة أيام ..
وبعد أقل من عام ، ولدت طفلا ً آخر .. تركت لأبي العز أن يسميه .. فاختار له اسم (شاكر) جده لأمه .. لكن ( دلال ) أم حامد ، لم ترضَ .. وخيّرت زوجها بعتبٍ لطيف :
– أليس من الأفضل أن تسميه ( ماجد ) أو ( عادل ) ..؟! أليس من العدل يا أبا العز أن يشعر عمّك الأوّل ، أنكَ لا تزال تحبه وتحترمه .. ؟!ثمّ .. ثمّ .. قد .. قد يساهم ذلك في تهدئة ( رفيقتي ) حبيبة ..
ضحِكَ أبو العز- بإعجاب بالغ – بذكاء وإنسانية زوجته ، ومرونة طبعها .. وكان لها ما أرادت ..
خلال أقلّ من خمس سنوات ، كانت ( دلال ) قد أنجبت لأبي العز ما كان يحلم به من أبناء ..
لم تكد ( دلع ) تبلغ عامها الأول حتى سأل أبو العز زوجته – وهما في الفراش – .. لماذا لم تحبل حتى الآن ..؟! وهل تتناول خفية ً عنه حبوب المانع ..؟!
مما جعل ( أم حامد ) تضحك من كل قلبها وتداعب شاربيه ، قائلة ً :
– كفانا يا حبيبي .. هل تريد لجسد امرأتكَ أن يترهل قبل أوانه ..؟! حرام عليك ..
فأجابها على الفور :
– معكِ حق يا أم حامد .. ( خيرة الذرّية .. صبيين ، وبنيّة ) .. وقام ليستحمّ .. لكنها تعلقت بسراله قائلة ً :
– ليس قبل أن نتبادل القبَل ..
ضحكَ أبو العز .. وشرد ذهنه في لفتة مقارنة بين (دلال ) ذات الطبع المرح .. و ( حبّوب ) التي جبلتْ على النكَد ..
تنهّد بارتياح .. وتابع عمله ..
كان يعتقد أن الحاضر والمستقبل بيده وحده .. وأن كل أمر في أسرته أو عمله ، يجب أن يحمل توقيعه أو موافقته المعلنة والمضمَرة .. وأن على الآخرين أن يقتنعوا بهذه المسألة .. لاأن يوافقوا فقط ..
لكن تشرّد زوجته .. أو جنونها ، كان مبررا ً كافيا ً له أن يتزوج بدلال .. التي أرسل لها عادل الشيخ مجيد هدية ثمينة .. ليعبر لها عن مباركته لهذا الزواج .. وأن مكانة صهرهم أبي العز كبيرة عنده أكثر مما تتصور .. فلا تظنن بعد ذلك أنه يعتبرها إلا أعز من ابنة أخته حبوب .. التي لم تستطع أن تكون زوجة لائقة بأبي العز ..

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك