تخطى إلى المحتوى

يتابع موقع بانوراما طرطوس نشر رواية (إلى اللقاء يا أمي)….للأديبة فاطمة صالح صالح المريقب- الجزء الثامن

12313668_920207128067256_2597888237955078668_n-204x30011اليوم، يا أمي الغالية، هو الجمعة الثاني عشر من تمّوز 2013م الثالث من رمضان المبارك..

لستُ صائمة، يا أمي.. صُمْتُ اليوم الأول من هذا الشهر الفضيل، براحة، ودون سحور.. مع أنني كنتُ أخشى كثيراً من عدَم قدرتي على تحمّلِ العطش.. فما تزالُ نوباتُ التعرّقِ تداهمني، يومياً، ولفتراتٍ متفاوتة.. خصوصاً عند القيامِ بأعمالٍ تحتاجُ جَهداً كبيراً، كالمشي، أو الحَفر في الأرض، أو الزراعة،أو التسوّق، أو أعمال المنزل من تنظيف وغيره.. والدواءُ الذي أتناولهُ يومياً لحماية معدتي من التقرّح ومن القلَس، الذي ظلّ لمدّة عشرات السنين يكوي المريء لدَيّ.. ويؤلمني جداً، ويوتّرني، ويمنعني من تناول الكثير من الأطعمة.. حتى وأنا صائمة.. كثيراً ما كان القلَسُ  يحرقني في صدري، وينتقلُ الألمُ الشديدُ والضاغِطُ إلى ظهري، ويتوزّعُ على جانبيّ صدري من الأعلى، ورقبتي وذقني وحَنَكي.. ويُضطرّني لأخذِ الأدوية المُخَفّفة له، والموصوفة من قِبَلِ الأطباء المختصّين، بعد التأكّد من سلامة التشخيص، عن طريق التنظير الهضمي للمعدة والمريء والإثنيّ عشري.. أجريته ثلاث مرات في حياتي، حتى الآن، كان آخرها في (مشفى الباسل) الحكوميّ في طرطوس، أثناءَ مرضكِ ياغالية.. حيث داهَمني سُعالٌ شديدٌ، شبه متواصل، مع آلام شديدة في صدري، وبردٌ وارتجاف.. قال لي الدكتور (محمد) أنه من هذا (الكريب) الجائحة، التي أصابتِ الكثيرين والكثيرات، فيروسيّ السبب.. أعطاني خافضَ حرارة ومسكّناً للألم، حبتين كل ستّ ساعات، وشراباً مُضادّاً للسعال ومُقشّع.. دون جدوى تُذكَر.. انهَدّ حيلي.. نمتُ في الصالون في بيتنا- بيتكم يا أمي، في غرفة الغالي إبن الغالي، كي لا أعديكِ.. أنتِ التي لم يكن ينقصكِ مُعاناة، يا أمي..

جَهّزَ لي ابنُ أخي الديفون المُقابل لسريره.. فرَشَهُ، ووضعَ لي فوقه شرشفاً وعِدّةَ وِسادات.. وبعد يومين أو ثلاثة، أوقدَ لي مدفأةَ الحطبِ التي كان قد ثبّتها في الزاوية الشمالية الغربية من الصالون- غرفته، التي كان ينامُ فيها منذ عدّةِ أشهر، بعد أن ينزل إلى دوامهِ في طرطوس، من السابعة والنصف صباحاً، حتى ما بعد السادسة، أو السابعة مساءً.. أو أكثر. وكان عَمُّهُ، حبيب قلبك، قد طلبَ منه أن يبقى قريباً منا.. أنا، وأنتِ ياغالية.. على الأقلّ في الليل، إذا احتجنا إلى مساعدة.. كان – أحياناً – يساعدني على إنهاضِكِ، أو قلبِكِ في سريركِ من جهة إلى أخرى.. أما الحمّام، فغالباً كُنتُ أحَمّمُكِ بمُفرَدي، وأحياناً قليلة، كانت تساعدني أختي الغالية، بَعْدَ انتهاءِ دَوامِها في المَدرَسَة….

كنتُ أحضنكِ من تحتِ إبطيكِ الغاليين المتداعيَين، و أُنهِضُكِ من فوق السرير، لأجلسكِ على الكرسيّ البلاستيكيّ البُنيّ، الذي ثقبَهُ حفيدُكِ من وَسَطه بطلبٍ مني، وألصَقتُ أنا حولَ حوافّهِ، بشكلٍ دائريّ طبقة من الإسفنج غلّفتها بالنايلون، كي تكون جَلْسَتُكِ فوقهُ مُريحةً، ياغالية.. كنتُ ألصِقُ هذا الكرسيّ بسريرك، كي لا يسقطَ جسمُكِ الحبيب المُتهالك من بين يديّ.. أو يؤلمني ظهري جداً عندما أنهِضُكِ.. وعندما أفلِحُ في إجلاسِكِ عليهِ بأمان، أحَمّمُكِ، وأكونُ قد حَضّرتُ الماءَ الساخنَ، وبعضَ الباردَ من الحَمّام إلى الغرفة بواسطة عدّة أواني بلاستيكية، أو طناجر من الستنلس، والليفة، والشامبو، أو الصابون المصنوع من زيت الزيتون، زيت (مَهْل) الزيتون من عندكم.. يرسله أبي إلى أحد الخبراء في صنع الصابون في قرية أخرى.. يغلونهُ، ويفرشون السائلَ المُضاف إليه موادّ أخرى (قَلو) يصبّونهُ فوقَ مَدّة من القماش، أو النايلون، أو ورَق الجرائد.. ثمّ يقطّعونهُ قِطعاً، قِطَعاً، بواسطةِ أخشابٍ المُستطيلة، ويجففونهُ، ثم يصفّون ألواحَهُ في كيسٍ قماشيّ، ويرسلونهُ إليكم، فيصفّهُ أبي الغالي بسحاحيرَ بلاستيكية.. تخزّنونهُ كمؤونة، وتستحمّون بهِ طيلةَ أيامِ السنة.. وقد تهدوننا أو تهدوا غيرنا من الأقارب بعضَ الألواح….. لكن، منذ سنوات، كنتما توصيانِ أختي، أن تُحضِرَ لكما من طرطوس، صابوناً سائلاً (شامبو) خاصّاً بحَمّام الرأس والجسم معاً..كنتما تستخدمانهِ للحمّام .. كانَ أبي، بعدما كبرَ بالعمر، وصعبَ عليهِ الإستحمام بنفسه، يطلبُ منكِ، أو من أحدِ إخوتي أن يُحَمِّمَهُ. أو، على الأقلّ، يفركُ لهُ ظهرَهُ بالليفة والشامبو.. كما كنتِ تفعلين.

      أمي..

نويتُ اليومَ أن أوَجّهَ كلامي للغالية زوجة عمي، حماتي.. رحمةُ اللهِ عليها.. لكنني عَدَلْتُ عن ذلك.. لا أعرفُ لماذا.. !!

 أحبّها جداً، يا أمي.. وكانتْ أيضاً تحبني جداً، وتشفقُ عَليّ………………………….. هنا سأختصرُ مَقطَعاً من روايتي هذه…….

أمي.. والله أحبكِ جداً..

تضحكين..!! وأنا أضحكُ من هذا الكلام المباشَر البديهيّ الساذج الصادق..

حينَ أمرُّ قربَ (مقامكِ) الحبيبِ، الذي يدعونهُ (قبراً) أبتسمُ، وأشعرُ – غالباً – بالفرَحِ، والسعادة.. لأنني أشمّ رائحتَكِ يا أمي.. أحياناً قليلة، لا أستطيعُ سوى أن أصعَدَ إلى مقامِكِ، شمال مقام عمتي الغالية (ندّة) أمي الثانية.. وعلى جنوبها مقام زوجة عمي (محمد) رحمها الله (مريم عباس – أم رامي) أقرأ الفاتحةَ على روحكِ الطاهرة.. أكلّمكِ.. وأذرفُ الدموع.. أشعرُ بالحنينِ إليكِ.. وبشعورٍ لا يمكنُ وَصفُهُ من الحبّ، والحنان، والإستئناس بحضورِكِ معي.. أمي.. وأطلبُ منكِ أن تدعي لي بالتوفيقِ، والحمايةِ، والهدايةِ إلى الخير.. وأنا متأكّدةً أنكِ تسمعينني، وتشعرينَ بما أشعرُ به، وتعرفينَ حاجاتي، وتدعينَ لي القوّة الخالقة للكون (الروح الكلّيّة) التي امتزَجْتِ بها، فجْرَ يومِ الثلاثاء، الرابع والعشرين من شهر نيسان من هذا العام 2013م.

زوجي نزلَ قبلَ أكثر من ساعة، يمكن إلى السوق (الشيخ بدر) لا..لا.. إلى صلاةِ الجمعة في جامع (الشيخ علي سلمان) قدّس سِرّه. أو، ربما، في (الدَّرْوِة) الجامع الذي حَلمتِ أن تزوريهِ في حياتِكِ الدنيويّة.. لكن.. للأسف.. لم تستطيعي.. رغمَ أنّ أخي أخذكِ إلى قربه.. قرب (دَرْوَة الشيخ علي سلمان) ليُحَقّقَ لكِ حُلمَكِ برؤيةِ الغرفة (الجامع) التي بناها أبناؤكِ، ورفاقُهم من شبابِ القرية الغوالي، في المكانِ المُقَدَّسِ، التي ماتزالُ تعبَقُ في أرجائهِ اللامَحدودة، صَلواتُ المُقدّس (الشيخ علي سلمان) حيثُ كانَ يأوي إلى صخرةٍ في ذلك المكان، جنوبي قريتنا الغالية (المريقب) الذي عُرِفَ بها (الشيخ علي سلمان المريقب) يتأمّلُ بِخَلقِ اللهِ تعالى.. بقدرَتِه.. بقوّته.. بربوبيّته.. فيسبحُ في بحارِ القَداسةِ، والحبّ، والخيرِ، والسعادة اللامَحدودة.. من خلالِ تواصُلِهِ الروحيّ الصّوفيّ التأمُّليّ، مع القوّة الأقوى، والأعظَم، والأقدَر، والأرحَم، والأعْدَل.. القوّة المُطلَقة.. الخالقة للكون.. التي هي (الله)..

سَحَرني لقائي هذا معكِ هذا الصباح، يا أميَ الغالية..

كنتُ سأكتبُ غيرَ ماكتبتُ الآن.. لكنّني آثرْتُ أن أتركَ روحي تكتبُ ماتشاءُ بحُرّيةٍ لا مَحدودة.. يُترجمُها قلَمي هذا إلى حُروف، وترسمُها عضلاتُ أصابعي، بأمرٍ من عقلي وروحي، على صفحات هذا الدفتر الزهريّ اللونِ، الأبيض الصفحات، والذي كنتُ قد حَضّرتُهُ لأكتبَ عليهِ (قطوفاً من مُطالَعاتي)..

سأنقلُ ما أكتبُ إلى شاشةِ الكمبيوتر العجوز، إذا تكرّمَ عليّ، وابتسَمَ في وجهي مُرَحّباً، عبْرَ شاشتهِ البخيلة، التي لا تفتحُ إلاّ على كيفها، وبمُنتهى حُرّيتها، ومتى شاءت.. لتعزفَ باقةً صغيرةً من الموسيقا، وتفتحَ فمَها لتقولَ لي ضاحكةً (مرحبا…. ) فيتهَلّلُ وجهي.. إذن.. سمَحَتْ لي هذه الشاشة الصغيرة، بالدخولِ من نافذةِ روحِها الصّنعيّة، التي أنتجَها العقلُ البشريّ، منذ عدّة عقود.. استطعتُ التواصُلَ بواسطتها مع العالم أجمَع، عن طريق (الأنترنيت) ومؤخّراً (الفيسبوك) و (اليوتيوب) لأعَبّرَ من خلالها عن ذاتي.. وأعرفَ الآخرين أكثر.. من خلال التواصُلِ الحَذِرِ معهم.. لأنّ هذه الشبكة العنكبوتية من صُنعِ التكنولوجيّين العالميين، الذين قد يستخدمون التكنولوجيا للسيطرةِ على الآخرين، بعدَ الإحاطةِ بكلّ المعلوماتِ عنهم، وإيهامِهم أحياناً أنهم غيرُ مُراقَبين.. فليُعَبّروا عَمّا يريدونَ، عبرَ (شَبكةِ التواصُلِ الإجتماعيّ) (الفيسبوك) والتي يُقالُ أنّ مالِكَها، أو صانِعَها أمريكيّ يهوديّ صهيونيّ.. وبأنّها (أضخّم شركةِ تجسّسٍ في العالم)..!! لكن – حَسبَ رأيي- لها فوائدُها، ومَضارّها.. مثل كلّ الصناعات في العالم.. يستطيعُ المُدرِكونَ لخفاياها أن يستخدموها ويوظّفوها لخدمةِ الإنسانية.. كما لفنائها.. أو لخدمةِ مصالحِهمُ الشخصيّة…… وهكذا….!!

         منذ ساعة، أيّ، في الواحدة ظهراً، جاء التيارُ الكهربائيّ.. واشتغَلتِ الغسّالة الآليّة التي كنتُ قد وضَعتُ فيها (وَجبَةَ) غسيلٍ مُلَوّن.. واشتغَلَ البرّادان، الكبير، والصغير الذي أهدَتني إياهُ الغالية الحبيبة أختي، منذ عِدّة أعوام، لأستخدمَهُ في (المَحَلّ) (المكتبة).. والآن، أضعُهُ في غرفة النوم..

الساعة الواحدة ظهر الجمعة 12/7/2013م

الساعة الآن الثانية إلاّ سبع دقائق بعد ظهرِ الجمعة..

تركتُ الكتابة قبل قليل، واتصلتُ بصديقتي الغالية المهندسة.. لم أجدْها في بيتها.. اتصلتُ بالغالية (نهى) أجابَ زوجُها.. وبعدَ أن تبادَلنا التهنئة بقدوم الشهر الفضيل، والأمنيات والدعاء أن يُعادَ علينا وعلى كلّ الطيبينَ في العالم، وعلى هذا الوطنِ الأغلى، بالصحة والعافية والسلامة والسلام والأمان.. نادى زوجتَه.. جاءتْ (نهى) تبادَلنا المحَبّة، والهمومَ الخاصّةَ والعامّةَ، الصحّيةَ، والنفسيةَ، والإجتماعية، والحالة العامّة في الوطن.. أخبَرَتني أنّ (إبن الأستاذ محمد غانم) استُشهِد.. أذاعوا اليوم في الجامع عن خبر استشهاده (متزوّج، ولهُ ثلاثة أولاد.. زوجته من وادي العيون.. هو ضابط في الجيش والقوّات المُسَلّحة العربية السورية ) قالتْ: لم يقدروا عليهِ في كلّ المحافظات.. كان بطلاً.. ألله يرحمه.. وإنسانيّاً جداً.. إلى أن استهدَفوهُ في (تلّكَلَخ)..

جاءَ زوجي.. دخلَ البيت.. بَدّلَ ثيابَهُ في الغرفة الشماليةِ، وخرَجَ إلى الشّرفة.. جلسَ في ظلّ شجرةِ الكينا العاليةِ الوارفة.. كنتُ بعدَ انتهاء مكالمَتي مع جارتي، أتمشّى ضمنَ البيت، وأنا أشتغلُ الصوف.. (الإسلام السياسيّ، هو عدوّ الإسلام الحقيقيّ.. الحوار هو الحَلّ.. لماذا لا يتكلّمونَ عن أحداثِ (حَماه) في الثمانينات..؟! مَن تبقى لديهِ أحقادٌ من الثمانينات، كيفَ تجلسُ معهُ على طاولة الحوار، وهو مايزالُ حاقداً منذ ذلك الوقت..؟! تُفتَحُ خلالَهُ كلّ الملفّات، لتظهَرَ الحقائقُ كما هيَ.. يتوَضّح الخطأ من أيّ طرَفٍ كان، يا (أستاذ طارق) لم يبدأ الحوار.. الحوار الوطني بمَن حَضَر.. (لجنة مُتابعة الحوار الوطني.. ليس بالشأن السياسي فقط.. بل، في المجال الإقتصادي، والإجتماعي.. وكلّ شيء.. اجتمَعَت.. للتحضير للحوار.. الحوار عمليّة استمرارية في دمشق وفي كلّ المحافظات.. ينحكي بكلّ الأخطاء.. ويُنقَل على الهواء مباشرةً ).. هذه مُقتَطَفات ممّا يدورُ بينَ المُذيعة في التلفزيون العربي السوري (الفضائية السورية) و ضيفها (المحلل السياسي)..

(حلب تتعرّض لحِصار حقيقي من كلّ النواحي….) (أنا مع تسيير القوافل التي تسمّى (SNj) ..) ( أنتَ مع معركة الرأي العام ) (الرأي العام مع الدولة، وليس مع النظام..) (برأيكَ، لم يعرف الرأي العام ماذا يجري في حلب، لحدّ الآن..؟! – لا………… ).. يركّزون على ما يحصل في حلب. يُطالبُ المُحاوِرُ أن يحكي أهل “حلب” عمّا يجري في مدينتهم.. كي لا ندَع للقنوات المُغرِضة تشويهَ الواقع.. هذه مسألة تراكُميّة.. (كلّ إنسان الآن داخل سوريا، هو مُقاتِل.. هو عُنصُر صمود..) (حلب، الآن مُحاصَرة..).

 (نسبة القنْص على بعض الأتسترادات 90{844ffa2143412ea891528b2f55ebeeea4f4149805fd1a42d4f9cdf945aea8d4e}.. هل يسألُ القَنّاصُ: هذا مُوالي.. وهذا مُعارض..؟! ) (هم يريدونَ قَتْلَ الحياةِ في سوريا.. )

كلّ هذا ممّا يجري من حِوار على شاشة (الفضائية السورية) بين المُذيعة، والمُحاوِر.. السيد (طارق…)

_________________________________________________________

    اليوم، يا أمي، أحضَروا جُثمانَ الشهيد البطل العَقيد (نضال محمد غانم سلمان) سمعتُ من بيتنا – بيتكم – أصواتَ الرصاصِ الناعي..

كنتُ قد طلبتُ تاكسي من بيتكم –بيتنا – صباحاً، وذهبتُ إلى المركز الثقافي، لأحضِرَ رواية (قصّة موت مُعلَن) للكاتب الكولومبيّ المعروف (غابرييل غارسيّا ماركيز).. انتظرَني السائق، حتى أحضَرْتُ الكتابَ من مكتبةِ المركز، ثمّ أقَلّني إلى عيادةِ صديقتي.. وصَلتُ قبلَها بعِدّة دقائق.. كانت الساعةُ حوالي التاسعة والنصف صباحاً.. كانت تنتظرُها مَريضة.. وكانت مُتعَبة، وعليها أن تذهَبَ إلى المَشفى، لأنها مُناوِبَة.. شربتُ عندها كأساً من الشاي الأخضر، كنتُ قد أحضَرْتُ وَرقاتَهُ الخضراء معي.. اتصَلَتْ معي الغالية (يارا) بنت أخي، وطلبتْ مني أن أحضَرَ إلى بيتهم، لتراني وأراها.. أمس، حَضَرَتْ من (دمشق) إجازة لعِدّة أيام.. فطلبْتُ تاكسي مرّةً ثانية، وطلعتُ إلى بيتهم..

كانَ أخي موجوداً هو و (يارا) وأختُها وزوجُها.. زوجتُه كانتْ في تشييعِ الشهيد (رحمهُ الله)..

أمس، كنتُ أنشُرُ الغسيلَ غربيّ البيت.. ناداني زوجي:

-يتكّلّمونَ معَكِ من (دمشق)..

-مَن..؟!

-تقولُ أنّ اسمَها (ميساء يونس)..

-المُذيعة..؟!

-لا أعرف.

استفسَرْتُ منَ المُتصِلة :

 – هل أنتِ المُذيعة..؟!

قالت : – نعم..

أخبَرَتني أنها تقدّمُ برنامَجاً اسمُهُ (وَقفة مع كتاب) يقَدَّمُ عَبْرَ (إذاعة صوت الشعب) فقط، في رمضان، الساعة الثامنة والربع مساءَ كلّ يوم.. وهو برنامَجٌ جديد، يهدفُ إلى المُساهَمةِ بتشجيعِ الناسِ على القراءة.. وأنها أخذَتْ رقمي من ابنةِ صديقتي، التي عَرّفَتها عليها زميلتُها..

فاخترْتُ كتاب (داغستان بلدي) للكاتب الداغستانيّ المَحبوب (رسول حمزتوف) لكنني – في اليوم التالي – عندما اتصَلَ بي المُخرِج (حكمت الشيخ بكري) كنتُ قد استبدَلتُهُ برواية (قصة موت مُعلَن) للكاتب الكولومبيّ (غابرييل غارسيا ماركيز).. لصغرِ حَجم الرواية.. ولسهولة استعادةِ أحداثِها، ولأهَمّيتِها أيضاً..

_________________________________________________________

      واستُشهِدَ (أحمد)…

أخبَرَتني زوجةُ أخي، على الهاتف..

بكيتُ.. بكيتُ…

نزلتُ إلى عند أهلهِ، وزوجته، التي كانت تجلسُ على سريرِهِما المُزدَوج، وفي حُضْنِها طفلةٌ صغيرةٌ، لا أظنها أكمَلتِ العامَين.. وفي السريرِ الصغيرِ، إلى جانبها، طفلةٌ أخرى حديثةُ الولادة..

هل رأيتَ طفلَتَكَ الثانية، يا أحمد..؟!

لا أظنّ، يا حبيبي..

اتصَلْتُ على رقمِكَ الخَلَويّ.. يرنّ.. يرنّ.. يرنّ…. ولا مُجيب…….!!

أينَ ترقُدُ الآنَ يا أحمد..؟! في بَرّادِ أيِّ مَشفى يا حبيبي..؟! (تشرين العسكري) في دمشق..؟! أم في (إبن النفيس) الذي تعمل فيه أختُكَ كمُمَرّضة..؟! اتصلتُ بها.. أجابَتني ابنتُها.. قالتْ أنهم في (المريقب).. لم أرَها عندما ذهبتُ هذا الصباح إلى بيتكم ياغالي.. رأيتُ إخوتَكَ أمامَ بابِ الدار.. وبعض شباب القرية.. دخَلتُ البيت، أو، البيوت المبنيّة حديثاً.. آآآآآآآآآآه……!! كم كانَ بيتُكم بائساً، يا أحمد..!! آه…………..!!

لكن.. بعدَ أن اشتغَلتُم في (الخليج)… أحضرتَ بعضَ المال.. واشتريتَ سيارةً شاحنةً صغيرةً كُحليّةَ اللون.. واشتغلتَ بأعمالِ البناءِ، والدّهان.. إلى أن استطعْتَ إكمالَ بناءِ بيتِكَ الصغير، ياغالي.. وعندها قرّرْتَ أن تتزوّج.. أحبَبْتَ فتاةً بسيطةً فقيرة من (شريجس) وعندما أخبرتَني بذلك، أرسَلتُ لها معكَ بعضاً من رواياتي، لتقرأها.. لكنّكَ أخبرتَني أنها لا تهوى القراءة.. قلتُ لك : المهمّ أنني أهدَيتُها لها لأنها تحبّكَ، يا أحمد.. وكنتَ قد أوقَفتَ سيارتَكَ الشاحنةَ بعْدَ القريةِ بقليل، كنتُ نازلة سيراً على الأقدام إلى السوق.. قلتَ لي: تفضّلي.. كم كنتُ سعيدَةً برؤيتِكَ ياغالي..!! سألتكَ إن كانتِ السيارةُ لك، فأخبرتني أنكَ اشترَيتَها، ومازالَ عليكَ الكثير منَ الدّين، لكنكَ تعمل بالدّهان، لتؤمِنَ باقي ثَمَنَها، وتكملَ بناءَ بيتِكَ الصغير.. وأخبرتني أنكَ تحبني جداً، وأنكَ لا تنسى كم كنتُ لطيفةً معكَ، في طفولتِك.. ترَحّمنا على الغالية (فَهيمة) أختكَ التي كنتَ ترافقُها دائماً، كأنكَ قِطٌّ صغيرٌ يرافقُ صاحبتَة.. وضحكنا.. أنزلتَني في السوق.. وحلّفتني إنِ احتجتُ شيئاً من السوق (الشيخ بدر) أو، احتجْتُكَ لأيّ شيءٍ بإمكانكَ عمَله ( -أمانة.. لا تترَدّدي في طلَبي.. أنا بالخدمة.. اعتبريني ابنَكِ..).. لي الشرَف، ياغالي..

حبيبي.. يا أحمد.. ألله يرحم روحَك يا حبيبي..

دَعَوتُ اللهَ أن تكونَ استُشهِدْتَ فوراً، دونَ أن يخطفوك، ودونَ أن يُعَذّبوك، ودونَ أن يجرَحوا جَسَدَكَ الغَضّ الطريّ الجميل، يا أحمد.. تمنّيتُ ألاّ تكونَ قد تألّمْتَ قبلَ استشهادِك..

آآآآآآآآآآخ.. يا أحمد…!!

 أمّكَ البائسة المريضة العجوز الهزيلة الشاحبة، كانت تجلسُ على يمينِ بابِ بيتهم الصغير الحديث، المُقابل لبيتكَ المُشابه، من جهة الشرق (الرّوَيسة).. عَزّيتُها، وأنا أبكي بمَرارةٍ حارِقة.. كانت عدّةُ نساءٍ تجلسُ في غرفةِ زوجتك، التي تطلبُ ألاّ نعزّيها ( أحمد لم يمتْ.. لا.. لا.. ما مات.. لا تعزّوني.. أرجوكم.. لا تعزّوني.. سوف يحضرُ الآن.. والله أنا لا أستطيعُ العيشَ بدونه.. والله.. والله.. لا أستطيعُ العيشَ بدونِه…….) وتهزّ الطفلةَ في حضنِها، والوَليدَةُ تنامُ في سريرِها الصغير…

كان في الغرفة، أيضاً، بعضُ النسوة.. قالت لي إحداهُنّ : أنتِ التي كنتِ تعزّيننا، وتقوّيننا يافاطمة..!! فأجَبْتُها : والله أحبهُ جداً.. والله أحبهُ جداً..

سألتُ عن أمّكَ وأخواتِك.. أخبروني أنهنّ في بيتهم المقابل لبيتكَ، على بُعدِ أمتار قليلة.. بحثتُ عن أختكَ المَفجوعة (نجوى) كانت عيناها محمرّتان.. مَذهولتان.. غير مُصَدّقة.. قبّلتُها، وضَمَمتُها.. عَزّيتُها، وقلت : (يا أللــــــــه..!! بعدَ كلِّ دعائِنا له..؟! ) أستغفرُ اللهَ العليّ العظيم..

دَقّت لي الغالية صديقتي، وهي قادمة من قريتهم، لألاقي لها إلى أمام بيت أهلي.. لتصطحبني معها بسيّارتها إلى حيثُ أكتبُ هذه السطور (عيادتها).. قبل قليل، أذاعوا نبأ استشهادِكَ ياغالي، من مئذنة جامع (الشيخ بدر) مُعلنينَ أنّ مَوعِدَ دَفنِكَ غير معروف..!! وقبل حوالي نصف ساعة مَرّتْ جنازةُ شهيدٍ آخر من (برمانة المشايخ) قرية (مجبر).. والآن، تقرأ الدكتورة على الفيسبوك نبأ استشهادِ شابٍّ آخر من قرية (برمانة رعد).. رحمكم الله أجمعين.. وألهَمَ أهلكم ومُحبّيكم الصبرَ الجميل…

ودااااااعاً…. يا أحمد…..

في الطريقِ إلى هنا، رأيتُ مجموعةً من شبابِ القرية، ومنهم أخاك، يحفرونَ لكَ القبر..

آآآآآآآآآآآخ….. الحمد لله…

(كلُّ مَن عليها فان. ويبقى وَجْهُ رَبّكَ ذو الجلالِ والإكرام )

قبل ظهر الأربعاء 22 رمضان المبارك/31 تموز 2013م

_________________________________________________________

أخبَرَتني زوجة أخيك، ونحنُ نسيرُ مع مئاتِ المُشَيّعين والمُشيّعات خلفَ جنازتكَ ياغالي، أنكَ اتصلتَ بأخيك، وأخبَرتَهُ أنكم مُحاصَرون، وأنّ عَددَ القتَلةِ المجرمين كبير.. طمأنكَ أنهُ لا بُدّ أن تأتيكم نجدة.. لكنكَ أخبرتَهُ أنّكم قِلّة.. والمجرمون كثُر.. ويهجمونَ بهَمَجيّةٍ كبيرة.. وأخبرتَهُ أنّ عليكَ كمية من الدَّينِ هنا، وكمية من الدَّين هناك.. أوصَيتهُ أن يوَفّيها عنكَ بعدَ استشهادِك.. وأن يهتمّوا بطفلتيكَ، وزوجتكَ الصغيرة.. قالت أنّ أخاكَ أخبَرَهم أنهم كانوا يهاجمونكم من تحتِ البناية، إلى أعلاها.. حيث كنتم في الطابقِ الثالث من المبنى.. وأنهم أصابوكَ من خاصرتكَ صعوداً نحوَ كتفك، أو رقبتك، عبرَ صَدركَ الطريّ ياغالي.. هل أصابوكَ في القلبِ، يا أحمد..؟! هم عصابات إجرامية مُدَرّبَة بشكلٍ عالي.. دَخلوا هذا الوطنَ الأغلى (على غَفلةٍ، أو على خيانة ) وقال أنّ فريقَ النجدة التي قدِمَت إليكم، سَحَبوكَ، وأسعَفوكَ تحتَ وابلِ القَنص، إلى (مشفى المزة العسكري)، بعد أن بقيتَ تنزفُ ربما لساعات، قبل أن يتمكنوا من الوصولِ إليك.. وأنّ زميلَكَ (من وادي العيون) كان قد التقطَ جهازكَ الخلوي بعد إصابتك، وأخبَرَ أخاكَ أنّ إصابتكَ طفيفة، لكنهُ بعد قليل، عاد وأخبَرَهُ أنكَ استُشْهِدتَ ياغالي..

فجرَ يومِ الأربعاء الثلاثين من تموز 2013م

حِرمانٌ في الحياة.. ثمّ حِرمانٌ مِنَ الحياة، يا أحمد…!!

دفنوكَ اليوم يا حبيبي بعد الظهر بقليل..

رحمكَ الله.. إلى جِنانِ الخُلدِ، أيها البطل..

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك