تخطى إلى المحتوى

يتابع موقع بانوراما طرطوس نشر رواية (إلى اللقاء يا أمي)….للأديبة فاطمة صالح صالح المريقب- الجزء الحادي عشر

12313668_920207128067256_2597888237955078668_n-204x300111كانتْ عمتي (نَدّة) ترغَبُ بأن تستزيدَ من تعَلّمِ الخياطة.. فطلبَتْ من أبي أن يرسِلَها إلى دمشق، من أجلِ ذلك.. حيثُ كان عمي (علي) يدرُسُ في الجامعة.. سَكَنَتْ مع أخيها.. كانتْ تحكي لنا أنها لم تكنْ تجرؤ على إظهارِ هُوِيّتِها الحقيقية.. كانتْ تذهبُ كلّ يومٍ إلى بيت الخَيّاطة التي تُعَلّمُ عدّةَ بناتٍ.. تتبادَلنَ الأحاديثَ المتنوّعة.. كانتْ تجفَلُ عندما يتحدّثنَ بسُخريَةٍ عن أبناءِ الريف.. ويضحَكْنَ على سَذاجَتِهم، وتخَلّفِهم.. ويستغرِبْنَ لماذا لا تُشارِكهُنّ (ندى) الأحاديث.. كانتْ عمتي تكتفي بالقليلِ من الكلمات.. كي لاتُعْرَفَ من لَهجَتها.. فيَصِفنَها بالمهذّبة، والهادئة، والخجولة.. كانتْ تدّعي أنها من (مدينة طرطوس).. أحَبّتهُنّ، وأحْبَبْنَها.. وظلّتْ تذكُرُهُنّ بالخير.. إلاّ من التكَبّرِ على الرّيفيين.. وعلى أحاديثِهِنّ السطحية في المجالاتِ العامة.. سألتْها مُعَلّمَتُها، أينَ تسكن.. فأجابَتْها ببساطة، أنها تسكنُ مع أخيها.. فاستغرَبنَ الأمرَ، واستنكَرْنَ.. وحَذّرَتها إحداهُنّ أن تغسُلَ ثيابَ أخيها الداخليّة، مخافةَ أن تحبَل….!!!! وقد حَدَثتِ الكثيرُ من الحوادثِ المُشابهة….!!!!
_________________________________________________________
كانتْ عَمّتايَ (نَدّة) و (آمنة) وعمتي (سميرة) بنت خال أبي (الشيخ عبّاس)و بعضُ صَبايا القرية، يقُمْنَ بأغلَبِ أعمالِ الحقول.. ولا داعي لأعَدّدَها الآن.. لكنْ، أرَدْتُ أن أقول، أنّهُنّ بعدَ كلّ تعبهنّ اليوميّ.. من الصباح، حتى المساء.. كُنَّ يَجِدْنَ الوقتَ للخياطةِ، والتطريزِ، وتعَلّمِ القراءةِ، والكِتابة، التي حُرِمْنَ منها.. بينما حَظيَ بها إخوتهنّ، وأترابُهُنّ الشباب..
حتى وَصَل الأمرُ بهنّ إلى دَرَجَةِ أنهنّ أصبحنَ يقرأنَ كلّ ما يقعُ بينَ أيديهِنّ من روايات.. وأشعار.. عن ثوّار فلسطين.. وثوّار الجزائر.. (جميلة.. جميلة……… إلخ) في كتابٍ يتغنّى بالمناضلة الجزائرية (جميلة بوحيرد).. و الأناشيد الوطنية والقومية والحكايات الإنسانيّة.. كتب التاريخ.. من روايات وغيرِها.. تسردُ أحداث التاريخِ العربيّ في كلّ العصور.. ويحكينَ لنا – نحنُ طلاب وطالبات المَدارس – أحداثاً تاريخيّةً.. وأشعاراً للمتنبّي.. وأبي تمّام.. و أبي نواس.. والبُحتري.. وأبي فراس… والخنساء… و… و… و….. لم نكنْ نعرفُ عنها سوى القليل.. أو.. لا شيء..
وكلّ قراءتهنّ كانت على ضوءِ (البَصبوص) أو (الضّوّ ) الزجاجيّ ذي الفتيلة التي تمتصُّ الكيروسين، وتوقَدُ بالكبريت..
وكنّ يستمِعْنَ، باهتمامٍ، إلى كلمات الأغاني العاطفية وغيرِها، من المذياع الصغير في غرفتهنّ الخاصّة.. وقَبلها، في (بيت الشرقي) حيث كنتُ أنامُ مع عمتي (نَدّة) في نفس السرير المعدنيّ المُفرِد.. وعمتي (آمنة) تنامُ على سَريرٍ خشبيٍّ، تستندُ ألواحهُ المُسَطَّحَة على أربعةِ قوائمَ من الحَجَرِ، والخَشَبِ.. تجلسُ عليهِ، في السهرات، كلّ الصبايا الساهراتِ عندهُنّ بشكلٍ يوميّ.. ويتناقَشنَ في معاني كلمات الأغاني… ومرّةً كُنّ يستمعنَ إلى (أم كلثوم) في قصيدةٍ جميلة… منها (ياحَبيباً زرتُ يوماً أيْكَهُ..) لم تعرفْ أيّ منهنّ ما مَعنى كلمة (أيْكَهُ) فأرسَلنَ (عمتي سميرة) إلى بيتهم.. (بيت جدي عباس) الذي كانَ مَرجِعاً في اللغة.. لتسألَ أباها، وتأتيهنّ بالمَعنى الحقيقيّ للكلمة… وجاءَتْ مُسرعةً في تلكَ الليلة، تحتَ جُنحِ الظلام.. لتدخل البيت، وتخبرَهنّ بفرَحٍ غامر.. أن (الأيك) يعني (الشّجَر الكثيف، المُتداخِل).. وانتقلتْ فرحَةُ الفوزِ بالمَعرفة، إلى باقي الصبايا.. ومن كثرةِ الضحِكِ، سقَطَ (التختُ) الخشبيّ بهِنّ.. ورِحْنَ يضحكنَ.. يضحكنَ.. كل تلكَ السهرةِ الجميلة.. قبلَ أن تعودَ كلّ صَبيّةٍ إلى البيت، وتنامَ، لتستيقظَ في الصباح الباكر.. إلى الأعمالِ الشاقةِ، المُعتادَة..
ظُلِمَتْ تلكَ الصبايا كثيراً..
لم يتعلّمنَ في المدارس.. ولم يقبل أترابُهُنّ من الشبابِ المُتعَلّم، أن يقترِنوا بهِنّ.. وفَضّلوا عليهنّ الصبايا المُتعلّمات.. مع أنهنّ أصغر منهم بعقدٍ، على الأقَلّ..
_________________________________________________________
عمتي (فاطمة) تزوّجَتْ من ابنِ خالها (كامل عباس أحمد) بعدَ عودَةِ أبي من الأرجنتين، بقليل.. إبن عمتي البِكْر (محمد) كانَ يصغرني بأقلّ من عامَين.. رحِمَهُ الله..
عَمّتايَ (نَدّة) و (آمنة) كانتْ لهما غرفة من بيتنا الطينيّ الذي بناهُ أبي على أنقاضِ بيوتِ أعمامِهِ الثلاث.. كنّا ندعوها (أوضة عَمّاتي).. كانت تقعُ في وسطِ سلسلةِ الغُرَفِ الأخرى.. من الغرب في حائطٍ مُشتَركٍ مع بيت (يوسف محمد عباس) (أوضة الغربية) في آخرِها دَرَجٌ نطلعُ بواسطَتِهِ على السطح.. وتحتَ الدّرَجِ، توجَدُ ثلاثة مَواقِد، مبنيّة من الحجَرِ والطينِ، من الجانبَين.. يوضَعُ (الدّسْت) أو (الجْعيلة) أو الطناجر النحاسية، مختلفة الأحجام، فوق المَواقِد.. وتطبخُ نساءُ العائلةِ فيها، البرغُل.. والمَخلوطة.. والقمحيّة.. والمِقلي، الذي هو عبارة عن مجموعة من الخُضار البلديّة، مع الزيت، وأحياناً اللحم.. لحم الدجاج، أو الحَجَل، أو دَجاجة الحِرش.. وغيرُها من الطيور.. وفي المناسَبات، يسلَقُ فيها لحم العجول، أو الخراف.. وقد يُقلى بعضَ السّمَك الذي كان يُحْضِرُهُ الأصحابُ، والمُحِبّونَ، من (نهرِ البَلّوطة).. أهل (كفريّة) و (شريجس).. وكانتْ أمي تغلي الثيابَ التي تريدُ غَسلَها، في (جعيلة) أو (برميل) خاصّ، فوقَ تلكَ المواقِد.. ثمّ تضعُ كُرسيَّينِ صغيرَينِ أمامَ البيت، تضعُ (طشطَ) الغسيل فوقَ إحداها.. وتجلسُ على الأخرى.. وتبدأ الدعْكَ، بعدَ أن تبَرّدَ الماءَ المغليّ، من (الخابية) الكبيرة الموضوعة خارجاً، والتي تُملأ بالماءِ من عيونِ القرية الشحيحةِ الثلاث، وتُغَطّى ب (صِدرٍ) من الألمنيوم، فوقهُ (طاسة) نحاسيّة، أو (كال).. وهي مُخَصّصَة للغسيل، ولسقيِ الدوابّ، والدجاج.. ورَشّ أرضِ البيتِ الطينية، قبلَ كَنسِها.. كي لا يَتصاعَدَ الغُبار.. كانَ مَربَطُ الدوابِّ الصيفيّ على يمينها، وهي مُتّجِهَةٌ نحو الشرق.. يليهِ من الجنوب، (الدّار) الذي لهُ بابٌ واحد.. كنّا نقضي فيه حاجاتنا.. تستُرُنا جُدرانُهُ الأربعة، عن الخارج.. وكانَ خُمُّ الدّجاجِ الكبير، قربَ (الدارِ) من الشمال.. خَلفَهُ (الصّيرِة) المصنوعة من أغصانِ الشجَرِ المِطواعة.. تُزرَبُ فيها العنزاتُ، والغنمات، ويغلَقُ با بُها عليها، وهو عبارة عن عِدّة قِطَعٍ من الخشَبِ المُتقاطع.. المُثبّتِ بمَسامير.. تفتَحُهُ جَدّتي (أم صالح) بعدَ غروبِ كلّ يوم، حينَ تُجمَعُ الحيواناتُ من المراعي، وتُزرَبُ في (الصيرة) بعدَ أن تسقيها كلّها.. وتبدأ بحِلابَةِ إناثِها، بعْدَ أن ترخي عليها صِغارَها لترضعَ ما يكفيها، ثم تحلبُ الباقي.. لتغليهِ أمي.. وتسقينا منهُ، وتُرضِعَ منهُ إخوتي الرّضّع، بعدَ تمديدِهِ بالماءِ، وتحليَتِهِ بالسّكّر.. ويشرب كل مَن يريد من حليب البقر والغنم والماعز.. والباقي يُرَوّبُ ليُصبِحَ لبَناً، في اليومِ التالي، فيوضَع كما هو في الطنجرة، تحت (المْكَبِّة) المصنوعة من أغصان الآس (الريحان) إلى وقتِ الحاجة.. تأكُلُ العائلة، والضيوف منه.. ويوضَعُ باقي اللبَن، في جَرّةٍ فَخّاريّةٍ (خَضَّة) لها أذُنانِ جانبيتانِ، وفتحَةٌ صَغيرَةٌ من الأعلى (بَزّولِة).. يُضافُ الماءُ إلى اللبَنِ غيرِ المَقشود، ويُغلَقُ فَمُ (الخَضّة) بقماشةٍ قطنيّةٍ سميكَةٍ، ذات لونٍ فاتِح (السِّفّة) وتُثَبّت بالمطّيط، حولَ فمِ ال(خَضّة) عِدّةَ دَورات، يُدعى هذا المطّيط (عْدار).. تُمسِكُ (مَرتْ عمّي أم يحي) أو (ستّي أم صالح) بأذُنَيّ (الخَضّة) بعد أن تُغلِقَ الفتحة الصغيرة في الأعلى، بعودٍ صغيرٍ، في مُقَدّمَتِهِ قماشٌ فاتحٌ نظيف.. وتبدأ الخَضَّ المُتواتِر.. خَضّة إلى الأمام.. وخَضّة إلى الخلف، فوقَ (جلد الخروف) المُجَفَّف.. أو قماشٍ سَميكٍ مَرِن.. وكلّما تكاثَفَ الهواءُ داخِلَ (الخَضّة) وانتَفَختِ (السّفّة) توقفُ جَدّتي الخَضَّ لعِدّةِ ثواني، تفتحُ خلالَها الفتحة الصغيرة (البَزّولة) في أعلى (الخَضّة) ليَخرُجَ الهواءُ المَضغوط.. ثمّ تغلقهُ، وتتابِعُ الخَضّ.. وعندما يُصبِحُ صَوتُ اللبَنِ المَخضوضِ، ناعِماً، توقِفُ الخَضّ.. وتمسِكُ قَشّةً، أو عودَ توتٍ، رَفيعاً، نظيفاً.. وتدخِلُهُ من (البَزّولِة) ليَغرَقَ في اللبَن.. ثمّ تُخرِجُهُ ببطءٍ، وحِرص.. فإن خرَجَتْ على العودِ، أو القشّةِ، حُبَيباتٌ منَ الزّبدَة.. تكونُ عَمَليّةُ الخَضِّ قدِ انتَهَت.. أما إذا كانتِ الحُبَيباتُ ناعِمة، فيعني ذلكَ الحاجَةَ إلى المزيدِ منَ العمَل.. تُنزَعُ (السِّفّة) عن فمِ (الخَضّة) ويُدلَقُ اللبنُ المخضوضُ في طنجرةٍ نحاسيّةٍ كبيرة.. فتتجمّعُ حُبَيباتُ الزبدَةِ فوقَ اللبنِ، الذي أصبَحَ (عِيراناً).. تغسِلُ جَدّتي يديها جيّداً، قبلَ أن تجمَعَ الزّبدَةَ براحَتيها، وتجمّعَها لتُصبِحَ كَلَوحٍ، أو دائرة.. تضعُها في صحنٍ، ثمّ يشربُ مَن يحبُّ (العيران).. خصوصاً عند المرَض، أو العَودَة من (الحَصيدة) الحَصاد.. ويُرفَعُ باقي (العيران) مع بعضٍ الملحِ، فوق النارِ، حتى يبدأ الغلَيان.. عندها، يُرفَعُ عنِ النارِ، ويُترَكُ حتى يبرُدَ، ويُصَفّى بكيسٍ قطنيٍّ أبيضَ، ثمّ يُكبَسُ بحَجَرٍ، أو أيّ شيءٍ ثقيلٍ، يوضَعُ فوقَ الكيسِ، حتى يتخلّصَ من أغلَبِ مائهِ، ويتحَوّلَ إلى (قَريشِة)..
مازلتُ أذكُرُ، يا أميَ الغالية.. عندما كنتِ تطلبينَ منّي أن أقِفَ قُربَ (الغاز) أنتظر حتى يبدأ (العيرانُ) بالغليان، فأطفئُ تحتَه.. كنتِ توصينني ألاً أتركَهُ يغلي.. لأنهُ لايَعودُ صالحاً بشكلٍ جيّدٍ، ليتحوّلَ إلى (شنكليش).. ولا أن أطفئ النارَ تحتَهُ قبلَ أن (يَفسَخَ) من وَسَطِه.. لنفسِ السّبَب…
وكم كنتِ تَسعَدينَ عندما أريحُ يدَيكِ المتعبَتَينِ، من (فَرْكِ) (القريشَةِ) مع قليلٍ من المِلحِ، حتى (تَلِجّ) تتماسَكُ ذَرّاتُها وتصبحَ ناعمةَ المَلمَس..!! فنحوِّلَها إلى كُراتٍ دائريّةٍ مَضغوطَةٍ بعِنايَة، ونضَعها فوقَ طَبَقٍ منَ القَشِّ، فوقَ قماشٍ منَ (اليانِسِ) الناعِم.. ونعرِّضَها لأشعّةِ الشمسِ، مُدّةً أنتِ تقدّرينها.. بعدَها، ننزلها عن السطحِ، وتضعينها في (قطارميز) مَرطَباناتٍ زجاجيّةٍ، تغلقينهاجيداً.. وتتركينها في مكانٍ مُظلِمٍ من البيت.. وبعدَ شهرٍ، أو أكثر.. يبدأ سَطحُ الكُراتِ، بالتعَفُّنِ، دَليلاً على أنّهُ يتخمّر.. وعندما يتحوّلُ سَطحُ الكُرَةِ، بالكامِلِ، إلى عَفَن.. تُخرجينها من القطرميز، تغسلينها بالماءِ النظيفِ جيداً.. وتقشطينَ عنها العَفَنَ كُلّياً، بواسطةِ سكّينٍ صغيرة.. ثمّ تغمرينها بالزعترِ البَرّيِّ المطحون… عندها تكونُ قد أصبَحَتْ (شَنْكليش)……
_________________________________________________________
-نقرأ…؟!
-طبعاً، نقرأ….!!
-يا الله…..
( كان الندى يتلألأ في ضوء القمر، الذي يخاصر طفولة الفجر.. وعادل يستمتع بمنظر الأعشاب المندّاة .. كأنها لآلئ أرضية ساحرة ..
الجو رطب ، وساكن .. إلا من أصوات محاريث ، واجترار ثيران ، وأصوات فلاحين : (- تاحْ .. تاحْ ..).. تحث الثيران على التقدّم في الثلم ، بهمّة ٍأكبر..
– أمي .. أمي .. إنه ( دود العصمَلّي..)..
– لاتدعَسْ فوقَه.. ولا تخَرّب بيتَه ..
– أيّ بَيت ..؟! هذه الخيوطُ العنكبوتيةُ تسَمّينها بيتا ً..؟!
– لا تتوَلْدَن.. لم تصِلْ سِنَّ الرجالِ، كي تتصرّفَ مثلهم.. وتخالفَ النساء..
وأمسكت العصا من يده ، عندما رأته يهمّ بتخريب ذلك النسيج الرقيق الذي نسجته فوقها تلك الديدان ذات الشعر الأسود..التي لا تعرف أم عادل .. ولا غيرها .. كيف لها أن تدرك أن شباط قد أتى .. لتظهر فوق التراب.. وعلى الأعشاب الندية.. تتكاثر، وتفقس بيوضها.. وتبدأ دورة حياتها مع زهر الزيتون ، والزعرور، وبراعم التين ، والتوت ، والرمان ..
وحيث يبدأ موسم تقليم دوالي العنب ، قبل أن تسري فيها الحياة من جديد.. ويسيل فيها النسغ ، قُبَيْلَ التبَرْعُم ..
ها هو النهر يغني أناشيده العذبة ، هادرا ًكصوت (نصري)..أو (فهد بَلاّن )، أو (أبي صالح ) ..
فاضَ قبلَ أيام .. وجرَفَ معهُ بيتَ عائلةٍ كانتْ تسكنُ جوارَهُ في تلك المَزرَعةِ التي تطلُّ عليها قريةُ (السورالأخضر) منَ ارتفاع عِدّةِ كيلو متراتٍ شمالا ً.. تغفو بيوتُها الطينيةُ في أفياءِ أشجارِ الحَورِ، والسنديانِ ، والجَوزِ، والدّلبِ ، وعرائشِ الدّوالي ..
ذلك النهرُ، دائمُ الجريان.. صيفا ً، وشتاء ً.. ينبعُ من جبالٍ شرقيةٍ بعيدة.. مكسوّةٍ أغلبَ أيامِ الشتاءِ بالثلوجِ ، والجَليد.. يثورُ عندما تزدادُ غزارةُ الأمطار.. في كانون .. أوفي آذار.. حينَ يبدأ ذوبانُ الثلوج .. يجرفُ كلَّ ما يُصادِفه.. ويغمرُ البراري القريبةَ من مَجْراه .. والأراضي المزروعَةَ بالخُضرَة ، والحمضيات .. والزيتون..
يتجهُ نحوَ الغرْب .. إلى مصبّهِ، في البحرِ الأبيضِ المتوسط ..
قربَ مدينةِ ( طرْطوس) منَ الشمال ..
كان الليمونُ الحامضُ ، يتواجدُ- فقط – في المزارعِ الصغيرةِ التي تسكنها بعضُ العائلاتِ على ضفّتيّ نهر ( البَلّوطَة).. كان الأهالي يشترونَ مؤونتَهم من تلكَ الثمارِ، ويخزّنونها في الترابِ الأبيضِ ( الحَوّار).. حيثُ تَحميها ذرّاتُهُ الجافةُ منَ التعفّنِ ، طيلةَ أيامِ السنة..
أغلبُ رجالِ تلكَ المَزرَعَة ، كما أغلبُ رجالِ المزارِعِ والقرى الأخرى في تلكَ المنطقة .. كانوا يذهبونَ للعمل في (لبنان).. بشكلٍ موسميّ ..حيثُ أنّ المواسمَ لا تكفي حاجاتِ مَعيشتهم.. وتعليمِ أبنائهم في المدارسِ البعيدة.. .. بعد أن ينهوا أعمالَهم في أراضيهم الجبليةِ التي تنزلق فيها التُّرْبَةُ نتيجةَ الأمطارِ التي تبدأ التساقطَ فوقها من حوالي منتصفِ أيلول .. حتى تصلَ إلى أقصى ذروَتها في كانون الثاني .. وتبدأ بالتناقصِ تدريجيا ً.. حتى شهر آيار.. فيبنونَ المُدَرّجات .. ليمنعوا التربةَ الجبَلية منَ الإنزلاق .. ويزرعونَ فيها مواسمَ الحنطةِ والشعيرِ والكرسَنّة والجلبانة والفول والذرة الصفراء .. وأشجار الزيتون والتين والرمان وعرائش العنب التي يحمّلونَ أغصانَها المَرِنة ، على قاماتِ السنديانِ أو البلوطِ أو البطم أو الخَرْنوب (الخَرّوب ).. كانت أنوعُ العِنَبِ التي تُزرَع في تلك المنطقة ، هي / الدّعْبيلي / و/ السّوديني / و/ قلب الطير / و/ صيباع العاروس / ..
أما أنواعُ التين .. فكانت / القطّيني / ذو اللبِّ الأبيضِ ، والشكلِ الدائريّ.. و / الرّمْلي / ذو اللبّ الأحمَر.. والشكل البيضاويّ.. والذي ينضجُ قبلَ غيره .. و/الشمّوطي/ ذو الحجمِ الكبيرِ،واللّبِ الأحمر.. و/ الحمْريني/ ذو اللبّ الأحمرِ الغامقِ و المائل إلى الاستدارة .. و/ الشّبْليوي / .. و/ الجِلْديني / ذو القشرةِ السّميكة .. والذي ينضجُ بشكلٍ متأخّر .. وتستطيع ثمراتُهُ ذاتُ اللبِّ الأحمرِ ، أن تصمَدَ حتى بدايةِ موسمِ الشتاء.. و/ الشتوي / ذو اللبِّ الأحمر.. الصغيرِ الحجم .. الذي ينضجُ متأخِّرا ًجدا ً.. حتى أنكَ ترى ثِمارَهُ الصغيرةَ الحَجْمِ في كانون.. تختالُ على رؤوسِ الأغصانِ التي تكادُ تخلو منَ الأوراق ..
لم يعرفوا زراعةَ التفاحِ ذي الحجم الكبير/ الشامي/ وأنواع الحمضيات.. إلا بعدَ أن تواصَلوا مع العالم الخارجيّ الأوسَع .. والأقربِ إلى جبالهم .. أو هوَ امتدادٌ لها .. (لبنان ).. تلك القطعة التي اقتُطِعَتْ من جَسَدِ الوطنِ الكبيرِ، كما اقتُطِعَ غيرُها .. عندما تكالبَتْ عليها وتضارَبَتِ المصالحُ الاستعماريّة .. تكالُبَ الوَحْشِ على الفَريسَةِ الثمينة .. فجعَلوا منها مِزَقا ً .. تقاسَموها بينَهم .. والأمّةُ الضعيفةُ ماتزالُ تئِنُّ تحتَ ضرَبات الغزاةِ، منذُ قُرون .. فزرَعوا – بالإضافة إلى البرتقال / البلدي / الذي كان يُزرَعُ في مدينة / طرطوس/ أنواعا ً منها .. مثل / اليافاوي / نسبة إلى مدينة يافا في فلسطين المحتلة.. و/ أبو صرّة / و/ اليوسفي / وكعب الفرس/ و/ الماوردي/.. ومؤخرا ً زرَعوا / الكريفون /.. وغيرَه……..
كانَ التفاحُ البَلَديّ الصغيرُ الحَجْم اللذيذُ الطعْم .. يُزرَعُ في المناطقِ المُرتفِعَةِ، منذُ أمَدٍ طويل .. ولم يكنْ يحتاجُ إلى تَقليمٍ، أو رشٍّ بالمُبيدات .. بل كانَ ينمو على شَكْلِ أشجارٍ تشبهُ الأشجارَ الحِراجيّةَ، في تُرْبَةٍ بِكْرٍ، وعلى جبالٍ بِكْرٍ، لم يستطعْ أيُّ غاز ٍ، أو مُستَهْتِرٍ أن يفضّ بكارَتها .. وأن يَنتَزِعَ منها شَرَفَها .. أو أنْ يُطوِّعَها لتُصبِحَ عَبْدَةً إلاّ لِخالِقِها..
رجالُها ، ونساؤها .. الأشدّاءُ على الظالمينَ الطامعين .. والرُّحَماءُ بينهم .. وعلى جميعِ الناسِ والخَلْق .. ماعَدا المُعْتَدين .. عَصيّونَ على التّدْجين ..
هُويّتُهُم :
( وإنّا لَتَرعى الوَحْشُ – آمِنَة ً- بنا … ويَرْهَبُنا – إن نَغْضَبِ – الثَّقَلان ِ )..
كثيرونَ منهُم كانوا شعراءَ صوفيّينَ، أو عُشّاقا ً بارِعِين .. يخجَلونَ منْ إبداءِ مَشاعرِهِم للمرأةِ المَعشوقَةِ، فيتغزّلونَ في أشعارِهِمْ بالمَرْأةِ الرّمْز .. نادرا ً ماكانَ الرّجُلُ منهُم يتزوّجُ إلاّ امرَأةً واحدةً أحَبَّها، وأخلصَ لها حتى المَوت.. إخلاصَهُ لهذهِ الأرضِ، ولانتِمائِهِ لهُويّتِه ..
أمّا المَرْأةُ العاشِقَة .. فكانتْ أيضا ً تخجلُ مِنْ أنْ تَتَغَنّي بالرّجُلِ الحَبيب .. فتصوغُ مَشاعِرَها تجاهَهُ على شَكْلِ أغان ٍ عِذابٍ .. تتَفَنّنُ في طبَقاتِها الصّوتيةِ، في كلِّ مَرّةٍ يَغلبُها الحَنينُ إلى الحَبيب .. تُرَدِّدُها في الأعراسِ، والأعيادِ، وعندَ زيارَةِ الأولياءِ الصالِحينَ، في أعراسٍ جَماهيريّةٍ لها طُقوسُها السّنَويّةُ الجميلة .. أو عندَ استقبالِ المُغتَرِبينَ العائِدينَ منْ بلادِ المَهْجَر ..
تماما ً كما تفعَلُ عَصافيرُها .. كطيورُ السّمّان .. والدّرغلّ .. والحَجَل .. والقُبّرات.. وأبو الحِنّ .. وعصفور الدّوري .. والتَّكْتوكِة .. والوَرْوَر .. ودَجاجَة الحِرْش.. والسنونو، الذي يعبُرُ تلكَ الجبالَ في مواسِمِ هِجْرَتِهِ السَّنَويّة .. يُغريهِ الجَمالُ، وتجذبُهُ الرَّوْعَة .. فيَحطُّ الرِّحالَ في وِديانِها وفوقَ جِبالها .. ويتنَقّلُ على أغصانِ أشجارِها .. يُغازِلُ طيورَها.. يُبادِلُها تحيّةَ الحُبّ .. قبلَ أن يعودَ إلى مَوطنِهِ الأصليّ .. لكنْ، بَعْدَ أنْ يتركَ بَصْمَة ً جميلةً في أماكنِ استراحَتِه .. و وَعْدا ً صادِقا ً بالعَوْدَةِ مِنْ جَديد ..)
{ – هل ياترى .. أطلقوا اسمَ / وادي وَرْوَرْ / على ذلك المكانِ الذي وقَعَتْ فيهِ / مَعْرَكَة وادي وَرْوَرْ / الشهيرَة، لأنّ ذلكَ الوادي كانَ مليئا ً بطائرِ الوَرْوَرِ، الذي لمْ نعُدْ نراهُ الآن ..؟!
– هلِ الوَرْوَرُ طائرٌ مَحَلّي ..؟!
– عرفتُ عنكَ معلومَة ً إضافيّة ً أيّها المُتَخَفّي ..
إذن.. أنتَ لسْتَ مِنْ هُنا ..؟!
– لايَهمّ .. إنّني إنسان ..
– وهلْ سَألتُكَ شيئا ً لاتريدُ أنْ تُطلِعَني عَليه ياسَعْدو ..؟!
– أبدا ً ..
غَنّتْ (حَبيبَةُ ) في تلكَ الجَلْسَةِ، وهيَ تَضَعُ رأسَ (سَعْدو ) فوقَ فَخذِها، وتداعِبُ خُصُلاتِ شَعْرِهِ المُتشابِكَة :
/ غَطّ الوَرْوَرْ عالتّينِة
وهَرْهَرْ وَرَقْ تسْريني ..
وعان القلبْ يالعاروس ..
بَعْدِكْ مين يسَلّيني ..؟!/
– كيفَ تحفظينَ كلَّ هذهِ الأغاني ..؟!
– وكيفَ لا أحفظُ هُويّتي ..؟!
_________________________________________________________
أما طيور الحُوم، فكانتْ تعبُرُ تلكَ الجبالَ بكثيرٍ منَ الجَلال .. في طقسٍ مَوسِميّ جَماعيّ .. يتنادى أهلُ المنطقةِ ليَسْعَدوا معا ً بمنظرِ هذهِ الطيورِ الجميلةِ التي تعبرُ سَماءَهُم كلَّ عام.. متّجِهَة ً منَ الجَنوبِ إلى الشّمال .. مُشَكِّلَة ً تنظيما ً لا أبْدَعَ ولا أجْمَل .. لها قائدٌ .. يطيرُ في مُقَدّمَة الجَميع .. هوَ الرأسُ في ذلكَ التشكيلِ المُثَلّثيّ .. يطيرُ الرّتلُ المُتناسِقُ، بنظامٍ جَماعيّ فِطريّ .. يُخفِضونَ، ويَرْفعونَ أجنِحَتَهُم بنَفسِ الوقت.. أو يوازِنونَها بشَكْلٍ أفُقيّ.. يَنعطِفونَ معا ً أيضا ً .. أو يحطُّ السّرْبُ، ليستريحَ منْ عَناءِ الطيَرانِ، فوقَ إحدى القِمَم .. دونَ أنْ يخِلّ أيُّ طائرٍ بذلكَ التناسُقِ العَجيب ..
كانَ الناسُ فيما مضى .. يجزمونَ أنّها عندما تَدورُ عِدّةَ دَوْراتٍ، قبلَ أنْ تستريحَ على القِمَم .. إنّما تزورُ المَزارَ الموجودَ على تلكَ القِمّة ..
أما / القاق / فقد كانوا يتفاءَلونَ عندَ سَماعِ صَوتهِ، أو يرَوْنَ تحليقَهُ في سَمائِهِم.. إذ أنّ ذلكَ يَعني أنَّ المَطرَ قادِم .. وعلى وشكِ الهُطول ..
فيُهْرَعونَ إلى / عَرْجَلَةِ / الأسطحِ ب / المْعَرجلينِة / تلكَ المِحْدَلَةِ الصغيرةِ التي يحضنها – بكِلتا يَدَيه – قوسٌ من الحديدِ المَبْروم .. تلتقي كَفّاهُ الخَشَبيّتانِ فوقَ خَصْرِها منَ الجانبين .. يسحَبُها جيئَة ً وذهابا ً، عِدّةَ مَرّاتٍ، منَ / الشّرّافِ / إلى / الشّرّافِ/ المُقابِل، أحَدُ سُكّانِ البيتِ، بهِمّةٍ، ونشاط .. لترْدمُ أغلبَ شُقوقِ السّطحِ الطينيّ .. وتمنعَ تسَرُّبَ / الدّلْفِ / إلى داخلِ البيوت .. أو – على الأقل – تخَفّفَ منه ..
كم كانت/ حبيبةُ/ الطفلةُ، تشعرُ بالأمانِ، عندَ سَماعِها لأصواتِ نقراتِ / الدّلْفِ / على أرضِ الغرفةِ الطينيّة.. !! لكن أمّها كثيرا ً ماحَرَمَتها تلكَ المُتعَة .. بأن تضعَ تحتَ / الدّلْفَةِ / وعاء ً قديما ً ليتلقّاها، قبلَ أنْ تُحْدِثَ حُفْرَة ً في / السّيباط /..
_________________________________________________________
الأسماكُ، لم تكنْ تُعرَفُ إلاّ منْ مَصْدَرٍ وَحيد .. هوَ الأنهار..
كانتْ تُصادُ، واحِدَةً، واحِدَة.. بحِرْفيّةٍ مُتقَنَةٍ، باليَد.. أو بطُعوم ٍ بَلديّةٍ، وبعضُها من حَبّاتِ (الحَوْز) .. لكن بَعَدَ أنِ اطّلَعَ الأهالي على العالَمِ الخارجيّ، واشتَغلوا عُمّالا ً في (لبنان ).. عَرفوا كيفَ يَحْصَلونَ على السَّمَكِ بشَكْلٍ آخرَ، عنْ طريقِ ضَرْبِ / الدّيناميت / الذي يَقتلُ السّمَكَ الصّغيرَ، والكبير.. ممّا قَلّلَ منْ كَميّةِ السّمَكِ في ذلكَ النّهر .. إلى أن خَرَجَ قانونٌ لِحِمايَةِ الثرْوَةِ السَّمَكيّةِ، ومَنْعِ صَيدِها الجَماعيّ بالدّيناميت .. لكنّهُ كثيرا ً ماكانَ يُخرَق .. وكثيرا ً ماقطعَ الدّيناميتُ أيدي .. أو أماتَ رجالا ً حَديثيّ العَهْدِ بالتعامُلِ مَعَه ..
عِندما يَنتهي الصّيادونَ منْ صَيدِهِم، يَشُكّونَ رؤوسَ الأسماكِ بغُصنٍ منَ الرّيحان / الآس / .. بِشَكلٍ يُشبهُ المِغزَل .. ويعودون بها إلى بيوتِهم .. لتَقليها النساءُ بزَيتِ الزيتونِ، بَعْدَ تمْليحِها .. وتؤكلُ معَ أرغِفَةٍ منْ خُبْزِ (التّنّورِ ) المُكَوَّنِ منَ الحِنطةِ البَلديّةِ السّمراء ..)
-حلو يا أمي..؟! هل أسعدَكِ ما قرأت..؟!
-طبعاً.. إي والله.. جميلٌ جداً… طبعاً سُعِدت.. ذكّرتِني بالماضي الذي كنا نعيشه.. كتير كتير حلو.. ألله يطيّب عَيشك..
-عيني قلبك يا إمي… يا أحلى صديقة في العالم كله..
-يالطيف..!! هِيَ الحقيقة.. هل أقولُ سوى الحقيقة.. !! إي والله يا ابنتي حلو..
-أتعرفين..؟! ممكن أنّ أحداً يطرقُ الباب.. يمكن أحضَروا لنا الفريكِة..!!
-انظري.. يا ليت..! لقد جعْنا..
________________________________________________________
(-مرحبا..
-أهلا وسَهلا..
-تفضّلي..
-ألله يسلّم يديك…. تفضّل أخي..
-ألله يبارك فيكِ.. والله مشغول..
-ألله يعطيك العافية..
-لا أعرفُ إن كانت ستعجبكما..!!
-أكيد ستُعجِبنا. تسلم يداك..
-ويَداكِ.. صحة وهنا….
-ألله يصحّي بدنك… (المقلي ) ألا تأخذه..؟!!
-لا عليه… أرسِليهِ مع (أبو محمد ) إذا كانت معهُ السيارة..
-طيب.. ألله معك أخي..
-ألله يسلمِك يارب..)

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك