تخطى إلى المحتوى

يتابع موقع بانوراما طرطوس نشر رواية (إلى اللقاء يا أمي)….للأديبة فاطمة صالح صالح المريقب- الجزء الثالث..

12313668_920207128067256_2597888237955078668_n-204x3001( استوقفتني الكثيرُ من المواقف… المحفورةِ في ذاكرتي ووجداني.. كيومِ أتيتَني عندما كنتُ في الصف السادس الإبتدائي.. عام 1966م.. قُبيلَ موعِدِ تقديمِ الطلباتِ لامتحانِ الشهادةِ الإبتدائية.. بصوتِكَ الخفيضِ، المُترَدّد، شبه الخَجِل.. ووجهكَ المضيء الراسخ.. لتسأني – وأنا لوحدي – أقرأ في أحد كتبي المدرسية، بعد أن نامَ أخي الغالي الصغير الرضيع ..
-بدي استشيرك بشغلة..
الأستاذ (المُدير) ميقلّي.. ميقلّي.. إنه يعني لأنك، لأنك متسهري لخيّك بالليل.. ولأنه مو ميصيرلك وقت تتقري كتير.. يعني.. قال… يمكن.. بيتوقّع أنو يمكن ما رح فيكِ تنجحي بالشهادة.. بقا، إذا شايفة حالكِ يا بَيّي إنك يمكن مارح تنجحي.. قلّيلي.. ولا يهمك.. كنت ما ببعتك لطرطوس لتقديم الشهادة.. وما بنصرُف مَصاري.. كنت فوراً بسجّلك مع خَيّك بالمدرسة الخاصة………….!!!!!!
قاطعتُكَ بالبكاءِ الساخطِ المُحتجّ على ماقالهُ الأستاذ – المُدير..
-لا والله مو صحيح يا بَيّي..!! لا والله مو صحيح.. هوّي بيكرهني… وأنا شاطرة.. لا تصدّقه يابَيّي.. بدّي إنجح…
قاطعتني بدفء صوتكَ المُطمْئِن الحبيب:
-خلص.. خلص.. لا بقى تبكي.. أنا ماني مصدّقه.. ماني مصدّقه.. وبعرف إنك شاطرة.. خلص.. يعني بتقدّمي وبتنجحي..؟!
-إي والله يا بَيّي.. بدي قدم.. وبدي إنجح..
تنهّدْتَ بعمق… وقلتَ لي – بثقة بالغة – :
-خلص.. أنا متأكّد من حكيك.. أنا واثق فيكِ.. استعنّا بالله… لا يهمّك…
اجتمعنا في غرفة كان قد استأجرَها عَدَدٌ من طلاّب القرية الذين كانوا يكملون تعليمهم في طرطوس، وقد أخلوها لنا بعد انتهاء عامهم الدراسيّ.. نمنا فيها لمدة يومين.. كنا نقرأ ونحضّر للإمتحان، بجدّية بالغة.. وكان تقديمي أنا في (ثانوية البنات ) التي تعرّفتُ في باحتها على طالبة لطيفة ناعمة.. سألتُها من أين هيَ..؟! ( أنا حشرية كالعادة.. أحبّ التعارف… وما زلتُ يا أبي الغالي ) أجابتْ : من ( الخريبات )… أحببتُها واستلطفتها… ولم أعرف أين تقع (الخريبات ) سوى بعد أن كبرتُ وتزوّجت..
ونجحتُ، يا أبي.. كما كنتُ أؤكّد.. وكما كنتَ تتوقّع..
أثلجْتُ صدركَ يا غالي.. و (فقشت بعين الأستاذ– المُدير – حصرمة)..!! ونجح زميلايَ، وزميلتي.. ودخلنا الصف الأول الإعدادي، الذي كان شعبة واحدة تُنشأ لأوّل مرة في (الشيخ بدر ) كأساس لمدرسة إعدادية رسمية.. درَسنا فيها على حساب (الدولة )…
……………………………. ويوم جئتُكَ أحملُ جلائيَ المدرسي في آخر الفصل الأول من العام الدراسي وأنا في الصف الخامس.. كانت المعلّمة الجديدة.. من (السودا) قد أرسِلتْ لتعلّمنا في غرفة إسمنتية في (بيت عزيز محمد ديب ) في الأندروسة.. لأنّ المدرسة الإبتدائية الوحيدة في (الشيخ بدر) لم تعُدْ تتسع.. أو، لأنهم كانوا لم يكملوا بناءها بعدُ.. المهمّ أنه تبدّل علينا في الصف الخامس عدة شباب لم يكملوا تعليمهم بعدُ.. ليعلّمونا.. وكانت المعلّمة مُجبَرة على تجهيز (الجلاءات) في الموعد المحَدّد.. فأسْرَعتْ لتضعَ العلامات بشكلٍ عشوائي – على ما أظن – لأنها لم تكنْ قد تعرّفتْ علينا بشكلٍ جيد.. ولم تعلّمنا سوى أيام أو أسابيع قليلة.. لم أكن أدركُ هذا إلاّ بعد أن كبرتُ.. وبقيتُ أكرهها لأنها ظلمتني.. ووضعتْ لي شائبتين على جلائي.. (وسط) في مادة (الرياضيات) وأخرى في مادة (اللغة العربية).. لم أعتدْ حتى ذلك الحين، أن آخذ (وسط) في أية مادّة.. فصُدِمْتُ….. لم أكنْ أخافُ من عقابكَ على ذلكَ يا أبي الغالي.. لأنني ما اعتدْتُ سوى على تشجيعِكَ، ومُبارَكتكَ لتفوّقي في المدرسة، وفخركَ بي.. لكنني كنتُ خجِلة جداً.. وأشعرُ بالظلمِ، والعار.. وأنني سأسبّبُ لكَ الإحباط.. لأنني أخذتُ (وسط) في تلك المادّتين، على غير عادتي.. فبقيتُ أبكي بسُخطٍ، وخجل.. وبصوتٍ مرتفع.. وأنا صاعدة على الطريق الذي كان ما يزالُ ترابياً.. من المدرسة (الغرفة) إلى بيتنا في وسط (المريقب ).. مع باقي الطلاب والطالبات.. وأخي الأغلى (اسماعيل ) الذي كان يكبرني بعامٍ، وثلاثة أشهر.. وبصفٍّ واحد.. يحضنني.. ويكادُ يبكي على بُكائي.. ويطمئنني أنّ أبي سوف لن يعاقبَكِ.. فلا تخافي.. ولا تبكِ يا(فاطمة)………..
عندما وصلنا إلى عند دكّان خالي (الشيخ ابراهيم ) في أول القرية.. وصلتْ حَماسةُ الغالي أخي، وحِرصُهُ عليّ.. أن تناوَلَ مني (جلائي ) كأنهُ يحملُ عني عِبءاً ثقيلاً.. يريدُ أن يريحني منه.. كعادته..
رحمك الله يا أغلى الغوالي.. يا أخي وصديقي.. وروح قلبي ونور عينيّ وسندي ودفء حياتي.. الذي سلبَهُ مني الموتُ.. قبلَ أن يكمِلَ الرابعة والثلاثينَ من عمرهِ الغضّ..
ناوَلكَ أخي الجلاءَ، وهو يكادُ يبكي.. ويكادُ يخفيني خلفَ ظهرهِ.. كنتَ تبتسمُ في وجهنا يا أبي.. وأنتَ تتناوَلُ الجلاء، وتضعهُ خلفَ ظهركَ، دون أن تنظرَ إليهِ، أو تقرأ ما فيه.. كانت ابتسامتُك الدافئة، المطمئنة، تزيد من خجلي وبكائي وإحساسي بالعار.. توَجّهتَ بكلامِكَ نحوي.. عابراً أخي الغالي بنظراتك الحانية.. تبتسم، وتقول لي:
( – إي ماني مْصَدّق.. ماني مْصَدّقهم… لا بقا تبكي… خلص..)
مما جعَل أخي يسترخي.. ويعود الإطمئنانُ إلى روحه الغالية… لكنني لم أنقطع عن البكاء، والخجلِ من النظر في وجهك الغالي مباشرةً…
…………….. تذكّرتُ يومَ أخبرتني أمي الغالية، أنكَ كنتَ في أحد الأيام تنتقدُ بعضَ التقصير من أبنائكَ وبناتكَ واحداً واحداً.. وواحدةً واحدة… كنتَ تريدنا نماذجَ لاتخطئ، ولا تتوانى.. مكتملين.. كما كنتَ تحلم يوم تزوّجتَ أمي.. (أتمنى من الله أن يرزقني سبعة شباب).. لكنها أخبرتني – أيضاً – أنكَ كنتَ تحضرُ مَجمَعَينِ من الشوكولا، حين تُرزقانِ بابنة أنثى.. ومَجْمَعاً واحداً، حين تُرزقانِ بصبيّ ذكَر… كانوا جميعاً غائبين.. وأنتَ وأمي لوحدكما.. حتى وصلتَ بانتقادكَ لاسمي.. فتوقّفتَ، وقلت : ( وفاطمة…………. بس والله فاطمة ما بيطلعلنا معها….!!! كم كنتُ سعيدة يا أبي الغالي عندما أخبرتني أمي أنكَ قلتَ ذلك..!! أما زلتَ تثقُ بي يا أبي الأغلى..؟!! الحمد لله ثم الحمد لله.. كنتُ أعودُ وأحلّفُ أمي أن تقول الحقيقة وألاّ تجاملني.. هل قلتَ (والله فاطمة ما بيطلعلنا معها )..؟!! فتُقسِمُ الغالية أمي أن ذلك حَصَل…. فأبكي من فرحي.. وأحمد الله كثيراً أنكَ تقدّرُ ظروفي..
تذكّرتُ، أيضاً، يوم (فَسّدَ) علينا أحَدُ جيراننا، الذي كان أخي (اسماعيل) يُقسِمُ أنّ له عينينِ إضافيّتينِ في رأسهِ منَ الخلف.. لكثرة ماكان يرى الأذى، ويخبر به…. بأنهُ رأى (غزال، وكحال ) يرعيان في (الأذى ) في حقل جيراننا، عندما شَرَدا، ونحن نرعاهما مع بقيّة الدوابّ في (البستان) تحت بيت جدّي (الشيخ سليم) في الضهر… غافَلَنا الثورانِ الضخمانِ، ونحن نلعب.. وراحا يأكلانِ بنَهَمٍ شديد من زَرعِ بيت جيراننا الغضّ الأخضر…. قبل أن ننتبه، ونردّهما إلى حقلنا… وعند عودتنا من (الرّعيّة) أمسكتَني من يدي اليسرى وأخذتَ تضربني بكفّكَ القويّة على ظهري.. وتأمرني ألاّ أعيدها… كنتُ خجلة جداً، أكثر مما كنتُ أتألّم، لأنّ جارَنا كان حاضراً…. وكنتُ أقتربُ من مرحلةِ الصّبا…
………….. ويوم قفزتَ من أمام (المقصَف) حيثُ كنتَ تجلسُ فوق دَرجهِ، بعد أن بناهُ صاحبُهُ على أرضنا التي بِعتَهُ إياها أثناءَ إحدى الضائقاتِ المالية الكبرى.. ( بستان الزيتون ).. لم أكنّ أدركُ، وأنا أقفُ في منتصفِ الشارع الرئيسيّ، بقدرةِ قادر.. حائرة، ماذا أفعل..؟! وكيفَ أتصرّفُ في أحرَجِ موقفٍ مَرّ بي إلى حينها.. كان زوجي قد سافرَ بعد أن أنهى إجازته القصيرة.. وعادَ إلى قطعته في الجيش.. وَدّعتُهُ في (بيت عمتي فاطمة ) الذي كانت تسكنهُ عمتي الغالية (ندّة) وعائلتُها، قبل أن يغادروهُ تاركينَ أغراضهم فيه، ويسافروا إلى (الرّقّة) حيثُ عُيّنَ زوجها (أبو نزار ) معلّماً فيها.. وتركت الغالية عمتي (ندّة) مفتاحهُ معي.. لأنتبهَ لها على أغراضها.. وأشَمّسَ الفُرشَ.. كي لا تتعَفّن… ودّعنا بعضنا، وسافرَ زوجي في (سيّارة بديع) اللاندروفر.. الوحيدة في (الشيخ بدر) التي تُقِلّ الركّابَ إلى (طرطوس).. ومن ثَمّ تُقِلّهم سيارة أخرى ( قد تكون باص علي محمود، وسليم حبيب ) إلى (حمص) ومنها يركبان سيارةً أخرى إلى دمشق.. وبعدها إلى حدودنا مع العدوّ الصهيونيّ، حيث كان زوجي يخدم.. في (رَخَم).. نزلتُ بَعدَهُ.. بعد أن تبادَلنا القُبَلَ الحارّة.. وكانت دورتي الشهرية في بدايتها.. فتناولتُ قطعةَ قماشٍ قديمة من بيت عمتي.. طويتُها جيداً، وجعلتُها (حِفاضاً) بدون أن أثبّتها ب (شنكل ).. ولم أصلْ إلى الشارع حتى كادت تقع…. فتجَمّدْتُ في مكاني.. حائرة.. مُحرَجة… لا أعرفُ كيفَ أتصرّف… لم أكنْ أعرفُ أنكَ كنتَ هناك.. ولا أنّكَ كنتَ تراقبني يا أبي الغالي… لم أرَ إلاّ شَبَحاً لشخصٍ يقفزُ من فوق دَرَجِ المقصف.. ليلتقطني من ساعديّ بقوّةٍ وحنان… (- تعي تعي معي.. لا تخافي.. شو بيجعكْ يا بَيّي..؟! ).. (دايخة.. دايخة شويّ.. جايتني الدّوْرَة.. ).. ( تعي.. على مَهلِكْ.. اقعدي معي بالمقصف.. ارتاحي شوي.. لا يهمك.. لا تخافي..!! ).. لم أكدْ أجلس على الكرسيّ أمام إحدى الطاولات في مكانٍ مُريحٍ اختَرتَهُ أنتَ يا أبي، حتى طلبتَ لي زجاجة (كازوز ) من النادِل.. أرخَيتَ زندي.. عندما اطمأننتَ أنني جلستُ جيداً.. لكنني طلبتُ أن أدخلَ (الحَمّام ) رافقتَني إلى بابه.. وانتظرتني في الخارج.. سَوّيتُ الخرقةَ جيداً.. جَعَلتُ طرفيها يخرجانِ قليلاً، فوق بطني وظهري.. ليمسكهما جيداً (المطّيط).. وخرجتُ.. واحتسيتُ (الكازوزة ) وأنتَ بجانبي.. تداريني كي لا أشعرَ بالمزيدِ من الخجلِ، أو الخوف……………..!!
تذكّرْتُ، أيضاً، حادثةً مازالوا يروونها كلّما ذُكِرَتْ تلكَ الأيام.. يوم مَرَرْتَ، وأنتَ ترعى الماعزَ، والخراف..من أمام بيت (رئيس المخفر)في (الأندروسة)فقالتْ لكَ (مَرت رئيس المخفر):(ولاك…!! جيب هالعنزة بدي احلب منها شويّة حليب…………..!! فأجَبَتَها: (- أنتِ، وليكْ…!! ما رَح جيبها..!!)
فاستشاطتْ غضَباً.. وأمرتْ الشرطة أن يحبسوكَ في المخفر.. وبسرعةٍ بالغة، وصلَ الخبَرُ إلى أبيك (المجاهد البطل، العقيد، في ثورة المجاهد الشيخ صالح العلي ) فنزلَ مُسْرِعاً، ليحلّ المشكلة.. فزجّوهُ، أيضاً، في السجن.. لأنه كان يدافعُ عنكَ.. ياغالي… فوصَلَ الخبَرُ إلى أهل القرية.. الذين كانوا يدرسون زرعَهُم على البيادر.. فأسرعَ كلّ منهم حاملاً ما تيسّرَ له من سلاح… قظمة.. رفش.. منكوش.. مهدّة.. غربال.. فأس.. مدري.. حجر.. عَصا.. خشبة.. إلخ… وأحاطوا بالمخفر من كلّ الجهات.. مُهَدّدين رئيس المخفر والشرطة، أن يفرجوا عنكما.. وإلاّ سيحرقون المخفر بمن فيه، ومافيه… فطلَبَ رئيس المخفر النجدَةَ من طرطوس.. فجاءَتهُ.. وحاصَرَتِ الآليّاتُ العسكريّةُ المخفَرَ من كلّ الجِهات، مُهَدّدَةً، مُتَوَعِّدَة…… فأرسَلَ جدّي رجُلاً يخبرُ (الشيخ صالح) الذي كان في قريةٍ بعيدة.. فجاءهُ الردّ القاهر، وغيرِ المُقنِع.. ( خلّوه.. بلكي بتلين نفسه شويّ ).. وبعد الحادثة بمدّة، تأكّدَ أنّ الخبرَ لم يصل إلى (الشيخ صالح).. وإنما فُبرِكَ رَدُّه…..!!!!!!! كانت عمتي (ندّة) تخبرني أنكَ كنتَ الإبنَ المفضّل، والمُدَلّل، عند أبيك.. وأنكَ كنتَ أمله، وفخرَه.. وبعد وفاتكَ، يا أبي الغالي، أخبرني أحدُ إخوتي، أنكَ بقيتَ تنفقُ عن روحِ أبويك.. إلى حين وفاتك.. وأنكَ أرسلتَ معهُ، قبلَ وفاتكَ بقليل، كمية من النقود ليعطيها ل (عمّي) صَديقكَ، في (كوكِب) لأنكَ ظنَنتَ أنكَ لم تفِهم حَقّهم، هم الذين كانوا يهتمّون بأبيكَ أثناءَ مرضِهِ بالشلل النصفيّ.. حيث كان يمشي أحياناً.. ولا يستطيعُ أقوى الرجال أن يردّوه.. وأحياناً يصلُ إلى (كوكِب) حيثُ كانت له ذكرياتٌ لا تُنسى مع رجالها المجاهدين، أثناءَ (الثورة ) ضدّ الغزاة الفرنسيين.. كنتَ في الأرجنتين… في تلكَ الغُربةِ البعيدة، أثناء مرضِ أبيك… وكان الغالي أخي، ابنكَ البِكْر، بعُمرِ أشهر.. حين أتاكَ الخبرُ القاهر.. كانت (عمتي فاطمة ) التي تكبرُكَ بعامين، أو أكثر.. والتي أدخَلَها جدّي المدرسة مع الصبيان، آنذاك.. لكنها لم تلبث فيها سوى سنواتٍ قليلة.. حيث خَرَجَت من تلقاء نفسها… كانت شخصيّتها قويّة.. وماتزال.. كما رَبّاها أبوها.. واحتجّتْ أنها لا تريدُ البقاءَ لوحدها تدرسُ مع الذكور… مما أزعَجَ جدّي.. لكنهُ رضخَ لرأيها… وهي التي عانتْ معهُ أثناءَ مرضه، أكثر مما عانى الجميع… إلى دَرَجة أنّ البعض ظنّ أنها سوف لن تنجب.. أو أنها ستبقى مُرهَقة الجسد إلى درجة الإعياء طول حياتها.. لكثرة ما تعبتْ في بيت أهلها.. ومع أبيها المريض، الذي منحَها الثقة التامّة… خصوصاً أنكَ الأملُ الغائبُ البعيدُ، يا أبي الغالي…
تذكَرْتُ ماحَدّثتني بهِ حبيبتُك.. أمي الغالية… أنهُ ، ذات يوم.. بعد الغروبِ بقليل.. كنا أنا وأخي (اسماعيل) نلاقي لكَ، وأنتَ عائدٌ من (الفلاحة) تحملُ (النّيرَ) على كتفِك الصّلب.. وتسوقُ أمامَكَ الثورَين الضّخمَين، المُجهَدَين.. كنا نُمسِكُ بيدِ بَعضِنا، ونسيرُ غرباً نحوَ (بَيدَر الخاليّة) ويبدو أننا نحنُ الصغيرَين، خفنا منَ الظلام.. وعندما بدَوْتَ لنا، قابَلناكَ بابتسامةِ فرَحٍ، وفَرَجٍ، قائِلَين: (والله يا بَيّي، فكّرناكْ جَكَل “جَقَل” ..!!) فضَحكتَ لنا، ياغالي.. وحَمَلتَنا كلّاً على زَند، حتى أوصَلتَنا إلى أمامِ البيت… وحَدّثتَ أمي بما جرى….) …

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك