تخطى إلى المحتوى

يتابع موقع بانوراما طرطوس نشر رواية (إلى اللقاء يا أمي)….للأديبة فاطمة صالح صالح المريقب- الجزء العاشر

12313668_920207128067256_2597888237955078668_n-204x30011أغوصُ في تلك الأعماق، مسافاتٍ متفاوتة.. واتساعات مختلفة.. أو انفراجات.. تبدو هناك أشكالٌ واضحة.. وأخرى غائمة.. وبعضها بين النور والظلمة.. ظلالٌ، وأعشاب.. شمسٌ، وغيوم.. مطرٌ، وجفاف.. بردٌ، وقيظ.. حربٌ، وسلام.. و، بين بين.. ضياعٌ، ووجود………………….
هاهي ملامحُ شيخٍ جليلٍ، يعتمرُ لبّادةً، على رأسه، تدلّ على مرتبةٍ دينيةٍ رفيعة، يتنقلّ على دابّتهِ بين القرى المتناثرة على أكتاف تلك الجبال.. بهمّةٍ عالية.. وإحساسٍ جسيمٍ بثقلِ المسؤولية.. وبالواجب المترتّبِ عليه، في تلكَ الظروفِ العصيبة.. يرافقُ الشيخ، رجلان قويّا البُنية، إلى حَدّ ما.. يقطعان معه الدروب الضيقةَ.. المُحَصّاة.. والمُتربة.. والمُعْشبة.. وأحراش السنديان، والبلوط، وشجيراتِ الريحان (الآس )، التي تبدو فوق أغصانها الحانية، بعضُ حبّاتِ الآس (حنبلاس ) الخضراء… والتي يميلُ بعضُها إلى البياض…. يتغذّون منها ومن ثمر السنديان العتيق (الدوّام ).. حين يعضّهم الجوع.. وتبعُد المسافة بين القرى المقصودة..
على الشيخ مَهَمّاتٌ كثيرةٌ.. سيؤدّيها على أكملِ وجهٍ، قدرَ المُستطاع.. كما فعلَ آباؤهُ، وأجدادُه.. لم تكنْ تثنيهم عن أداء الأمانات، والقيامِ بالواجبات.. أيةُ ظروفٍ.. مهما قسَتْ.. أو، سهلتْ.. هي الأمانة، التي عجزتْ عن حَمْلها الجبال…!! فكيفَ يحملونها دون أن يسلّموها إلى أصحابها على أكملِ وجه..؟! ناكرينَ ذواتهم.. مُكتفينَ بالحَدّ الأدني من حقوقهم المادّية، من هذه الدنيا الفانية..
إنني أراهُ يركبُ دابّتَهُ، ويقطعُ الأحراشَ، والجبالَ، والوديان.. يرافقهُ اثنانِ من أتباعِهِ، يحرُسانه من الأعداء.. فقد كانَ قَتْلُ العُلماءِ أهَمّ عندهم بكثير من قتل الناسِ العاديين (العَوامّ ).. كان كلّما وصَلَ إلى قريةٍ،أو مزرَعَةٍ صغيرة.. يحيطُ بهِ الناسُ بالكثيرِ من السرّية.. يحاولونَ كَتْمَ خبرِ وصوله عن الناسِ البسطاء، خوفاً من إفشاءِ سعادَتهم، فلا يستطيعونَ إخفاء شعورهم بالأمان، والقوة.. والحماية.
هاهو ينزلُ عن (البغلة ) بقنبازهِ الأبيضِ، المُخَطّط بخيوطٍ من القصَبِ اللامع، مفتوح الجانبين من أسفلِ الكاحل، إلى منتصفِ الساق.. يظهرُ تحتَهُ (شنتيانهِ) القطنيّ الأبيض.. يتوكّأ على عصاهُ القويّة.. يسوّي (اللبّادة ) البيضاء التي تحيطُ برأسهِ، تتوسّطها من الأعلى دائرةٌ حمراء.. يُحَيّي المُستقبِلينَ، بصوتٍ خفيض.. يُدْخِلُهُ بَعضُ الرجالِ، (المَضافة).. بينما يقودُ أحدُ الحارسَينِ الدابّةَ، ويربطها بأحَدِ الأوتادِ، خلفَ جُدران صَمّاء. يُهرَعُ أحدُهم ليسقيها بدَلوٍ مَعدنيّ، للتوّ أحضَرَهُ من النبعِ القريب.. ثمّ يخلطُ بعضَ (التبنِ)، ببعضِ الشعير، ويديرُها فوقَ (المَعلف) أو (الجّرْفة) الخشبية.. ينتظهرها حتى تشبع.. ويحرُسُها (متل عين الرّمْدانة).. ويعتني بالسّرْجِ المُثبّتِ فوقَ ظهرها، وجَيبيهِ، من الجانبَين..
وحينَ يُنهي الشيخُ مَواعظَهُ، ويُلقي على الناسِ (العامّة) أو (العوام) بعضَ علومه.. ويستمع – بكلّ اهتمام – إلى أهَمّ المشاكل التي يعاني منها الناسُ هناك.. ويُفتي لهم بأكثرِ الحلولِ الملائمةِ لها.. ويقرأ مع بعض الرجال الآخرين الموثوقين، فاتحةَ الشباب الراغبين بالزواج (على سُنّةِ اللهِ، ورسوله ).. ويعقِدُ قرانهم على الفتياتِ اللاتي قبلنَ بهم أزواجاً.. ولا ينسى – بعدَ أن يدفعَ لهُ البعضُ زكاةَ أمواله – أن يوزّعها على أكثرِ الناسِ فقراً، وأكثرِهم حاجةً.. لأنهُ يُعتبَر بمثابة (بيت مال المُسلمين).. عندها – وبنفسِ السرّيّة – يخرجُ الشيخُ مُحاطاً بالرجال.. وبسرعةِ البرق، يركبُ (بَغلتَه) وينزلُ مع الحارسَينِ، باتجاهِ قريةٍ، أو مَزرَعةٍ أخرى.. وعن قِمَمِ التلالِ المُحيطة، يخفرُهم أقوى الرجال، وأكثرُهم أمانةً، وثقة.. حتى يختفون عن الأنظار.. داخلَ الأحراشِ.. وبين أحضانِ الوديانِ، والتلال.
_________________________________________________________
في أحدِ الأيام.. عندما كان (الشيخُ العالِم) يزورُ قريتهُ التي وُلِدَ فيها، ليطمئنّ على أسرته، وجيرانه.. ناوَلَهُ أحدُ البُسطاءِ قطعةً دائريّةً بحجم كَفّ الرجل، من (التين المُهَبّل).. (هَبّولْ تين ).. قبلَ أن يودّعَ أهلَهُ وأبناءَ قريته، على أمَلِ العودةِ بين فترةٍ، وأخرى.. حين تسمحُ لهُ الظروف.. فهوَ لم يُهْمِلهم يوماً.. لكنّ تأخّرَهُ بالقدوم، كانَ بسببِ مَشاغِلِهِ الكثيرة في قرى أخرى.
كانَ يتقاسَمُ المناطقَ مع بعضِ العلماءِ الآخرين، المُتنوّرين.. لتشملَ رعايتهم كلّ الرعيّة.. لم يَنسَ أحدُهم – يوماً – الحديث الشريف (كلّكم راعٍ.. وكلّكم مسؤولٌ عن رَعيّتِه )..
استدارَتِ الفرسُ بسرعة.. ركَلها بكَعبيهِ رَكلَتين.. قبلَ أن تندفعَ مُسرِعَةً من تلكَ الساحة الواسعة أمام بيته الذي يتوسّطُ القرية.. حيثُ كانَ يجتمعُ أهلُ قريته، التي يشعرُ فيها بالأمان أكثرَ من أيّ مكانٍ آخر.. فالكلّ، إمّا أقارب.. أو جيران.. أو مَعارف.. أو أحباب.. والقريةُ بسيطةٌ جداً، على أيةِ حال.. فهيَ صغيرة.. وبيوتُها بائسة.. مثلها مثل أغلب القرى والمَزارع.. أثخَنَتهمُ الحروب.. وألّفَ بينهمُ الظلمُ الذي لم يستثنِ أحَداً منهم.. فبنوا بيوتاً من حجارةٍ، وطين.. متلاصقة.. يتخلّلُ القريةَ (زاروبٌ) بعَرضِ أربعةِ أمتارٍ، على الأكثر.. يتيحُ للناسِ الدخولَ إلى بيوتهم،والخروجَ منها.. من الجانبين.. ويصلُ (الزاروب) إلى تلّةٍ في آخر القرية من الشرق.. اسمها (الرّوَيْسة).. حيثُ يعتلي قِمّتَها مَقامَينِ لوَليّينِ صالحَين، يرقدانِ فيهما منذ مئات السنين.. مقام (الشيخ جمعة).. ومقام (الشيخ سلمان).. وهُما من أقدَم عُلماء، ومَشايخ القرية، والمنطقة.
جميعُ أهل القرية،يعرفونَ بعضَهم.. ويتعاوَنونَ فيما بينهم.. ويتكافَلون.. ونادراً ما يُعْرَفُ فيها مُراوِغ..
لم تبتعِد (البَغلةُ) كثيراً.. كانت قد قطَعَت تَلّتينِ، أو ثلاث.. ولم يكنِ (الشيخُ العالِمُ) قد أكَلَ أكثرَ من نصفِ (الهَبّول)، حينَ شعَرَ بالمَغصِ الشديدِ، والدّوار.. وبالحاجةِ المُلِحّةِ للإقياء.. توقّفَ عن المَضْغ.. و بقدرةِ قادرٍ، توقّفتِ البغلة.. دَقّت بحافريها الأرضَ بقوّةٍ، وصهَلتْ، وفرائصُها ترتعد.. صهيلاً متواصلاً.. كأنهُ إنذارٌ بمُصيبةٍ عظيمة حَلّتْ براكبها، الذي نزلَ عن ظهرها مُتكئاً على كتفيّ مُرافقَيه.. ارتمى فوقَ الترابِ، وراحَ مافي أحشائهِ يخرجُ من أعلى ومن أسفل.. بلونهِ الأخضر المائلِ إلى السواد…
-ديروني على القِبْلة…
-دخيلك يا شيخ..!!
-ديروني…. ولا تتّهِموا أحداً..
-دخيلك يا (شيخ صالح) دخيلك يا سيدنا..!!
-إنهُ قضاءُ اللهِ، الذي لا رادّ لحُكْمه…. تماسَكوا… ولا تعاقبوه..!!
-فَعَلها (عَبّوس)..؟! أقسمُ أنني……….!
-لا… لاااااااااتفعلْ، ياأحمد….!! إنها مشيئةُ الله تعالى… وما شاءَ فعَل.. إنه القضاءُ المحتوم.
وأخذَ (الشيخ صالح) يصلّي، بما تبقّى لديهِ من قوّة.. ويقرأ الفاتحة.. ويتشاهد.. وجسدُهُ المُتهالكُ مُتّجهٌ إلى القِبلة… حتى غارتْ عيناهُ.. واصفرّ وجهُهُ النورانيّ، حتى صارَ بلونٍ التراب… كانتْ آخر كلماتهِ التي سمعها بوضوح مُرافقَيه.. (أحمد) و (علي).. وهُما يندبانِ سيّدَهما.. ويمسحانِ عرَقَهُ، ومفرزات جسَدهِ الرغويّةِ المدمّاة..
(أشهدُ أن لا إلهَ إلاّ الله.. وأشهدُ أنّ محمّداً رسولُ الله )
ارتجّتِ الأرضُ من تحتِ أقدامهما.. وصاحَتْ كلّ ديوكِ القرى، بصوتٍ واحد… و (دَقّتِ الخليلة )… ثمّ سادَ السكونُ الجليل..
عندما سمعَ الأهالي صوتَ الصهيل.. وعرفوا أنّ دابّةَ الشيخِ قادمةٌ نحو القريةِ، جامحةٌ.. وهائجة… لم يكنْ على ظهرها المُرتعِد سوى السرجُ الفارغ.. تنادَوا هَلِعين… واجتمعوا في ساحةِ القرية أمام بيت (الشيخ صالح) حيثُ وقفتِ الدابّةُ المهتاجة.. وراحت تضربُ الأرضَ بحافرَيها.. وصهيلها المُلتاع يخرقُ عِنانَ السماء.. ويوقظُ، حتى الصغار..
صاحتْ (أمّ صالح):
-راح صالح…….!!
صرَختِ الزوجةُ الحاملُ بطفلها الأول:
-لا… لااااااااا…. لااااااا…
لكنّ زوجة عمّها – حماتها- هدّأتها:
-الحمد لله يا ابنتي.. الحمد لله… ولا حولَ ولا قوّةَ إلاّ بالله العليّ العظيم..
_________________________________________________________
تمَسّكَ أهلُ القريةِ التي كانَ يقصدُها الشيخُ قُبيلَ وفاته.. تمسّكوا بجسمانه الطاهر.. وأقسَموا أن يدفنوهُ في أرضِ قريتهم، تيمّناً، وبرَكة.. ولم يُمانع أحدٌ من أسرته… فالشيخ الجليلُ لم يكنْ يعني فئةً دون أخرى.. أو عائلةً دون أخرى.. أو قريةً دونَ أخرى… إنه شيخُ الجميع.. وعَلاّمَةُ الجميع.. ورمزُ الجميع.. وبركةُ الجميع.. بعلمهِ الواسع الذي كان يخدمُ بهِ الجميع.. وبزُهدِهِ بمَتاعِ الدنيا الفانية..
أثناءَ تشييعِ الشيخ، اجتمعَ كلّ مَن استطاعَ السيرَ على قدَميهِ، من رجالٍ، ونساء، وأطفال.. دفنوهُ – في مَوكِبٍ مَهيب – تحتَ سنديانةٍ مُعَمّرَة.. كانَ قد أوصاهم ألاّ يقطعوها.. وأن يتركوا الأشجارَ التي حَولها تنمو، .. لتعودَ الخُضرةُ إلى تلكَ القِمّة، بعدَ أن أحالَها الجَرادُ، والقحطُ، والحروبُ إلى شبهِ موات.. وبنوا حولَ قبرهِ ( صندوقاً) من الحجارةِ البيضاء التي تفنّنَ الحَجّارون بزخرفتها، وتدويرِ أطرافها.. ونقشوا عليها (سورةَ الفاتحة) وأرّخوا بالشعرِ لميلادِ الشيخِ، ووفاته.. بالتقويم الهِجريّ.. ونقشوا اسمَ المؤرّخِ، أيضاً.. وصارَ مقامُ الشيخِ مَزاراً لكلّ مَن عرفهُ.. وكلّ مَن استفادَ من عِلمهِ، وخِدمته، وإنسانيّته.. ونكرانهِ لذاتهِ.. وتفانيهِ في خِدمةِ الآخرين.
هُرِعَ أحدُهم، يحملُ سكّيناً، ويحاولُ أن يغرزها في قلبِ مَن أعطى الشيخ العلاّمةَ (هَبّول التين).. لكنّ الآخرينَ رَدَعوه.. ألم تكنْ وَصيّةُ الشيخِ لهم، ألاّ يُعاقِبوا الفاعِل..؟! كانَ متأكّداً أنهُ إنسانٌ بسيط.. وأنّهُ أعطاهُ التينَ، بمُنتهى صفاءِ النيّة.. لكن.. من أينَ جاءَ بالتينِ المسموم..؟! واعترفَ (عَبّوس) أنّ قريبَهُ (الإقطاعيّ) الذي يأتمرُ بأمرِ أسيادِهِ الغرباء.. هو الذي طلبَ منهُ أن يناولهُ للشيخ.
وعلى مدى عقود.. صار السنديانُ ينمو، ويكبر، ويزدادُ اخضراراً، دونَ أن يَمَسّوه بأذى.. ظلّ – كما خلقه الله- شجراً طبيعياً.. وشكّلَ غاباتٍ كثيفة متداخلة الأغصان.. ساهَمَتْ بالتوازنِ البيئيّ.. تنشرُ أشرعةَ خضرتها، لتُمتعَ الناظرين، وتثمِرَ (الدّوّام) الذي كانوا – في المَجاعات – يطحنونهُ، ويمزجونَ طحينَهُ بالماء، ويخبزونَ منهُ أرغفةً ليأكلونها.. ويتفيّؤون ظلالَها أثناءَ الراحةِ من الحَرّ الشديد، عند عَودتهم من أعمالهم الشاقّة.. أو يختبئون في أدغالها من الأعداء.
وكم مرّةٍ، حَلُمَ بعضُهم أنّ (الشيخ) يعاقبُهُ عقاباً شديداً، لأنهُ تجرّأ على قطعِ غصنٍ من أشجارِ (الوقْف).. مُخالفاً وَصيّةَ (الشيخِ العالم).. الذي أتيحَ لهُ الحصولُ على الكثير من العلوم والمعارف، لم تُتَح لل (عَوام ) منهم..!! وكم كانَ يسخرُ منهُ الآخرون، ويبقى موضعَ شماتتهم، لاستباحَتِهِ الحُرُمات..!!
صارتْ قِمَمُ الجبالِ مُزدانةً بمساحاتٍ واسعةٍ من الأشجار.. وأغلبها من السنديانِ المُعَمّر.. وصارَ يؤمّ المزارات عَدَدٌ كبيرٌ من الناس (الزوّار).. ليتبرّكوا بالأولياء.. ويطلبوا الدعاءَ والإستغفارَ والشفاءَ والرحمةَ والنصرةَ على الأعداء.. بل، وشفاءَ العُقم.. واستعادَة الأشياء المفقودة.. والإعتراف بالخطايا.. وطلب المغفرة والسّترَة.
صارَ مقامُ الشيخِ مزاراً للبائسين، المُستضعَفينَ من رَعيّته.. ومن باقي الرعايا.. وحتى من إخوانهِ العلماء….كان الإخوانُ يبكونَ فقدانَ كنزٍ من كنوز الوطنِ، والمنطقة.. وأخاً لهم وسنداً.. والرعايا صاروا يبكونَ حاجَتَهم إليه، ويعتبرون خسارته، خسارةً لهم مادّية، ومعنوية.. فمازالوا بحاجةٍ إلى المزيدِ من الدعمِ، والحماية.. والعدلِ، والإهتمام.. كانت تنقصهم أغلبُ حاجاتِ معيشتهم.. كما ينقصهم تنظيمُ هذه الحاجات.. والتوزيع العادل للثروةِ الشحيحة المتبقيّة والمُنتزَعة من قِبَلِ الأبطالِ المؤمنين الصابرين المتفانين الشجعان.. من أفواهِ المُعتدينَ الفاغرة..
_________________________________________________________
أسلافُهُم، كانوا أيضاً، في زمَنِ المَجاعاتِ، والجَرادِ، والقَحْطِ، قد أفتَوا بتحْريمِ أكلِ أنثى الحيواناتِ، للحِفاظِ على الأرحامِ، التي ستَلِدُ لهمُ المَزيدَ منَ الرؤوس.. وبذلكَ استطاعوا أن يكفَلوا المَزيدَ من مَصادِرِ الطعامِ، والكِساءِ، وغيرَ ذلكَ من حاجاتِ مَعيشتهم.. وكلّما لا حَظوا أنّ نوعاً من أنواعِ الحيواناتِ البَرّيّةِ، أو الطيورِ، قد قَلّ تواجُدُهُ.. وخافوا من انقراضه.. كانوا يُسارِعونَ بالإفتاءِ بتحريمِ صَيدِهِ، أو أكلِ لَحْمِه.. فيكفَلونَ بذلكَ دَرَجَةَ من دَرَجاتِ التوازُنِ البيئيّ، الضروريّ للحياة، ولنظامِ الكونِ البَديع..
(عَبّوس) وأمثالُهُ، كانوا يستجيبونَ لمِثْلِ هذهِ الإفتاءاتِ، والقوانينِ الوَضْعيّةِ، الظّرْفيّةِ، بشكلٍ بَبّغائيٍّ، قاطِع.. كانوا مَحْدوديّ الفهمِ، ويتّبِعونَ أقوالَ فُقَهائهم، وعُلَمائهم، ومشايخِهمُ الثقاة.. بشكلٍ تلقائيٍّ.. لأنهم يثقونَ بهم ثِقَةً مُطلَقة، ومتأكّدونَ أنهم لا يُفتونَ بأمرٍ، إلاّ ويكونونَ قد تأكّدوا أنهُ لمَصْلَحَةِ الجميع..
في مُناسَباتِهُمُ السّعيدة، والمُحْزِنة، كانوا يحتفِلونَ بها بالدّعْوَةِ إلى صَلاةِ الجَماعَة، التي تزيدُ من ترابُطِهِم، وتآلُفِهِم.. يؤدّونَها قَبْلَ أن يتناوَلوا أطايِبَ الطعامِ، الذي يَحْرِمُهُم منها العَوَزُ، والفاقَةُ، في الأيّامِ، والأشهُرِ العاديّة.. ولا يَسْمَحُ الفقهاءُ بتذَوّقِ لُقْمَةٍ واحدةٍ، قبلَ انقِضاءِ الصَّلاةِ، وتناوُلِ أحَدِ الشيوخِ اللقمَةَ الأولى، التي تُعْلِنُ ابتداءَ توزيعِ الطعامِ على العامّةِ، والخاصّةِ، من الناس، دونَ السّماحِ لجَشَعِ، أو لِشِدّةِ جوعِ أحَدِهِم، أن تجعَلَهُ يأتي على الكثيرِ منَ الطعامِ، وتَرْكِ البَقيّةِ جائعين، دونَ أن يحصَلوا على حِصّتِهِم وَحَقّهِم، كغَيْرِهِم..
وأثناءَ هذهِ المُناسَباتِ، الأعيادِ، أو المآتِمِ، أو، حتّى النذور، كانَ أحَدُ الثِّقاةِ يَجْمَعُ الزكاةَ منَ جَميعِ القادِرين، كلٌّ حَسْبَ طاقَتِه.. ويحتفِظُ بها حتى انتهاءِ الجميعِ من تناوُلِ الطعام.. ثمّ يَجْمَعُ العامّةَ، صِغاراً، وكِباراً، نساءً، ورجالاً.. ويوَزّعُ عليهمُ الزكاةَ، بالتساوي.. فتبلغُ حِصّةُ الشخصِ، حَسْبَ مِقدارِ الزكاةِ المَجموعة.. ولا بأسَ أحياناً، من أن يُمنَحَ الذينَ يقومونَ بأعباءَ أكبَر، نصيباً أكبَرَ منَ الطعامِ، ومنَ الزكاة.. فقُوّتُهُ، أو ضَعْفُهُ، ينعَكِسانِ مُباشَرَةً على المُجتمَعِ (الرّعيّة).. ولم يكنْ أحدٌ يعترِضُ على ذلك.. فهذا حَقّ.. ولمَصْلَحَةِ الجميع..
بَعْدَ انقِضاءِ الزكاةِ، كانتْ تُعْقَدُ حَلَقاتُ الدّبكَةِ، في المُناسَباتِ السعيدة.. وحَفلاتُ عُقودِ الزواجِ، التي أُجِّلَتْ حتى قُدومِ العيد.. فيكونُ العيدُ مَحَطّةً مِنَ الفَرَحِ، والرّاحَةِ مِنَ الأعباءِ المُضْنيَة، وبدايَةً جديدَةً، بَعْدَ استِعادَةِ الطاقَةِ المَفقودَة، بِهِمّةٍ أعلى، وتفاؤلٍ بالعيدِ القادِم..
وعندَ انحِباسِ المَطَرِ، كانوا يدعونَ ل (صَلاةِ الإستسقاءِ).. وكانَ الصّغارُ يتجَمّعونَ، ويَهتِفونَ معاً : (يا رَبّنا.. يا رَبّنا.. إبعَتْ مَطَرْ، لزَرعِنا.. هُمَّ الكِبار، مأذنِبين.. نحنا الصِّغار، شو ذَنبِنا.. ؟؟؟؟؟؟؟!)
فيشعُرونَ بِقِيمَةِ دَوْرِهم في المُجتَمَع، وبأنّهُم يُساهِمونَ معَ الكِبارِ، في استِعْطافِ السماءِ، لتَجودَ عَليهِم بكَرَمِها، وتُغيثَهُم بما لَدَيها مِنْ خَيْرٍ مُطلَقٍ، لا نَفادَ له..
بينما يجتمِعُ الكِبارُ في صَلاةٍ جَماعيّةٍ.. يتواصَلونَ بأرواحِهِمُ الخاشِعَة، معَ القوّةِ الخالقةِ المُطْلَقَة، روحِ الكونِ الكُلّيّة، الخالِقَةِ للأكوانِ اللامُتناهِيَة.. (ألله).. كي يَجودَ عليهِم مِن خَزائِنِهِ التي لا تَنضُب..
يستَعينُ كلُّ فَرْدٍ منهم، بمِقدارِ القوّةِ الرّوحيّةِ لَدَيه، بالوُصولِ إلى أعْمَقِ نُقطَةٍ مُمكِنةٍ في روحِ الكونِ المُطلَقَةِ القُدْرَة، مُتَبَرّئاً من أغلَبِ الأخطاءِ التي ارتَكَبَها، بِعِلْمٍ، أو بجَهلٍ، أو نتيجَةَ التّسَرّعِ، والإنشِغال، دونَ استعمالِ العقلِ، إلى أقصى طاقَتِه.. فساهَمَ بالإخلالِ بنظامِ الكونِ البَديعِ العادِلِ الجميلِ المُتَوازِن.. وكانتْ إحدى نتائجِ هذا الخَلَلِ، أو الشّطَطِ، انحِباسُ المَطَر.. وبِقَدْرِ ما يُفلِحونَ في تجميعِ طاقاتِهُمُ الرّوحيّةِ الخَيّرَة.. وبِقَدْرِ صِدْقِ، وشَفافيَةِ صَلاتِهِم.. تكونُ الإستجابَةُ، التي قد تتأخّرُ إلى حين.. وقد تستَعْجِل.. فيَعُمَّ الفرَحُ الجَميع.. ويُقيمونَ صَلاةَ الشّكْر..
_________________________________________________________
ظلّ الناسُ في تلكَ المنطقة، ينظرونَ إلى (عَبّوس) نظرةَ احتقار.. ويضمرونَ لهُ الكثيرَ من الضغينة.. بعضُهم لم يصدّق أنّهُ كانَ مُغَفّلاً إلى درجة أنه لم يعرفْ أنّ قريبَهُ (الإقطاعيّ) لم يكنْ ليطلبَ منهُ (إهداءَ ) الشيخِ العلاّمة، طعاماً لذيذاً.. فقد كانتْ بينهما شبهُ قطيعة.. فالشيخُ ينظرُ بارتيابٍ كبيرٍ للذينَ يتقرّبونَ من الأعداء.. صحيحٌ أنهُ لم يحاولْ إيذاءَهم مرّةً.. ولا التحريضَ عليهم.. لكنه كانَ يحذرهم.. ويتغيّرُ لونُ وجهِهِ بشكلٍ كُلّيّ، لدى رؤيةِ أحدهم، أو حضورهِ مع عامّةِ الناس، الذينَ كانَ لزاماً عليهم خِدمتهم.. وكانَ يعرفُ أنّ الأعداءَ يقدّمونَ لهم كلّ الإغراءات للتعامُلِ معهم.. فيمنحونهم من الأراضي التي يحتلّونها، فدادينَ عِدّة.. على حسابِ بقيّةِ المواطنين.. وعند زراعتها، كانوا يشغّلونَ فيها (العامّة) الفقراء.. فلاحة.. زراعة.. تعشيب.. حفر.. جني المحاصيل.. حصاد.. دراس.. تربية الماشية.. وغيرها من الأعمال المشابهة.. وكثيراً ما كانَ (الإقطاعيّ) يختارُ مَن يشاءُ من نساء الفلاحين، أو بناتهم.. عزباء، أو متزوّجة.. ويضمّها إلى أملاكه.. ومرّةً لا حَظتْ إحدى نساء أحد (الإقطاعيين ) أن مالكها يتطلّعُ إلى مضاجعةِ إحدى الفتياتِ الصغيرات الجميلات.. فأمرَ بإحضارها إلى بيته.. ولم تكنْ قد بلغتْ – بعدُ- سِنّ الحيض.. فتعهّدتِ المرأةُ باستلامِ الطفلة.. وتنظيفها.. وتزيينها.. وتهيئتها لفراشه.. لكنها شاغَلتهُ عنها بحِجَجٍ مختلفة.. فكانتْ تخبّئ الطفلة.. ليس لأنها تخافُ أن يتزوّج عليها.. فهذا تحصيلُ حاصل.. ولكن، كي تجنّبَها الألمَ النفسيّ، والجسديّ.. والعذابَ الروحيّ الذي عانتهُ هي، عندما امتطاها، وطرَحَها أرضاً.. وفَضّ عُذريّتَها بوَحشيّةٍ مُرْعِبة، قبلَ أن تنالَ رضاهُ.. فيضمّها إلى زوجاته.
وأفلحَتِ المرأةُ إلى حَدٍّ كبير.. مارَسَتْ عليهِ لعبةً، استطاعتْ من خلالها أن تُبْعِدَ الفتاة.. وألآّ تجعلهُ يُقارِبُها، إلاّ بعدَ أن جاءها المَحيض، وانتظمتْ دَورَتُها الشهرية.. علّمَتها كيفَ تتصرّفَ كي ترضيه، دونَ أن تؤذي نفسَها.. وأن تحصَلَ منه على ما تريد، دونَ أن تغضِبَه.. كأنها أمٌّ توصي ابنتَها، وتحرصُ على تجنيبها أكبرَ قدْرٍ من الآلام والمُعاناة.. وكانَ ذلك.. عاشتِ الضرّتانِ، كأنهما صديقتان.. تتعاوَنانِ على الحياة.. وتحتالانِ على الزوج.. لتكونا زوجَتيهِ المُفَضّلتين، في ذلك البيتِ الكبير، المليء بالزوجاتِ، والأطفال.
_________________________________________________________
لولا تعقّل ذوي (الشيخ العلاّمة) لكانَ الناسُ قد قضوا على (عَبّوس).. الذي ظلّ حائراً، غيرَ مقتنعٍ أنهُ هو الذي قتَلَ الشيخ.. فقد كانَ يحبّهُ جداً.. وأرادَ أن يُفاخِرَ أمامَ بقيّةِ أهلِ القرية، أنهُ أهدى الشيخَ تيناً.. وأنّهُ تقبّلَهُ منهُ بكلّ امتنان.. بل، وبدأ يأكلُ منهُ قطعةً قطعة، قبلَ أن تستديرَ الفرَسُ، ويُغادِرَ الساحة..
لكنّ هذا التعقّل، لم يمنعْ العائلة والمُريدين من أخذ المزيدِ من الحذرِ من (عَبّوس) وعائلته.. ومن التوجّسِ منهم ومن أفعالهم.. وإلاّ كانت (مُسامَحتُهم ) لهم، حَماقةً، وجَهلاً.. قد تفتحُ البابَ أمامهم للمزيدِ من الأفعال الغبية وغير المسؤولة.. التي قد تتسبّبَ بالمزيدِ من المآسي..
_________________________________________________________
لم تتردّد زوجةُ (الشيخ صالح) أن تسمّي ابنها البكر باسمِ أبيه الذي لم يُتِحْ له القدَرُ أن يراه.. فقد وَلَدتهُ بعد وفاةِ أبيهِ بعِدّةِ أشهر..
_________________________________________________________

عندما قرّرَ (أبي) الغالي.. (صالح سليم صالح صالح) السفرَ إلى الأرجنتين ليتزوّجكِ، يا أمي.. اجتمَعَ أهل القرية (المريقب) في بيتِ عمّك (الشيخ سليم صالح صالح) لتوديعه.. سهروا طوال الليل.. بعضُهم يوصيهِ بأن يسلّم له على قريبهِ في (ماركا) ويخبرهُ أنه بحاجة إلى مساعدة مادّية إضافية مُلحّة.. وهذا يرسلُ معهُ (خلعة) من المزار، وتراباً مقدّساً إلى أقاربه المغتربين هناك.. لتحرسَهم من كلّ شرّ.. وبعضهم يُرسِلُ لأخيهِ ( أبياتاً من العتابا ) مُرتَجَلة.. يبثّهُ فيها أشواقَه.. ويشرح لهُ حالَ أهلهِ، وحال الوطن في غيابه..
لم يكنْ أغلبُهم يعرفُ أنّ (ماركا) واسعة جداً.. وأنهُ ليسَ كلّ مَن غابَ، واغترَبَ، يسكنُ في (ماركا).. بل، ربما كان أحدُهم في مدينة، أو قرية أخرى من الوطن (سوريا) هاجرَ بحثاً عن عمل يكسب منه الرزقَ الحلال.. أو أنّ (تركيا) أو (فرنسا) قد اقتادتهُ مع مُرتزَقتها من باقي مُستعمَراتها، إلى مكانٍ آخر.. ليبيا – مثلاً- أو..!! أو..!! لتجنّدهُ وتستخدمهُ ليحاربَ باسمها ولمصلحتها ضدّ البلد الذي تستعمره… و انقطعتْ أخبارُه عن أهله من يوم أن اعتقلتهُ القوّات الغازية واقتادته من بيته، إلى ثكناتها العسكرية، ثم إلى معسكرات التدريب.. ثم.. إلى مستعمراتها.. ونادراً ما كان أحدهم يستطيعُ الهربَ، أو العودة إلى وطنه.. كان أغلب أهل القرية والمنطقة يعتقدون أنّ كلّ من غاب لمدةٍ طويلة، هو في (ماركا).. التي تنبعُ ذهَباً، ومالاً….!!
كان أبي سعيداً جداً بهذا الوداعِ العفويّ.. الذي خَفّفَ عنهُ وطأةَ تحمّلِ ذلكَ الليلِ الثقيل.. الذي – لولاهم- لكانَ طويلاً جداً.. فكانَ – بينَ فترةٍ، وأخرى – يُمازحُ حفيدَ (عَبوس) بشَتمِهِ لجدّهِ:
(- ألله يلعن جدّك.. اللي قتَل جَدّنا )..
فيحمَرّ وجهُ الحفيد.. ويضحكُ مع الآخرين.. لكنّ أبي لا يلبثُ أن يُلاطِفَهُ أخيراً.. ويربُتَ على كتفهِ، أن.. لا تفهمها إلاّ مزاحاً..
وعند طلوع الفجرِ، وَدّعهم أبي.. فرداً.. فرداً.. بالقبلات، والعِناق، والدموع.. وبرجاءِ الدعاءِ لهُ بالسلامة، والتوفيق..
حَمَلَ أغراضَهُ البسيطة.. وسافرَ محفوفاً بالدعاءِ، والقلقِ، والرجاء.. والأمل.
****************************************
(مارْدينكْ.. ماردا…. وأهلا بشباب ماركا… ) من أهازيجهم الشعبية، عند عودةِ بعضِ الشبابِ من بلاد الإغتراب..
(تاروح لسراية طرطوس.. وعيّطْ : يا سلمان.. شْباكْ..؟! ).. عندما يغلبُ الشوق والقلَقُ والحاجة إلى تواجدِ ودَعْمِ بعض المغتربين من الأهل .. مثل (سلمان) الذي يتغيّر اسمه عند مناداة مغترِبٍ آخر..
****************************************
عندما وَدّعَ جدّي (الشيخ سليم ) ابنهُ البكر (صالح ) أوصاهُ عدّة وصايا.. كان أهمّها ثلاث وصايا.. من ضمنها، ألاّ يتحزّب.. ويبدو أن الأحزاب التي كانت تتشكل وتحكم في تلك الفترة، لم تكن تلبّي طموحات جدّي الشيخ المجاهد – ونهاه – أيضاً – عن التعصّب الطائفيّ.. كان يعاني – كمجاهد – و بطل… كما يعاني جميع الشرفاء، ممّا ترَكَهُ المستعمر، العثمانيّ، ومن بعده، الفرنسيّ، بعد خروجهم من الوطن سوريا، من عصبيات طائفية، ومذهبية، وعِرقية.. كبديلٍ مَحَلّيّ لهم.. فاستعمرونا من خلال (الفتنة ) التي أشتعلتْ نيرانها في النفوسِ الجاهلة، والصغيرة..

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك