كان عادل متحمسا ً في شبابه للنضال من أجل الوطن .. فانتسب إلى ( الاتحاد القومي ) مخالفا ً وصية أبيه بعدم التحزب .. ثم جاء الانفصال .. فانتكست أحلامه الوطنية والقومية .. دون أن يدرك لماذا حدث ذلك الانفصال ..
ثم حلت نكسة حزيران ..
لكن انطلاق العمليات الفدائية على أطراف الأرض المحتلة ، كانت تأتيه من المذياع الصغير الذي يعمل على البطارية ، كبلسم شاف ٍ ، يبشر بقرب التحرير..
أخذ يحث الناس في القرية ، على التبرّع للقضية .. كما تبرعوا سابقا ً للجزائر .. لم يكن أحدٌ يبخل .. لكنه كان أكثر المتحمسين .. وأكثر المتبرعين ..
تبرّعت ( جميلة ) بكل مالديها من ذهب .. هدية زواجها ..
وتبرعت ( فداء ) ب ( الكردان ) الوحيد الذي بقي في رقبتها ..
تبرّع ( أبو محمد ) بثلاث مئة ليرة .. كل ماتبقى له من عمله في لبنان ..
أما ( مريم ) فلم يكن بحوذتها سوى ( التراكة ) والمحبس .. تبرّعت ب ( التراكة ) ولم تستجب لطلب زوجها بالتبرع ب ( المحبس ) ..
بكت سكينة .. لكنه أنبها :
– التبرّع ليس بالمال فقط .. أنت ِ تبرّعت ِ بزوجك ِ .. اتركي المحبسين ، للذكرى ..
لكن عادل ، لم يرغب بالإعلان عن مقدار ماتبرّع به .. مع أن الجيران سمعوا الموظفين الذين يستضيفهم في بيته يشكرونه كثيرا ً ..
انزوى ( صطوف ) الذي لم يكن لديه مايتبرع به .. لاحظ ذلك عادل .. فناوله – خفية ً – بعض النقود .. رماها بدوره في الصندوق ..
لكن ..
ماذا يجري في البلاد ..؟!
وجاءتهم أخبارأيلول الأسود .. وانقسام الفلسطينيين ، الكارثة ..
و يوم موت عبد الناصر ..
والتفاؤل .. المشوب بالحذر، والترقب .. عندما قامت الحركة التصحيحية ..
– لماذا يسجلون أسماء المجاهدين ، والمجاهدات ..؟!
– ستعطيهم الدولة راتبا ًشهريا ً .. أو تعطي أراملهم .. وتؤمّن للعجائز من يرعاهم ..
لماذا لم تسجل اسم أبيك يا أبو صالح ..
– لم يجاهد أبي .. كما لم يجاهد أمثاله طمعا ً بالمال ..
– لكن أمكَ عجوز .. وحالتكم المادية مزرية .. !!
– حتى ولو ..
وراح عادل يردّد قول( الشيخ صالح العلي ):
{ بني الغرب ، لا أبغي من الحرب ثروة ً ولا أترجّى نيل َ جاه ٍ ومنصِب ِ
ولكنني أسعى لعِزة موطن ٍ أبيّ .. إلى كل النفوس مُحَبّب ِ
تريدون – بسم الدين– تفريق أمة ٍ تسامى بنوها فوق دين ٍ ومَذهَبِ
فما شَرْعُ /عيسى/ غيرشرْع ِ/ محمّد ٍ/ وما الوطنُ الغالي ، سوى الأم الأب ِ}
وعندما قامت حرب تشرين التحريرية .. وسمع عادل كلمة رئيس البلاد ، من المذياع الوحيد في غرفته الشرقية :
/- لسنا معتدين .. ولم نكُ – قط – معتدين .. / نحن لا نريد الموت لأحد.. إنما ندفع عن أنفسنا وشعبنا القتل والتدمير ../
شعر بالحياة تبعَث فيه من جديد .. وعاد التفاؤل ليغمر كيانه .. والفرحة تكاد تبعثه من جديد .. كاد يستعيد توازنه .. تمنى لو أن الله حقق حلمه بإنجاب سبعة شباب .. لينذرهم للوطن ..
ردّد في نفسه :
– اليوم يومك ياعادل .. في الثلاثينات من هذا القرن .. في تشرين الأول ولدتكَ أمكَ / فاطمة / فردا ً .. جسدا ً .. وفي تشرين الأول .. في السبعينات .. ستولدُ روحا ً .. ياعادل ..
لكن أحلام عادل انكسرت.. عندما رأى محاولات التطبيع مع العدو الصهيوني .. والاعتراف ب/ إسرائيل / كدولة .. وليس ككيان غاصب .. ومحاولة عمل / سلام / معها .. / سلام الذئب والغنم / سلام الثعلب والدجاج / ..
كان إحساسه بالذل والهوان .. لايمكن أن يوصَف .. تمنى لو أنه مات قبل أن يرى حاكم أكبر، وأهم قطر عربي في هذه الأمة .. يضع يده في يد قاتليّ أهله .. وأبناء وطنه .. قاتلي الأطفال والنساء والشيوخ والشباب ..
صرخ صرخة ً قاتلة من الداخل وإلى الداخل :
/ – هل تعرف على مَن تسلم أيها المنتشي / بالتجديد/..؟!
هل تعرف ما معنى أن يقتلوا الأطفال ..؟؟!!
الأطفال .. هم مستقبل هذا الوطن وأمل هذه الأمة ..
والشيوخ .. هل تعرف مامعنى قتلهم ..؟!
إنه قتل ذاكرة الأمة .. ذاكرة الوطن ..
وقتل الشباب.. هل تعرف مامعناه ..؟!
إنه قتل طاقات هذه الأمة .. قدراتها .. حاضرها ..
وقتل النساء ، هل تعرف مامعناه..؟!
إنه قتل الأرحام .. والأجنة في الأرحام .. و إمكانية ولادة أيّ طفل في هذه الأمة ..
وتضع يدكَ في يدِ قاتليّ كل هؤلاء أيها الظالم ..؟؟!!
هل تدري ماذا فعلتَ بهذه الأمة .. في هذه اللحظة بالذات .. ؟؟!!
أنتَ تباركُ بفعلتكَ هذه .. قتلة َ كل هؤلاء.. بل تساهم معهم في تلكَ الإبادة ..
وتخرج من صدر عادل .. كما تخرج من صدر كل حرّ في هذا الوطن والعالم .. أنّة ٌ .. طويلة ٌ .. طويلة .. تشبه العويل .. عويل أمّ قتلوا كل أطفالها .. وكل ذويها .. وكل ماتملك ..
فيصبح أكثر مايكون حدّة ً مع عائلته .. ومسار سخرية الجاهلين .. وغير المكترثين بما يحدث .. الذين لايعنيهم الحدث إلا كخبر عاديّ تنقله محطات الإذاعة .. يتفق على صوابيته من يتفق .. ويختلف من يختلف .. فلتباد الأمة .. وليباد الوطن .. بمافيه ومن فيه .. لكن .. لاتمَسّ مصالحهم الخاصة ..
والذي قضى أو كاد يقضي على عادل .. هو رؤية القادة الفلسطينيين يصافحون الصهاينة ..
عندها انعقد لسانه .. بقي دون كلام .. ودون طعام .. ودون نوم .. أكثر من أسبوع .. استدعى أقاربه له الطبيب .. أعطاه عدة حقنات من الفيتامينات / ب 1 – و ب 6 /.. وأوصاه أن يتناول العصير .. واللبن الرائب .. وليقلل من الحليب الذي يسبب له نفخة الأمعاء .. وأن يشرق بيضة بلدية – دون سلق – كل يوم .. وليستعين بكأس من الزوفا .. أو البابونج .. كل مساء .. لتساعده على النوم .. لكن ..
من أين لكَ النوم ياعادل ..؟!
من أين يأتيكَ ياابن الكرام ..؟!
أين كرامتكَ ياعادل ..؟!
أنتَ الذي يستمد كرامته من كرامة الوطن ..!!
كيف تستطيع أن تسكت ياعادل ..؟!
ومن يسمح لكَ بالكلام ..؟!
فقد انقسم الوطن .. كما انقسم المجتمع ..
قسمٌ تعب من الحرب .. ويريد السلام .. الذي أطلق عليه أتباعه / سلام الشجعان / ..
وقسمٌ لايقبل أن يتساوى الجلاد مع الضحية .. ولا يؤمن بسلام ٍ بين قطعان الغنم .. وقطعان الذئاب .. ويعتبره استسلام الضحايا لأنياب الذئاب ..
صاح عادل .. صرخ صرخته الأخيرة :
/ – مات الوطن .. سقط الوطن .. ضاعت الحقوق أيها الظالمون ../ ..!!
لم يعد عادل يثق بأحد .. لا بنفسه .. ولا بقادته .. ولا بالوطن ..
لولا أن أيقظته صورة أبيه المجاهد / الشيخ مجيد .. يقف جنبا ً إلى جنب مع الشيخ صالح العليّ / وأوراق قديمة .. عاد لقراءتها من جديد .. في دفاترأبيه العتيقة ..
**********
يقولون : / التاجر المفلس .. يعود إلى دفاتره القديمة ../
هكذا كانت تسخر ميليا من حبيبة .. عندما حفظت هذه المقولة من العاصمة دمشق .. وكانت سعيدة بترديدها بين وقت وآخر .. كمقولة ً جديدة .. لم يعرفها أحدٌ من أبناء المنطقة/ الفلاحين /.. فالتجارة لم تكن تعني إلا عدّة أشخاص منهم .. لم يكونوا موثوقين .. لكنهم يتسلطون على رقاب الشعب .. بقدرتهم المادية .. فيستغلون حاجة الفلاحين إليهم .. ويُغرقونهم بالديون .. فيقعون بين فكيّ ذلّ الطلب .. وذلّ النظرات المتعالية من تلك الطبقة التي لاتملك من العلم إلا ما يساعدها على إتقان العمل التجاري .. والتلاعب بالأسعار .. واحتكار المواد التموينية .. وحجبها عن المواطنين أيام الحاجة .. ليبيعوها لهم بأسعار مضاعَفة .. وبالتقتير .. يوهمونهم أنها قطعٌ نادر هذه الأيام .. فيقبِل عليها المحتاجون .. ويشترون كل ما يستطيعون وما لايستطيعون دفع ثمنه .. خوفا ً من فقر أدهى وأمرّ .. ومن أيام حاجة لايستطيعون فيها تأمين لقمة عيشهم أو حاجاتهم الضرورية ..
فيقنعهم البائع .. أنه يستطيع أن يسلفهم إياها..لأنه يثق بهم .. لكن .. بأسعار مضاعفة .. لاتلبث أن تتضاعف .. وتتضاعف ..
لم تكن ميليا ترى في مقولة / التاجر المفلس .. يعود لدفاتره العتيقة / إلا مقولة ً حفظتها قبل غيرها من أبناء العاصمة .. الذين ترتفع بعلاقتها بهم وانتمائها الجزئي إليهم درجة عن الفلاحين .. أبناء القرى .. الذين تنكرت لهم ..
لكن حبيبة .. ابنة الجبال التي لم تستطع أية قوة غاشمة .. محلية .. أو عالمية .. أن تجعلها تتخلى عن هويتها .. وعن انتمائها لتلك الأرض الطاهرة .. ولهذه الجبال والوديان التي تكسّرت على قممها وسفوحها وبين أوديتها رؤوس وأقدام الغاصبين ..
فكرت حبيبة كثيرا ً في هذه المقولة .. كيف تأخذ منها عِبْرة ..؟!
وكيف تفهم هوية الآخر .. الذي قالها ..؟!
فرأت أنها تعني .. أن الإنسان عندما يفشل في عمل .. عليه التأني .. والرجوع إلى الخلف .. إلى دراسة التاريخ .. بشكل أكثر دقة ً .. وأكثر واقعية .. ليدركَ مواطن الأخطاء .. فيتجنبها والإيجابيات .. فيأخذ بها ..
أفضل بكثير .. من أن يُصِرّ على المتابعة في الإفلاس .. أو الفشل .. دون أن يستضيء بسلبيات .. وإيجابيات الماضي ..









