تخطى إلى المحتوى

يتابع موقع بانوراما طرطوس نشر رواية(مَجنونةُ الخصيبَة ) للأديبة فاطمة صالح صالح – الجزء الثامن والأخير

هل ياترى سنبقى نستيقظ على زقزقات العصافير.. في هذا الوطن..؟!أم سوف يأتي يوم ننام فيه ونستيقظ على أزيز الرصاص.. وأصوات القنابل /الذكية/ وأنين الجرحى.. 12313668_920207128067256_2597888237955078668_n-204x300وحشرجات القتلى.. وصراخ الأطفال ..؟!
نعود إلى زمن مضى عليه قرن من الزمن ..عندما كانت جدتي تنقل أطفالها اليتامى من حرش إلى حرش.. ومن جفنة إلى جفنة ..
هاربة بهم من قريتنا التي أ حرقها العثمانيون .. ومن بعدهم الفرنسيون.. عدة مرات .. ولاحقوا أهلها ..؟!
أو كما يستيقظ أهل فلسطين والعراق .. وغيرهما من العالم..؟!
أم سوف تأتي قنبلة ذرية..أو هيدروجينية أو جرثومية..
تحرق الأخضرواليابس.. وتقتل .. أو تشوّه البشر، والحيوانات ، والطبيعة كلها ..؟! حتى الجراد..الجراد ستقتله أيضا ً..
وتبقى أرضنا محروقة.. يستحيل العيش فيها آلاف السنين..؟!
فيحترق الواقع والأحلام ..؟!
حتى الحيوانات الوديعة وغير الوديعة .. كلها تقتل وتحرق ويُمَثلُ بها ..
وتستخدَمُ جثثها لذوي المصالح الخاصة.. أصحاب الشركات العالمية الكبرى .. ذات التفكير المادي النفعي البحت ..؟!
طيب.. لنفترض أن قوى الشر والاستكبار هذه حصلت على كل شيء مادي في هذه الكرة التي شاخت .. وتقتل فيها الحياة بكل أشكالها .. بشكل فردي وجماعي.. وبمختلف أنواع القتل وأفظعه.. واستلم أصحاب الشركات / المادية/ هذه الثروة المادية الباقية كلها.. من أقصاها إلى أدناها ..
فماذا سيفعلون بها بعد أن أبيد الإنسان .. وقُضِيَ على الحياة في أغلب بقاع هذه التي كان اسمها / معمورة/ ..؟!
12391788_920779364676699_7021068303748213697_n-225x300هل سيبنون على رمادها عروشهم التي / وعدهم بها إلههم المزعوم/ .. ويعيشون بسلام ..؟!
أم سيأكل بعضهم بعضا ً.. ويفتك بعضهم ببعض بطريقة أشرس من الأولى .. وأفظع تدميرا ً..؟!
فأصحاب التفكير المادي البحت .. أصحاب المصالح الخاصة..لايستطيعون أن يعيشوا بدون أن ينصّبوا عدوّا ًيقتلونه.. وإن لم يجدوا .. سوف يقتلون بعضهم .. وإن أفنى بعضهم بعضا ً.. من أجل قطعة أرض .. أوأي شيء مادي .. سوف يقتلون أنفسهم حين يجدون أنفسهم وحيدين في هذا العالم ..
سينتحرون كما انتحر الطغاة من قبل ..
النهاية :
( – استيقظت مرة ، ولم أجده ..
خمّنت أنه أفاق باكرا ً، وذهب يتنشق هواء الغابة الصباحي و أكسجينها المنعش .. قبل أن يعود إليّ ببعض الفطر، أو الهندباء ، أو العسل، أو أي شيء يؤكل .. لنؤمّن طعام النهار الجديد ..
لملمت الأعشاب اليابسة النديّة ، التي تبعثرت على جانبيّ الفراش العشبيّ الذي كان يضمنا.. تمطيت قليلا ً، قبل أن أفكر كيف سنقضي هذا الصباح ..
غرّدت عصافير الكناري ، وتقافزت فوق الأغصان قبل أن تطير محلقة في السماء الزرقاء وتغيب خلف الأغصان الكثيفة ..
لم يأتِ سعدو ..
سرّحتُ شعري ، وعقدته بملقط في منتصف رأسي من الخلف ..
ذهبت إلى النبع .. علي أجده هناك .. دون جدوى ..
جلست على حافة الساقية التي تترقرق في صلاة دائمة ..
انسجمت مع خرير المياه العذبة التي توحي بالنقاء ..
أطلقت صوتي :
( على الله ..
على الله تعود بهجتنا ولفراح ..
وتغمر دارنا البسمة ولفراح ..
قضينا العمر ..
قضينا العمر .. ولف طل ، وولف راح ..
وضاع العمر هجران وغياب .. )
توقّعتُ أن يأتي سعدو عند سماع صوتي .. على مهل .. ويغمض لي عينيّ من الخلف .. فأبتسم .. ونتعانق ..
لكنه لم يأتِ ..
قلقتُ بعض الشيء ..
رحتُ أسلي نفسي بمراقبة ضفدعين كانا ينقان طوال الليل ..
هاهما الآن ينسجمان في عقدهما الزوجيّ الفطريّ دون أن يستأذنا / المأذون / ويجاهرا بذلك غير عابئين ببقية المخلوقات .. حرّكتُ قدميّ الغارقتين حتى منتصف ساقيّ، في تلك البحيرة الصغيرة .. مما أجفلهما .. فانفرط ذلك العقد .. وهرب كل منهما باتجاه ..
تقطع قلبي ..
– لماذا وحدنا نحن البشر مَنْ نقلق الأحياء الآمنة ..؟!
وبأيّ حق ٍ اعتديتُ – أنا الحمقاء- على حقكما .. أيها العاشقين الجميلين..؟!
هل أثرتما في نفسي غيرة ًما .. دون أن أدري ..؟!
وازداد قلقي ، عندما رأيت الشمس تكاد تتوسط السماء، دون أن يعود..
توغلت داخل الغابة بدون حذر.. ورحت أناديه صارخة بأعلى صوتي :
– سعدو.. و.. و.. و ..
ولا من مجيب ..
هربت السناجب خائفة مني ..وتقافزت الأرانب من أمامي ، بشكل أرعبني .. دون أن أتوقّف ..
توقّفتْ زقزقات السمّان ، وصراصير الصيف التي كانت تنط من أمامي كلما اقتربت من أماكن تواجدها ..
سكنت الغابة .. ولم يبق إلا صوتي يعربش ، ويقلق سكونها الموحش .. كوحشة قلبي ..
عدتُ ، بين الأدغال راكضة..عله يكون قد سبقني إلى مكان مرقدنا ..
لكنني كدت أدوس فوق حيّة رقطاء كانت تتشمّس فوقه .. فصرختُ عندما نفختْ في وجهي ، قبل أن تنسل زاحفة إلى وكرها ..
راحت الظنون تنوشني ، قبل أن أستلقي على تلك الكومة التي مهّدناها سويّة ًمنذ أيام .. ونمنا عليها ملتحفين السماء ..
دون أن يمسّنا سوء من عدو ، أو صديق .. حيوان ، أو إنسان ..
غنيتُ بصوت ٍ مسموع :
/ بتندم ..
وحياة عيوني بتندم ../
لا أدري إن كنت قد غفوتُ .. عندما رأيتُ ما يشبه الحلم ..
رأيتُ سعدو يركب حصانا ً أبيض .. يمسك بلجامه ويلكزه ، مطلقا ً صوتا ًيحسّه على الإسراع .. دون أن يلتفت خلفه ..
كان الحصان يجمح ، مباعدا ًما بين قائمتيه الأماميتين ، والخلفيتين .. كأنه يكاد يخترق السماء ..
قفزتُ ، صارخة ً، عندما غاب عن ناظريّ خلف الهضاب ..
صرختُ به :
– سعدو.. و.. و.. و..
وردّد الكون الصدى .. سع .. ع .. ع .. دو.. و.. و.. و ..
كنتُ أخبّئ لكَ مفاجأة ً ستسعدكَ ياسعدو ..
قلتَ لي مرة ً :
– أنا مثلكِ .. عقيم ٌيا حبيبة ..
كنتَ ستطير من الفرح ، عندما يؤكد لك هذا البطن المتكوّر أنكَ لستَ عقيما ً..
أنتَ خصيبٌ ياسعدو ..
خصيبٌ ياحبيبي ..
كلانا خصيبٌ ياسعدو ..
سعدو.. و .. و.. و .. و …
مات سعدو ..
مات سعدو يا أمي .. فأين أنتِ ..؟!
أمي.. ي .. ي .. لماذا أنجبتِني ..؟!
هل كانت حياتك جميلة وسعيدة إلى درجة أنك خلفتِني وراءك لأرث ذلك الجمال ، وتلك السعادة ..؟!
لماذا أورثتِني الشقاء يا أمي ..؟!
لماذا لم تتجرئي وتجهضي نفسك قبل أن أولد..؟!
لماذا ..؟! لماذا..؟!
هربتِ من مسؤولياتك ، إلى ذلك القبر.. وامتزجتِ بذلك التراب .. لا لأنك تعشقين التراب الذي ضمّ أبي .. كما كنتِ تدّعين ..
إنما – فقط – هربتِ كي لا تسمعينني وأنا أصرخ في وجهكِ ، سائلة ً:
– لماذا ..؟!
لم أر سعدو ، منذ ذلك الحين ..
لم أصدّق إلا أنه مات ..
لكن ، كيف ..؟! لا أدري ..
لم أصدّق أنه يتركني ( عالموت) ..
كما تعاهدنا ..
رغم كل ما سمعتُ من الناس ..
حيث أخبرني أحدهم أنه رآه يهرب مع امرأة أخرى .. أجمل مني .. وأكثر شبابا ً.. وحيويّة ً..
أو أنه غادر البلاد إلى جهة ٍغير معروفة ..
لكن إحداهنّ أكدتْ لي أنه كان مطلوبا ً..
وأن رجالا ًاختطفوه إلى جهة ٍ غير معروفة..
وأقسمتْ أنها رأت ذلك بأم عينها ، وهي ذاهبة ٌلزيارة ذلك المزار الذي تحيط به تلك الغابة العملاقة.. بعد طلوع الفجر بقليل ..
لكنني لم ، ولن أصدّق أحدا ً.. يا سعدو ..
لا يا حبيبي ..
فأنتَ وعدتني أنكَ سوف لن تتركني ( عالموت ) ..
والرجل عند كلمته ..
أليس كذلك يا حبيبي ..؟!
أيها الحب الأول ، والأخير..
لن أصدّق إلا أنك تبخّرتَ.. كقطعة ثلج ٍ، في شمس كانون ..
أوأن الموت اختطفكَ ..
وأقسم ُ..
أنني لن أعشق غيرك
( عالموت ).. يا حبيبي ..
ستجفّ روحي بعدكَ ياسعدو ..
ستعود إلى التصحّر ..
سأموتُ .. إن علمتُ أنكَ من نسج الخيال .. )
* * *

( – بطني يكبر بسرعة ٍ ياسعدو ..
فمتى سترجع ياحبيبي ..؟!
متى ستعود .. وتعتذر عن فِعلتك تلك ..؟!
بعد أن يترجم جسدي ما تشعر به روحي ..؟!
بعد أن يصبح جسدي – مثل روحي – المدفونة في طياته اللينة ..؟!
لن أقْبَلكَ – عندها – ياسعدو ..
جثة هامدة .. لا تتأثر بما يجري حولها .. يا سعدو ..
جثة هامدة .. وروح عائمة .. متهالكة .. مُرهقة .. مكسورة .. منهزمة ..
ماذا ستفعل إن أتاها من يحاول إيقاظها ..؟!
ولماذا تستيقظ ..؟!
وماذا تعنيها اليقظة بعد ذلك يا سعدو ..؟!
ماذا ستفعل إن استيقظتْ ..؟!
ماذا ستجني من يقظتها تلك ، يا سعدو ..؟!
بقيّة ُ ألم ، وأنين ..؟!
لا …. فلأبقَ هكذا .. شهيدة ً .. لا حية ً .. ولا ميتة ..
لكنها شاهدة على الظلم .. على القتامة ..
كما هي شاهدة على منابع الضوء ..
منابع النور التي انبثقت من هذا الشرق العريق ..
ولا بدّ أن تحضن الكون ، في يوم ما ..
في تاريخ ما ..
سيرسم عالما ً جميلا ً ، حرا ً .. متحابّا ً .. متكافلا ً ..
تعبَقُ فيه أنسامُ الحرية ، والتجدّد .. واحترام الحقوق .. والعدل .. والسلام ..
لمنْ تتركني..؟!
لستُ مراهقة..
فلقد نضجت مشاعري..وصرتُ أعرف ما أريد..ومَنْ أريد..
قلبي غيمة ٌ حالمة..
لاتبدّدْ أجزاءها بالرحيل..
أنتَ..أيها العابر..المقيم..
أيها المتربّع على عرش روحي..
الذي لم يدخل فردوسه إلاك..
ولن يدخل..
لن يكتمل حضوري بدونك..
فلماذاالرحيل..؟!
وهل لدينا- بعدُ- متسَعٌ للقلق..؟!
وتقول لي: – ليس هنالك من أفق..؟!
مَنْ يبتدعُ الآفاقَ..ياحبيبي..؟!
أليس الإنسانُ وحده من يستطيع رسمَ آفاقه كما يريد..
بالواقع..أم بالحلم..؟!
لا ترحل .. فلستُ أحتملُ الوداع..
أيها العابر المقيم الجميل الرقيق..
قلتُ لكَ – فقط- أمطرني بالقبل..
لم أعهدكَ بخيلا ً ياحبيبي..
فماذا جرى..؟!
يا برقي..ويا رعدي..
يا خصوبة َأيامي..
ياحبيبي..
يا حقل ربيع ٍفاجأني..عندما فتحتُ البابَ على مصراعيه..
لأهربَ من جحيم العواصف..
ألا تعلم أنكَ قد جعلتَ أغصان روحي تهتزّ بقوة ٍنورانيّة ٍ..ساحرة..عندما همستَ في أذني :
– أحبكِ..؟!
فتساقطتْ ثمارُها اليانعة..في سلال الأيام..؟!
ألا تعلم أنكَ عمّقتَ في نفسي إحساسي بوجودي..وكينونتي الروحية..؟!
أنكَ دغدغتَ زغَبَ عاطفةٍ كانت تسبح في بحر العَدَم من زمان..فأوقدْتَ فيها شعلةَ الحياة..؟!
أنكَ رسمتَ- بكلماتكَ الرقيقة الصادقة- دربَ حلم جميل..لا أعرف إن كنتُ سأميّز بين حقيقته،أو سرابه..؟!
إذا لم ترجع يا سعدو ، سأحقد عليكَ إلى الأبد ..
أو ..!! لا ، لا .. مهما حصل .. ولو كان سبب غيابكَ مايكون ..
يكفيني لأحبكَ مدى العمر.. أنكَ منحتني طفلا ً..
لابدّ أن يعترف الناس ، عاجلا ً ، أم آجلا ً ..
أنه ابن حلال ..
فالزمان صديقٌ للحقيقة ..
لكنني لا أريد أن يعيش طفلي يتيما ً ..
فقد ذقتُ مرارة اليتم .. ياحبيبي ..
فأين أنتَ ..؟!
*******************
– لا أدري إن كان ذلك حلما ً أم شيئا ً آخر ..
كنتُ أعوم في تلك الزرقة ، لكنني صحوتُ لأجد نفسي أسقط من بين ساقي أمي .. على فرشة من العشب الناعم ..
فتحت ساعديها ، واحتضنتني .. ضمّتني إلى صدرها .. ألصقت خدي بخدها .. وراحت تتلمس كل ذرة من جسدي .. غير مصدقة أنها أنجبت .. لكنني لم أفهم لماذا كانت تبكي بهذه الغزارة ..
صاحت بصوت ردّدته الجبال :
– أنا امرأة ٌ خصيبة ٌ ، يا رجال ( الخصيبة ) ..
******************************************************************
انتهتِ الرواية

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك