تخطى إلى المحتوى

يتابع موقع بانوراما طرطوس نشر رواية (إلى اللقاء يا أمي)….للأديبة فاطمة صالح صالح المريقب- الجزء الثاني عشر

12313668_920207128067256_2597888237955078668_n-204x300111-أمي.. هل أقرأ لكِ ماكتبَ الأستاذ خالد عن أبي، ألله يرحمه..؟!
-إي والله.. اقرئي.. عيني روحه… أخخخ.. وهل أشبعُ من ذِكره..؟!
-حتى ولو كنتِ قد قرأتِها عدّةَ مرات، سابقاً..
-إي والله.. حتى ولو قرأتُها.. وهل أستطيعُ أن أذكرَ منها، أو من غيرها شيئاً..؟! هه..
-طيب.. يا الله..

( وداعا للرجل الذي لم يكنْ عادياً (
خالد أبو خالد
تتعرف إلى ابنائه أولا ثم أحفاده فتحبهم ويحبونك .. تتعرف إلى ذويه وكل من يتصل به .. ولايختلف الحال المحتفل بالمحبة … وتكتشف فيما تكتشف أنهم شريحة من الناس تحتفل بالحب قدر احتفالها بالطبيعة الجميلة .. بالتاريخين القريب منه والبعيد ..
فمدينة / الشيخ بدر/ ومايحيط بها هي الصورة الأخرى للعديد من مناطق فلسطين المؤلفة من الجبال والتلال المؤلفة بدورها من السنديان والزيتون والسنابل والرحاب المرتبة رحبة فوق رحبة حيث أشجار الفاكهة بمختلف أنواعها بما فيها أشجار الكرمة هي التي تشكل كسوة السفوح والرحبات المزنرة بالحجارة طبقة طبقة نزولا باتجاه النبع الذي يجر النهر من الأبعد إلى الأقرب .. بما يتيح للناس الانتشار على ضفتيه نزولا من القمة حيث ضريح الشيخ الجليل / صالح العلي/ ابن ثورة سورية وأحد قياداتها المهمة ..
وتشارك بالشعر في ذكراه .. وهو الشاعر في سلوكيته وكتابته في مواجهة الاستعمار الفرنسي ولاءاً لوحدة سورية وتعرف أنت من قبل أن وشيجة الثورة في كل سوري وفلسطيني هي التي ربطت بين الشيخين صالح العلي وعزالدين القسام وكلاهما أعطى لكل من سورية وفلسطين مايؤكد أنهما وفيين للأمة..
في وسط هذه الشريحة من سلالة الشيخ صالح العلي .. تغنى العتابا والميجانا وتدبك كما لو أنك منهم أو أنت منهم ولا يذهلك أنهم موهوبون ومبدعون يقرأون الشعر والرواية والقصة وكتب التاريخ ويكتبون الشعر والرواية والقصة القصيرة وتأخذك الدهشة لابسبب كرمهم فحسب وإنما بسبب هذه المواهب التي تدفعك إلى التساؤل عن مرجعيتها فيهم بمن فيهم الأطفال …
ياألله .. من أين لهم كل هذا .؟
وهم حيث هم ليسوا قريبين من مراكز التيارات والفعل الثقافية أعني في الحواضر والمدن الكبيرة من هذا الوطن العربي الكبير لا يسافرون .. وإن سافروا فإنهم سرعان مايعودون لأن السفر بالنسبة للبعض منهم إما للدراسة أو بداعي العمل ..
ثم تتعرف إلى الرجل الذي في ظلاله تربى كل هؤلاء أبناء وأحفادا فتنقطع دهشتك وتذهب لأن الرجل الذي احتفل بك واحتفلت به كان رجلا لا يفارقه كتاب الإبداع مشهدا وكتابا …
هنا تنصت إلى مايسردون لك من الحكايات الكبيرة الطالعة من القرى الصغيرة والناس ويعبرون بك الجسر إليه .. حيث كففت نهائيا عن التساؤل : من أين لكم كل هذا ؟
يومها .. يوم تعرفت إليه لم تكن مهيأ للتعرف إلا إلى رجل عادي فكانت مفاجأتك أنك تتعرف إلى جد وأب طافح بالحنان قادر على العطاء .. كان أعمر منك بقليل لكنه أكثر حكمة وأعمق معرفة ….
كان شاعرا حقيقيا أجَّل ظهوره دائما لأنه فضل أن يرضع الشعر سلوكا ونمط حياة لأسرته ولأبنائه واحفاده وفي المكان ليكوِّن موقفا تجاه الناس والذات والوطن والكون …
اغترب صالح الصالح إلى الأرجنتين … مبكرا فكانت ثروته التي عاد بها إلى سوريا هي / ماريا / الثروة الكبرى وكان هذا حسبه فقد أعطته وحملته إلى يومه الأخير الذي لم يكن عاديا حيث احتشد كل من استطاع أن يصل إلى / الشيخ بدر / مدينة الشيخ صالح العلي لكي يحمله ويواكب رحيله ويخزن في ذاكرته ماخلف هذا الرجل الذي بدا عاديا .. كل ماهو غير عادي في حياته ومسيرته .. حيث كان غير عادي بالفعل في حياة لم تكن عادية وإن بدت أحيانا كذلك .
أما أنا الذي لم يكن لي شرف مواكبته في مقره الأخير .. فقد أحسست أن ماأحمله منه .. ذكريات .. وكرما .. وحبا … يكفيني كنبع أصالة يزوِّدني ويحصنني في مواجهة كل مايواجه شعبنا من عوامل الموت والدمار ويفتح قلبي على حرية بلا حدود .
لقد حملت منه في كل ذهاب وإياب هديتين صورة له في القلب وصورة له في الأفق بل .. واشهد أن الرجل في ماكان عليه وفي ما خلفه لم يكن عاديا …
وفي بلادنا يقولون : / من خلف مامات / كان صالح يحمل اسم جدي مكررا مرتين فكان لي من شرف التطابق ما أعتزُّ به … إلى الدرجة التي أحسست فيها بأنه أخي .. وابي .. وجدي .. في آن في الشيخ بدر أو في سيلة الظهر قريتي . على طرفي وشيجة من سورية إلى فلسطين حاملة لمنظومة القيم التي ناضلت من أجلها .. أمتنا ..
وهما قضيتان الوحدة وفلسطين لا تكون الواحدة منهما بدون الأخرى .. هكذا تحدثنا .. هو وأنا .. في قضية تتحقق كلما التقينا ولا تنقسم حينما نفترق … استودعك الله يا أبا اسماعيل …. ياصالح الصالح )..
عن صحيفة ( الأسبوع الأدبي )
– شكراً له.. لكن، والله أبوكِ يستاهل أكثرَ من ذلكَ بكثير…
– أعرف – يا أمي – .. لكن – كما قلتِ – شكراً له…
_________________________________________________________
( من صبيحةِ هذا اليومِ المُبارك .. أوّل أيامِ عيدِ الأضحى، أعلنَ المؤذنونَ في جَوامِعِ قريتِنا والقُرى المُجاوِرَةِ، ارتِقاءَ ثلاثةٍ منْ خِيرَةِ شَبابِنا، شهداااء
استُشْهِدوا وهُم يُدافِعونَ عنْ حَياة وشَرَفِ وكَرامَةِ هذا الوطنِ الأغلى
ياااااااااأيُّهاالشُّهَداء .. يااااااأيُّهاالأبرار .. أيُّهاالأحياءُ عِندَ رَبِّكُمْ، تُرزَقون.. بورِكَتِ الأرضُ المُقَدَّسَةُ مِنْ عَرَقِكُمْ، وعَرَقِ أهلِكُمُ الكادِحينَ في سَبيلِ لُقْمَةِ العَيْشِ الكَريمَة.. بورِكَتْ، وفتَحَتْ ذراعَيها السّمراوَين، لتضُمّكُم إلى صَدْرِها الدّافئ الحَنون .. تُكَفّنَكُم بأمُومَتِها الخَصيبَة .. وتصْدَحَ ألحانُها بتَراتيل ( كُلّ عامٍ وأنتم بألفِ خَير ) .. لتَصِلَ ألحانُها الخالِدَةُ إلى عِنانِ السّماء.. تعانِقَها بمُنتَهى الحُبّ.. وتهطلَ غيومُها خَيراً وعَطاءً
قبلَ دقائقَ، مَرَّ مَوكِبُ أحَدِكُم أيها الأطهار. .. عابراً قريَتَنا الغالية .. موطنَ الشُّرَفاء .. منهم (صالح العلي) و (سليم صالح ).. (آمنة صالح).. و (عباس أحمد ).. وغيرهم الكثير مِمّنْ شَرّفَتْ أفعالُهم أوطاناً بأكمَلِها .. وسَجّلَتْ بطولاتهم كتُبُ تاريخِ الأعداءِ، قبلَ الأصدقاء .. لم يَعتدوا يوماً على أحَد .. بلْ كانوا دائماً يردّونَ العُدوانَ عنْ أنفسِهم وأهلِهم وأوطانِهم .. مثلكُم أيها الأبرار .. استقبلتْ قريتُنا المَوكبَ بالبَخورِ والزهورِ والدموعِ والزغاريدِ التي اختَنَقَتْ في الحُلوق .. كعادَتِنا في استقبالِ الشّهداء.
هاهيَ السماءُ تبرقُ وترعدُ وتُمطِر .. أللّهُمّ صَلِّ على سَيّدِنا مُحَمّدٍ وآلِهِ وأصحابِهِ الأطهار .. السماءُ تشارِكُ أمكَ باستقبالِكَ أيهاالشهيدُ الغالي .. سوفَ يتأجَّلُ قِطافُ الزيتونِ عِدّةَ أيام .. كنتَ قد وَعَدْتَهْم في الحَقْلِ منذُ أيامٍ أنكَ ستساعِدُهُم أيضاً في الإجازَةِ القادِمَة .. مالَكَ أيهاالشهيدُ الغالي.. ..!! لمْ تخلفِ الوَعْدَ يوما ..!! حبَيبي .. لستُ أمكَ، ولا قريبتَك .. ولمْ أرَكَ يوماً .. لكنني كَجميعِ الكادِحينَ الشُّرَفاء .. فقراءِ المادّة .. أغنياءِ الرّوح .. مُشبَعينَ بالإنسانيّة .. بالإيثار .. أقولُ لكَ يابَنيّ الغالي .. هَنيئاً لكَ الشّهادَة .. وهَنيئاً لأمِّكَ الأرض.. احتضانَكَ في روحِها الخَصيبة.
)دمُ الشهداءِ، تعرفُهُ فرنسا …… وتعلَمُ أنهُ نورٌ، وحَقُّ ) ….
إنهم يحاولونَ تشويهَ صورةِ النور .. ويحاولونَ قلبَ الحَقِّ باطِلاً .. والباطِلَ حَقاً .. في مَساعيهِمُ السّاقِطَة .. لتَحقيقِ مَطامِعِهمُ الدّنيئة .. على مبدأ شَيطانيٍّ، اتّبَعوهُ، ويتّبعونَهُ، وسَيتّبعونَه .. ( الغايَةُ، تُبَرِّرُ الوَسيلَة ..(إنهم عَبَدَةُ المادّةِ الفانية .. أمّا نحنُ، فنعْتنقُ الحَقَّ دِيناً .. ونحنُ للّهِ الحَقِّ عابِدون .. الأزَليّ السَّرْمَديِّ الباقي .. وكلُّ مادونَهُ زائِل . )

تعرفينَ، يا أميَ الغالية، أنني كنتُ قد أسَّسْتُ مكتبةً في مَحَلٍّ صغيرٍ فقيرٍ، في (الشيخ بدر) أسميتُها (مكتبة الثقافة ).. لتكونَ الإبنةَ البِكْرَ ل (مكتبة الوعي ) التي تربّيتُ على القراءةِ من مُحتَوَياتِها، بتشجيعٍ منكِ، ياغالية.. وجَعَلْتُ أعضاءَها، أبناءَ وبناتِ إخوَتي وأخَواتي.. وأصدِقاءَها،كلَّ طِفلٍ، أو شابٍّ، أو، شابّةٍ، أو أحَدٍ من أهلِهِم، أو مَعارِفِهِم.. أعيرُهُم منها.. و في البدايةِ، كنتُ آخذُهم رِحْلاتٍ، وأعملُ لهمُ اجتماعات.. ليَتَوَحّدوا على الخير.. ولتشجيعِهمْ على روحِ المَعرِفة.. وطلبِ العلم.. وعلى أهمّيّةِ الإجتماعِ على الخيرِ، الذي هوَ قوّةٌ للجميع.. والإستمتاعِ بكلِّ ماهُوَ جميل.. وجَعَلْتُ شعارَ المَكْتَبَةِ، الآيةَ الكريمة ( وَتَعاوَنوا على البِرّ والتّقوى.. ولا تَعاوَنوا على الإثمِ، والعُدْوان )
كنتُ أسألُهُمْ دائماً، كي يَبقوا مُدْرِكينَ للهَدَفِ الذي يجتَمِعونَ عليه: – ما هوَ شِعارُ المَكتَبَة..؟! فيُرَدّدونَ بثِقَة : (وَتعاوَنوا على البِرّ والتّقوى.. ولا تَعاوَنوا على الإثمِ والعُدْوان ).. – ماهُوَ البِرُّ والتّقوى..؟! – عَمَلُ الخير…… وأطلبُ منهُم نَماذِجَ مِنَ (البِرِّ ) أو (عَمَلِ الخَير ) فيُعطيني كلٌّ منهُم أمثِلَة.. – وماهُوَ (الإثمُ والعُدْوان )..؟! فيعطونَني – أيضاً – أمثِلَة… ونبدَأ اجتماعاتِنا على خيرِ الجميع.. ونشاطاتٍ أخرى عَديدَة، منها أن أسألَ كلَّ واحدٍ، أو واحِدَةٍ منهم، عن هِوايتهِ المُفَضّلَة.. ماذا يحبُّ أن يفعل..؟! وقد أحضِرُ لمَن يحبّ الرّسْمَ، دفاترَ رَسْمٍ، وأقلاماً مُلَوّنَة، وبرّايات أقلام، ومماحي، ومَساطِرَ، وغيرَها.. ولآخَرينَ، أوراقاً ومِقَصّاتٍ، وموادّ لاصِقَةٍ، وحاجاتٍ أخرى تلزمهم لمُمارسةِ هِواياتهم.. ولمَن يَهوى الكتابةَ، أحضِرُ دَفاتِرَ، وأقلاماً.. وأطلبُ منهم، أو منهنّ، أن يكتبوا مايُريدون، وبالشكلِ الذي يريدون، أفكارَهم.. لا أفكارَ غيرِهم.. بمُنتهى الحُرّيّة.. وألاّ يخافوا، أو يحذروا إن كتبوا آراءَهُمُ الخاصّة، حتى لو كانتِ الآراءُ غيرَ مألوفةٍ، أو غيرَ مَرغوبَةٍ من الآخرين.. أي، أن يكونَ كلٌّ منهم ذاتَهُ، لا ذَواتَ الآخرينَ النَمَطيّة….. كنتُ أريدُ أن أشجّعَهُم على الإبداع.. وأوضِحَ لهم أنّ التّنَوّعَ غِنىً وثراءً، ومُتعةً، وتجَدّد.. وهوَ عكس التشابُه، الذي يوَلِّدُ المَلَل.. وأكثر من مَرّةٍ، أعطيهم نقوداً، وأطلبُ منهم أن يشتروا لوحاتٍ، أو أشكالاً يفضّلونَ أن يُزَيّنوا بها (مَكتَبَتِنا).. وأن يوفِروا من مَصروفهِمُ القليل، ليتبَرّعوا بهِ للمَكتبة.. ليشعروا بالفِعْل، أنها مكتبتهم، ومكتبتي أيضاً.. وأن لا فَضْلَ، ولا مِنّةَ لي.. بل، كلّنا شُركاء، وأصدقاء، وأصحابُ المَكتَبَة…………………. ونشاطاتٍ أخرى……………………… وماتزالُ إبداعاتُهُم، وآراؤهم، ومؤلَّفاتهم عندي، هنا في مَكتبتي التي نقَلتُها إلى بيتي في (ضَهْر المْرَيقِب).. ومنهُ إلى بيتكم – بيتنا – بيت أهلي، عندما كنتُ أبقى عندَكِ يا أميَ الغالية.. ثمّ أعَدْتُها إلى هنا… ).
_________________________________________________________
سأقرأ لكِ، أيضاً.. هل توافقين..؟!
يا الله، اقرئي..!!
( قالَ لي – يوما ً – :
-سنبقى أنا وأنت ِ نغني للحبّ.. حتى لو لمْ يَبق َ أحَد ٌ يفعل..
قلت :
-أخشى أن يُفقِدَني الخوفُ صَوتي..
قال :
-لا تخافي شيئا ً وأنت ِ معي..
قلت :
-افتحْ جَناحَيكَ.. وحَلّقْ بي بعيدا ً.. في سَماوات ِ الأمان ْ..
أذكرُ حينها أنّ الكون َ كلّهُ رافَقَنا في تلك َ الرحلة ..
-آه ٍ..!!
قالَها بمَرارَة..
-طرَدوني بعدَ أنْ كَسّرْتُ أصنامَهم..
لمْ يعُد لي وَطن..
قلتُ – بعتب – :
-أنَسيتَ قلبي..؟؟!!
-باستسلام ٍ – سَقَطَ رأسُهُ على كَتفي..
تأوّه َ ثانية ً، وقال :
-فعَلْتُ ذلكَ حُبا ً بهم.. لم يفهَموا ذلك..!!
ترَكْتُ لأصابعي أن تُبْحِرَ فوقَ رأسِهِ، وقلتُ :
-لابدّ أنْ يفهَموا، يوما ً.. لا بُدّ أنْ تعود.. على ظهورِ الخَيل.. أو على أكتافِهم.. لابدّ أنْ يعتذِروا عنْ فِعْلتِهم تلك..
قال – بمرارة ٍ أكبر – :
-أعمَقُ الجراح.. تلكَ التي يُحدِثها الأحِبّة.. ولا أظنّها تندَمِل..
لم ينته ِ – أبدا ً – الكلام الذي نودّ أن نقولَه.. صحيحٌ، هي فترة ُ صَمْت.. لكنني أحاولُ أن أنتقي الألفاظَ المُناسِبة.. أن أرتّبَ أفكاري.. )
فاطمة
_________________________________________________________
(هذا الصباحُ الخريفيّ.. تسَلّلتْ موسيقى (الأخَوين رَحباني)، وصوتُ (فيروز) المخمليّ.. إلى أوتارِ قلبي وأعصابيَ المَشْدودَةِ، غالبا ً.. كَنسمَة ٍ صَباحيّة ٍ مُنْعِشَة.. أنعَشَتْني.. مَنَحَتْني الإستِرْخاءَ الجميلَ المُمْتِع.. شَعَرْتُ منْ خِلالِها بشَيءٍ منَ الإحْساسِ بمُتْعَة ِ الحَياة.. )
فاطمة… 11 – 10 – 2001م
_________________________________________________________
( ذلك َ الخَيط ُ النّورانيّ المُقدَّسُ الشَّفّاف..
الذي يَصِلُنا بالسّماء..
نَستَدْعيهِ متى أرَدْنا.. متى أحْسَسْنا بالحاجَة ِ إليه..
وكَالبَرْق ِ يأتي.. يتَواجَدُ بالسُّرْعَة ِ نَفْسِها..
هذا دَليلٌ على أنّهُ مُتواجِد ٌ في داخِلِنا.. ومِنْ حَوْلِنا دائما ً..
لمْ يَبْرَحْ أنفُسَنا قَطّ.. ولَوْ بُرْهَة ً وَجيزَة.. )
فاطمة
تشرين الأول 2001م
_________________________________________________________
( كُلّما رَفْرَفْتُ استِعْدادا ً للإنطِلاق.. كُلّما ارتَفَعْتُ قليلا ً.. كُلّما أدْرَكْتُ – يا لَلهَوْل – .. كَمْ كانَ قَفَصي ضَيِّقا ً..
تُرى..!!
هَلْ يكونُ ذلكَ دافِعا ً قَوِيّا ً للإنطِلاقِ بِقُوّة ٍ أكْبَر..؟!!
أرجو ذلك.. )
فاطمة
_________________________________________________________
( كُلّما تَنَفّسْتُ بِعُمْق ٍ أكثَر..
كُلّما أدْرَكْتُ كَمْ كانَ الضّغْطُ على عُنُقي قَوِيا ً..
تُرى..!!
أيَكونُ ذلكَ دافِعا ً لأنْ أتَنَفّسَ بِعُمْق ٍ أكثَرَ، وأكْثَر..؟!
أرجو ذلك.. )
فاطمة
_________________________________________________________
( يقولون : عَلينا ألاّ نَذْكُرَ اللهَ تعالى إلاّ في الأماكِنِ الطاهِرَة..
أقول: ألا يُمْكِنُ أنْ نَعْكُسَ الآيَة..وننظرَ إلى الأشياءِ بِعَيْن ٍ طاهِرَة..وقلب ٍ يزرَعُ الجَمالَ في كلِّ مَكان.. ونَذْكُرُ اللهَ دائما ً..؟؟!!) فاطمة
_________________________________________________________
اليوم – يا أمي – هوَ الأربعاء، الرابع منْ شَهرِ أيلول (سبتمبر) عام 2013م.. السّاعةُ الآن تُقاربُ الثالثةَ عَصْراً.. جَلَسْتُ – للتّوّ – على نفسِ الدّيفونِ المُقابلِ للمِرآة.. المُلاصِقةِ للنافِذَةِ الشِّماليّةِ، التي تُطِلّ على (الدّوّارَة) وعلى يَساري سَريرُكِ الحبَيب.. أماميَ الطاوِلَةُ البُنيّة الكبيرَةُ، وابنَتُها الصّغيرَةُ، إلى جِوارِها.. الغسّالةُ تدورُ في الزاويةِ الغرْبيّة منَ المَطبَخ، تحتَ المَجْلى.. المَجْلى نظيفٌ، وجافّ.. رُخامُهُ أبيَضُ مائلٌ قليلاً إلى الرّماديّ.. الطنجَرَةُ الصغيرَةُ، السّتنلِس، تغلي على الغاز.. وضَعْتُ فيها قليلاً منَ الرّز، بعدَ أن نَقّيتُهُ، و (صَوّلتُهُ) عِدّةَ (أزوام).. أضَفْتُ إليهِ قليلاً منَ المِلْح.. وعندَما بَدأ الغليانُ، ضَعّفْتُ النارَ تحْتَهُ، وجِئْتُ أكتُب..اتصلتْ معي ابنَةُ أخي، على الخَلَوي.. استأذَنْتُ منْ أختي، التي كانتْ تكلّمُني على الأرضي.. الغالية، تريدُ مني أنْ أنزلَ إلى بيتِهم في (الشيخ بدر)..
( – عمّتو.. أنا وأمي الآن لِوحدِنا في البيت.. ولم يعُد عندنا شغل حتى المَساء.. إذا جِئتِ، نتسَلّى قليلاً، ونتغدّى.. وإذا أرَدتِ أن تكتبي، بإمكانكِ الدخول إلى أيةِ غرفة تكتبين فيها..)
طَلَبْتُ منها أن تُنهي المُكالَمة بسُرْعَة، قبلَ أن تتجاوَزَ المُكالَمَةُ الدّقيقَةَ، لأنّ سِعْرَ الإتصالاتِ قدِ ازدادَ من أوّلِ الشّهر، من (6) ليراتٍ في الدقيقة، إلى (7) ليرات.. وأجَبْتُها : ( – سأنزل.. لكنني لا أستطيعُ أن أتناول الغداءَ معكما، لأنّ معدتي تؤلِمني.. وجسمي ليس على مايرام..)
منْ ثلاثةِ أيام، شعَرْتُ أنّ مَعِدَتي مُلتَهِبَة.. ولم أُدارِها.. أكَلْتُ الكثيرَ من الجَوْزِ الأخضَرِ، وأنا أقشّرُ، وأكسّرُ (255) جَوزة على السّطحِ، كان زوجي قد جَناها عن شجَرَةِ الجوزِ التي زرَعَها تحتَ البيتِ، منذ سَنواتٍ،هوَ، و (أبو نور).. وأكَلتُ (مَكدوساً) وبَيضاً مَقليّاً، وبصَلاً.. و – معَ كلّ الأدوية القويّة – ماتزالُ تؤلِمُني، وتضغَطُ صَدْري.. بالأمسِ، مساءً، أكَلْتُ الكثيرَ من الكعكِ المُسَمْسَم.. عُدْتُ، وتضايَقْتُ كثيراً.. فوَضَعْتُ إصبَعي في فمي، وتقيّأتُه.. ارتَحْتُ قليلاً.. لكنّ الحرْقة، مازالتْ تُلهِبُ صَدريَ المُخَرّش.. خِفتُ من النزفِ الهَضميّ.. تذكّرْتُ النزيفَ الهَضميّ الذي حَدَثَ معي منذ عِدّةِ أشهُرٍ، مترافِقاً مع “الكريب” الحادّ.. وأدخَلَني ( مَشفى الباسِل) في طرطوس، لمُدّةِ يومينِ، تحتَ المُراقَبة..
كنتُ قد أغلقْتُ البابَ خَلفي بالمِفتاح.. وقطَفتٌ قَطفَتَينِ منَ (الحَبَقِ) الأخضَرِ، منَ الأصيصِ على الشّرْفة، وحَمَلتُ مِظَلّتي الكبيرة المَزَهّرَة، ونزلتُ الدّرَج.. لم يسمَحْ لي زوجي الذي كانَ قد وَصَلَ بسيّارَتِهِ، منَ (الشيخ بدر) بالنزولِ سَيراً على الأقدام، وقد قارَبَتِ الساعَةُ الثانيةَ بعدَ الظهر.. وكانَ قد سألَني إنْ كنتُ أريدُ شيئاً منَ السّوقِ، قبلَ أن ينزلَ قبلَ الظهر، فأجَبْتُهُ بالنّفي، وأنّني لستُ مَريضَةً كثيراً..
نزلْتُ مَعَهُ بالسيّارة إلى بابِ مَدْخَلِ بيتِ أخي.. عادَ هوَ.. وأنا تسَلّقْتُ الدّرَجَ العالي، وطَرَقتُ البابَ الخَشَبيّ طرْقَتَين، لأنّ الكهرباءَ كانتْ مَقطوعَة.. ظَنَنتُ أنهم رأوني عَبْرَ الشاشةِ الموضوعَةِ في الصالون، وأنا أصعَدُ الدّرَج.. فتَحَتِ الغالية.. قَبّلتُها على كَتِفِها (هذهِ قُبلةُ الصيف) لأنني لا أحبّ القبُلاتِ، وأنا أتصَبّبُ عَرَقاً..
استقبَلَتني أمها أيضاً، بالترحاب.. شربْتُ عندهم كأساً من (الكَمّون).. وسَلَقَتْ لي بطاطا.. تحادَثنا أحاديثَ خاصّةً، وعامّة.. تغَدّتا.. وتجَرّأتُ، وأكَلتُ قِرصاً مَحْشُوّاً بالسّلْقِ ومَشويّاً بالفرن.. كانتْ أمها تريدُ أن تنامَ القيلولة.. حفيدتك قالتْ أنها لم تستيقظْ باكراً.. لذلكَ، لن تنام.. أختها في دَوامِها في (طرطوس).. أخي، أخبَرَهُم أنهُ لنْ يتغدّى في البيتِ، هذا اليوم.. أخوها – أيضاً – في دَوامِهِ في (طرطوس).. أخوها الأصغر، مع ابنِ عَمّهِ، وابنِ عَمّتِهِ، وابنِ خاله.. نمتُ أنا في غرفتهِ التي تحوي سَريرَينِ واسِعَينِ، وخِزانةَ ثيابٍ، ومِرآةً عَريضة، تحتَها أدراج.. على جانبيها عِدّةُ صُوَرٍ مُثَبّتَة، للغالي أخي (اسماعيل) باللباسِ العَسكريّ.. يبتسم.. ولهُ ولصَديقِهِ الحَميم ابنِ خالِه (زينغو و رينغو ) كما قالتْ لي أخته، قبلَ أن أغفو.. اتصَلَتْ معي صديقتي.. كانتْ قد أتَتْ إلى عيادَتِها قبلَ الخامسة، على غيرِ عادَتِها.. اتصَلَتْ مَعَها مَريضة.. تبادَلنا الأحاديثَ.. أخبَرْتُها أنني في بيت أخي، وأريدُ أن أنام، لأنّ مَعِدَتي تؤلمُني.. سألتني إن كان بإمكاني المَجيءُ إلى عيادَتِها، لنتسَلّى قليلاً.. ثمّ تصطحِبُني معها بسيّارَتِها إلى البيت.. قلتُ لها أنني مُتَوَعّكة، وسأنام.. وعندما أستيقظ، أتصِلُ معَها إن كُنتُ أريدُ أن أطلَعَ مَعَها إلى البيت في (الضَّهْر).. لم أستيقظْ سوى في السابعة، قُبَيْلَ المَغرِب.. فتَحْتُ عَينَيّ، وإذا بوَجْهِ الغالية ابنة الأغلى، يُشْرِقُ بابتسامَةٍ صافيةٍ، حانية، وهيَ على بابِ الغُرفة.. لن أطيل.. قُمْتُ.. كانتْ، قد سَخّنَتِ البطاطا، ومَعَسَتْها، وأضافتْ لها بعضَ زيتِ الزيتونِ، والملح، ووضَعَتْ لكلٍّ مِنّا صَحْناً منَ اللّبَن.. أنا طلَبْتُهُ صغيراً.. أكلنا سويّةً، معَ خبزٍ مُسَخّنٍ على الغاز.. كنتُ سعيدَةً جداً، بتعامُلِهِمُ العَفويِّ، الصادقِ معي.. كانَ عندهم ضيوفٌ على الشُّرْفةِ الغربيّة.. سَلّمْتُ على خالتِهِم، و زوجةِ خالِهِم.. واستأذَنتُ، أنني (عَرْقانة) قالتْ زوجة أخي: (عندما يجفّ عَرَقك، تعالي).. بعدَ الغداءِ، خَرَجْتُ أنا و ابنة أخي إليهنّ، على الشّرْفَة.. جَلَسْنا قليلاً.. فاستأذَنَتا : (نحن أتينا من ساعات) قلتُ : (الأمرُ لا يحتاجُ إلى مُجامَلات.. ألله معكما).. كانَ الغالي أخي قد حَضَر.. كانَ سَعيداً بوُجودي.. وكنتُ سَعيدَةً أنني رأيتُهُ.. جَلَسَ ليستمِعَ إلى أخبار (السابعة والنصف) من قناة (المَنار) الفضائيّة.. كانَ العَدوّ الصهيونيُّ قد أطلَقَ صباحَ هذا اليومِ، صاروخَيْنِ، سَقَطا في البحرِ.. رَصَدَتْهُما (روسيا) وأذاعَتْ عنهما قبلَ أن تذيعَ (إسرائيل).. قال (الكيانُ الصهيونيُّ الغاصِب) أنّهُ كانَ (يُجَرّبُ) مَدى قُدرَةِ صَواريخِهِ على إصابةِ أهدافِها المُحَدّدَة، في (سوريا)..
كانَ زوجي قد أخبَرَني بذلكَ، قبلَ أن يصطَحِبَني إلى بيتِ أخي : (سمعتِ الأخبار..؟!) (لا والله.. لماذا..؟!).. فتَحْتُ المذياعَ (مِذياعَكَ الصغيرَ، يا أبي الغالي) على (إذاعةِ النور) في الثانية بعدَ الظهر (مُوجَز).. قالوا أنّ الصاروخَينِ سَقَطا في البحر..
المُهِمّ.. في حَوالي التاسعة مساءً، أحضَرَني أخي بسيّارَتِهِ الشاحنة، إلى بيتِنا.. قالَ لي : – قولي لزوجِكِ، أنّهُ سَيُفاجأ بي – يوماً – أوقِظُهُ في الصباح، لأشرَبَ عندَهُ شيئاً ساخِناً.. فأخبَرْتُهُ.. كنتُ، في الصباحِ، قد جَليْتُ الصحونَ، ونظّفتُ المَجلى، والغاز، والمِغسَلَة، ورَفّها البورسلانيّ، في بيتنا، قبلَ أن أنزل.. ومساءً.. وأنا و زوجي نُتابِعُ الأخبار.. انقطَعَتِ الكهرباء.. نمتُ أنا على الديفون المُقابِلِ للتلفزيون، في الصالون.. كان جسمي ما يزالُ على غيرِ ما يُرام.. معَ تحَسُّنٍ واضح.. جاءَ التيّارُ الكهربائيُّ، بعدَ ساعة.. لكنني لم أستطِعْ مُقاوَمَةَ النوم.. نمتُ بعدَ أن أكَلْتُ خبزاً، وزيتَ زيتونٍ، وخِيارة، وتفّاحة.. استيقظتُ في الليل.. التيّارُ الكهربائيُّ مَقطوع.. نمتُ، واستيقظتُ ثانيةً، بعدَ ساعات.. كانتِ الكهرباءُ ما تزالُ مَقطوعة.. خَرَجْتُ إلى الحَمّامِ، على ضوءِ (الكَهرباية) الزرقاء، التي كنتُ قد أصْلَحْتُها منذُ يومَينِ، بمئةِ ليرة.. كانَ أخي قد أحضَرَها لي منذ سنواتٍ من (بانياس) وما تزالُ تَعْمَل.. كانَ ثمَنُها على ما أظنّ (300) ثلاثمئة ليرة سورية..

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك