تخطى إلى المحتوى

يتابع موقع بانوراما طرطوس نشر رواية (إلى اللقاء يا أمي)….للأديبة فاطمة صالح صالح المريقب- الجزء الثالث عشر

12313668_920207128067256_2597888237955078668_n-204x300111استيقظتُ صباحَ هذا اليوم، في حوالي التاسِعَة..
كان زوجي يقطفُ ثمراتِ التينِ، تحتَ البيت.. لبِسْتُ ثيابي وحَمَلتُ مِظَلّتي.. ونادَيْتُهُ، لأخبرَهُ أنني نازلة، وأنّ خَبَراً أتاني للتَّوّ، على جِهازيَ الخَلَويّ من (توب نيوز) يقول، أنّ (بوتين) يعتذِرُ عن لقاءِ (أوباما) في (جنيف) على أمَلِ أن يلتقِيا حولَ الأزمة في (سوريا) في اجتماعِ (دُوَلِ العِشرين)..
حَضَرْتُ إلى هنا – يا أمي – وضَعْتُ مِظَلّتي على بابِ دارِكم – دارِنا، الحَديديّ، وأدَرْتُ المِفتاحَ ثلاثَ (طَقّاتٍ) ودَخَلْتُ..
كانَ المَجلى مَليئاً بالأواني المُتّسِخة ببقايا الطعام.. كنتُ أنا وبعضُ أبناءُ إخوتي، وصديق ابن أخي، قد تناوَلنا طَعامَ الغَداءِ، من يومَينِ، هنا (بيض مَقلي) (مَكدوس) (شاي) و (خُبز).. وكانَ خَزّانُ الماءِ فارِغاً.. فترَكْتُ المَجلى كما هوَ.. وعندما جاءَتِ المياهُ في (الصّنبورِ) كانتْ ضعيفة.. وأخبَرَتني زوجةُ أخي أنّها نَظّفَتْ خَزّانَ بيتِهِم، على أمَلِ أن تأتي المياهُ ظُهْراً.. لكنّ ذلكَ لم يحصل.. ناداني ابنُ أخي:
– عَمّتو.. لا تَسقي.. والله خزّانات القرية كُلّها فارغة..
استأذَنْتُهُ، وسَقَيْتُ زريعتي بمقدارٍ قليلٍ جداً من الماء (كي لا تموت).. وشَطَفْتُ البَرَندَة، التي كانتْ مليئة ببقايا العِنَب، من ثلاثةِ أيام، عندما قطفَ أخي بعْضَ العِنَبِ، ونزّلَهُ إلى بيتِهِ، قائلاً: (ستشتمينني.. ترَكتُ لكِ الشرفةَ مُتسخةً بالعِنب..)
قلتُ لهُ : لا تهتمّ..
جَلَيتُ الأواني صَباحَ هذا اليوم، هنا.. وسَلَقْتُ حَبّتَيّ بَطاطا.. تناوَلتُها مع الزيتِ، والمِلحِ، والخبز.. ثمّ شَرِبْتُ كأساً منَ الشاي معَ السّكّر..
دَخَلْتُ دارَ (بيت الشّرقي) نادَيتُ زوجة أخي، كي لا تتفاجأ بدخولي.. أخبَرْتُها أنني سأضَعُ في (سَطلِ) طَعامٍ الدّجاجِ، بَعْضَ الخُبْزِ، والفريكة المُسَوّسة.. سألتُها :
– هلِ امتلأَ خَزّانُكم بالماء..؟!
قالت : – نعم..
قلتُ : – الحمدُ لله.. والله، خزّان بيت أهلي، امتلأ، أيضاً..
أفرَغْتُ المِقلاةَ في السطلِ، وعُدْتُ.. جَليتُ المِقلاةَ، وجَلَسْتُ على الديفون، أشتغِلُ الصوف.. وبَعْدَها.. صَعَدْتُ على السطحِ، نَفَضْتُ المَسانِدَ، واللّحفَ، والفَرْشَةَ الإسفنجيّةَ التي كنتُ أشَمّسُها منذ أيام، فوقَ السطح.. نَفَضْتُها من الغُبارِ، وأدخَلتُها إلى غُرفةِ السطحِ، التي أعجَبَني ترتيبُها، ونظافَةُ بِلاطِها الجميل.. أخرَجْتُ الزبالة.. ووضَعْتُها مع زِبالةِ البيتِ في أكياسِ نايلون مَربوطة، في الخارج، أمامَ بابِ (السّقيفة) كي يأخُذَها عامِلو النظافة، غداً الأحَد، مع باقي الزبالة في (تْرِيلاّ ) إلى مكَبّ النفايات.. وضَعْتُ وَجْهَ الفراشِ الإسفنجيّ الأبيض، معَ ثيابي، وثيابَ ابن أخي، التي ترَكَها بعدَ الحَمّام، في الغسّالة، وأدَرْتُها عندما جاءَتِ الكهرباء، بعدَ أن وَضَعْتُ في دِرجَيها قليلاً من مَسحوقِ الغسيلِ المُنَظِّف.. ما تزالُ تعمل..
قبْلَ قليل.. ذهَبْتُ إلى بيت أخي.. كانَ ابنه يَحسبُ على الحاسِبَة.. وابنه الثاني نائماً على الدّيفون.. أخي في عَمَلِه.. سألتُ عن زوجته.. ليستْ مَوجودَة.. قلتُ لابن أخي أنني أريدُ كوباً مِنَ اللّبَنِ الرّائب، إن كانَ عندهم.. قال:
-خذي من الثلاّجة..
كانتْ هناكَ طَنجَرَةٌ كبيرَةٌ مليئةٌ باللّبَنِ المَقشود.. مَلأتُ كأساً.. وقلتُ لهُ، مازِحَةً:
-قُلْ لماما.. أنني سَرَقْتُ كأساً مِنَ اللّبَن..
جِئْتُ إلى البيت.. كَتَبْتُ كثيراً.. وعندما (استَوى) نضَجَ الرّزّ، أحضَرْتُهُ إلى هُنا، على الطاولةِ البُنّيّة.. وأنا الآن أبَرِّدُ صَحْناً مِنهُ، كي أمزِجَهُ باللّبَنِ، وأتناوَلَهُ، بعدَ أن أخَذْتُ حَبّةً مُضادّةً لتشَنّجِ الأمعاء.. عَلّ ذلكَ يُريحُني مِمّا أعاني مِنهُ منَ اضطراباتٍ هَضميّة..
الجَوُّ مُتَقَلّبٌ منذُ الصباح..
كنتُ قد عَبّأتُ قُشورَ الجَوْزِ الجافّةِ عنِ السّطْحِ، في أواني، وأدْخَلتُها داخِلَ بابِ الدّرَجِ، وأغلَقْتُه.. كان تلفزيون (المَنار) قد أذاعَ عنِ احتِمالِ سُقوطِ رذاذٍ مِنَ المَطَرِ، لَيْلَ الخميس..
غداً.. سَيُقيمُ (صُندوقُ القريةِ الخَيْريّ) احتفاليّةَ تكريمِ المُتفوّقينَ، والمُتفَوِّقاتِ، في الشهادَتَينِ الإعداديّة، والثانويّة، والجامِعات.. والطلائع..
أمي..
لو أنّكِ هنا.. كُنّا تناوَلْنا مَعاً، كلّ واحدةٍ مِنّا صَحْناً من مَرْقَةِ الرّزِّ الممزوجَةِ باللّبَن..
صَدّقيني.. ليسَتْ لَدَيَّ شَهيّةٌ لأيِّ طعام.. لكن.. عَلَيّ أن آكُل..
إلى اللقاء يا أمي……
الرابعة وعشرة دقائق، عَصْرَ يومِ الأربعاء 4/9/2013م
_________________________________________________________
صباح الخير يا أمّي..
( ولِكْ.. سمعْتْ الشمسْ.. بتهمُسْ هَمْسْ.. صباح الخير مارِيّا.. صباح الخير مارِيّا.. ولِكْ.. صَباح الخير يا أهل الخير.. شَمْسِكْ مينْ يطفِيّا….!!)
وأقَبّلُكِ على وَجْهِكِ الغالي.. تبتسِمين.. وتَردّين عَليّ: (- لا أحَد يستطيعُ أن يُطفأها..!! ) الحمدُ لله..!! ونضحَك..
في كثيرٍ مِنَ الصّباحاتِ، كنتُ أصَبّحُكِ بهذهِ الأنشودَةِ، التي أقَلِّدُ بها (علي الدّيك) الذي يغنّيها ل (سوريّا) فأبْدَلْتُها أنا ب (مارِيّا).. وما الفَرْقُ، يا أمّي..؟!
أمي..
تعرفينَ أنّ اليومَ هوَ الجُمُعَة، الأوّل من تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2013م..
الساعة الآن حوالي الثانيةَ عَشرةَ ظُهراً.. قبلَ قليل، أذّنَ المؤذِّنُ في (جامع الشيخ علي سلمان) لِصَلاةِ الظّهر..
استيقظتُ اليومَ مُتأخّرَة.. أيقظَتني (رِسالةُ تذكيرٍ) في التاسِعة والنصف (لا تقولي : ولووو..!!) فقد نمْتُ مُتأخّرة، وقَلِقْتُ في أوّلِ نومي، قبْلَ أن آخُذَ قِرْصَينِ مُضادّينِ للقلق.. وأتبَعْتُهُما بقِرْصٍ مُضادٍّ لاحتقانِ الأنف.. وكِلاهُما يزيدانِ من تأثيرِ بَعْضِهِما.. فنمْتُ من حوالي الثانية بعدَ منتصَفِ الليل، حتى التاسِعة والنصف.. قَتَلْتُ إحدى (البرغشات) البَعوضات، عنِ الحائطِ المَدهونِ باللونِ السّكّري، دهانٍ زَيتيّ.. لَوّثْتُ الحائطَ بالدّمِ الذي امتَصّتْهُ مني، والخِرْقَةَ البيضاءَ التي قتَلْتُها بها (قَميصٍ داخِليٍّ قطنيّ مُخَرّمٍ، من بقايا مَحَلّي.. كانوا قد قَصّوا لي كُمّهُ الأيمَن، في (مَشفى الباسِل) في طرطوس، عندما كانوا يُجَبّرونَ لي يَدِيَ اليُمنى التي انكَسَرَتْ عندما جاءَتْني النّخوَةُ، وتجاهَلْتُ رَفضَ أختي لِفِكْرَةِ أن أنزلَ إلى (الخِرْبَة) وأحضِرَ لها باقَةَ بَصَلٍ أخضَر (من زراعَتي) وأنا أعرِفُ كم تُحِبُّ (قَضّوضَةَ) البَصَلِ الأخضَرِ، معَ الزيتِ والمِلح..فنزَلْتُ مُسرِعَةً، وترَكْتُها تجلي الصّحون، على المَجْلى، هنا في بيتكم (وأنا الآن أكتبُ في بيتكم – بيتِنا – على نفسِ الدّيفون الذي بدأتُ الكتابَةَ وأنا أجلسُ فوقهُ في بدايَةِ هذهِ الرواية.. )
كُنتِ تتمَشّينَ قُرْبَها، في المَطبَخ، وتتحادَثان.. تفاجأتُما جدّاً عندما دَخَلْتُ عَليكُما المَطبَخَ، مُسْرِعَةً، حامِلَةً جَرْزَةَ بَصَلٍ في يَديَ اليُسرى، التي أحمِلُ ساعِدِيَ الأيمَنَ المَلْويّ.. وأنا أتَلَوّى منَ الألَمِ،بصَوتٍ حاوَلْتُ قدْرَ الإمكانِ ألاّ يكونَ قويّاً.. لكنّ الغالية أختي شَهَقَتْ، واصفَرّتْ، وهيَ ترمي مِنْ يَدِها كلَّ شيء، وتلتفِتُ إليّ، شاتِمَةً حَظّي، وحَظّها، مُستنكِرَةً أنّي خالَفتُها، ونزلتُ لأحضِرَ البَصَل.. صَرَخْتِ أنتِ، يا أمي : (ياوَيلي أنا.. يا وَيْلي..!! كُسِرَتْ يَدُكِ..؟!)..
-أختي، أظنّ أن يدي انكسَرَتْ.. ويكادُ يُغمى عليّ..
بهذهِ الكلمات فاجأتُ أختي عندما دَخَلْتُ..
-دَخيلْكُم.. دَخيلْكُم.. قولوا لزوجها.. أخبِروا زوجها..
أسْرَعَتْ أختي لتسندَني، قبلَ أن أسقُطَ من الألَم.. أجْلَسَتني على الديفون، في الغرفة.. وأنتِ تُرَدّدينَ بإلحاحٍ : (أخبِروا زوجها..).. وأختي تقولُ لكِ، بصَوْتٍ مُرتفِع : (نعم.. نعم سنُخبِرُه.. لكنْ، يكادُ يُغمى عَلَيها..) كانَ هَمُّها الأوّلُ أن تُسْعِفَني.. أنا أتَلَوّى منَ الألَم، وأكادُ أتقيّأ ما في مَعِدَتي من طعام. والعَرَقُ يُبَلّلُني، ونَبْضي مُضْطَرِب..
صَرَخْتُ بكُما : (وْلَكْ خلااااااص.. خلااااااص…….!!)
كانَ ابنُ أخي قد حَضَرَ مِن بيتِهِمُ المُجاوِر.. وكذلكَ أمُّه.. ولا أعرفُ مَن حَضَرَ أيضاً..
قالتْ أختي، وهيَ تَرْشُقُني بالماءِ، وأنا مُنزعِجَةً منها، ومِنكِ:(- اتّصِلوا بزوجِها.. سنُنزلُها إلى “طرطوس”.. إلى المَشفى..)
كنتُ قد طلَبْتُ منها أن تُخبِرَ الدكتورة بما حَصَلَ، وتسألَها ماذا عليها أن تفعل.. فقالتْ لها : خذوها إلى المَشفى، بسرعة..
جاءَ زوجي، وإخوَتي كلّهم.. ولا أعرفُ مَنْ، أيضاً.. ناوَلَني ابنُ أخي ركّاية إسفنجيّة مُستطيلة، وَضَعَها، بكُلِّ حَذَرٍ، تحْتَ ساعِدي، قائلاً : (لا تخافي يا عَمّتي.. لا تخافي.. هل تريحُكِ هذهِ الوَضعية..؟!) أجَبْتُهُ : (نعم.. أفضَل..).. وكانَ الغالي قد كُسِرَتْ يَدُهُ منذُ مُدّة ليسَتْ بَعيدة.. ويعرفُ كيفَ يتعامَلُ معَ الكَسْرِ، في مثلِ هذهِ الحالات..
أنزَلوني بسَيارةِ زوجي.. قادَها ابنُ أختِه.. أجلَسوني في المُقَدّمة، حامِلَةً ساعِدِيَ الأيمَنَ فوقَ المَسْنِد.. لا أستطيعُ أن أقَدّرَ، أو أنْ أصِفَ كَم كانَ ألَمي شَديداً، ونبضُ قلبي مُضطَرِبٌ، ومُتَسَرّع.. كنتُ على حافّةِ الموتِ، أو الإغماء.. لائمَةً نفسي ؛ – كيفَ.. لمَنْ يتَقَطّعون..؟! كيفَ يتحَمّلُ مَنْ تُقْطَعُ يَدُهُ، أو رِجْلُهُ، أو أيٌّ جزءٍ من جَسَدِه..؟! وأنا لا أستطيعُ تَحَمُّلَ ألَمِ كَسْرِ يَدي..؟!
-أختي.. أختي.. ناوليني حبّة أنديرال، وحَبّتيّ مُهّدّئ.. أرجوكِ.. بسرعة.. بسرعة….!!
بمُساعَدَةِ زوجي، فَتَحْتْ مِحْفَظَتي، وناوَلَتني الحَبّاتِ الثلاث، وضَعَتْها في فمي.. وتناوَلَ ابنُ أختهِ المُضطَرِب جداً، والذي يقولُ لي : (سلامتِكْ يا زوجة خالي.. سْلامْتِكْ.. طَوّلي بالِكْ..) ويقودُ السيّارةَ على مَهْل.. وعندما يُسْرِعُ قليلاً، وترتَجُّ السّيّارة.. أصرَخُ به :
-لا………….. !! آآآآآآآآآآخ….!!
فيَحار..
سَقاني ماءً مِنْ زجاجَةِ (دْرَيْكيش) سماويّةِ اللونِ، بلاستيكيّة.. كانتْ في السّيّارة.. أو أنّ أختي أحضَرَتها مَعَها.. لا أدري.. المُهِمّ، سَقاني الغالي بَعْضَ الماءِ، على دَفَعاتٍ، مِنْ فَمِ الزجاجَةِ، حتى استطَعْتُ بَلْعَ الحُبوبِ المُخَفّفَةِ لما أعاني، بعْدَ أن قَرَطتُها بقوّةٍ، كَي أسَرّعَ مَفعولَها.. وتابَعْنا المَسير.. وعندما وَصَلْنا المَشفى، بعْدَ أقَلّ من ساعَة.. أسْرَعَ المُسْعِفونَ، والمُسْعِفات.. أدخَلوني إحدى غُرَفِ الإسعافِ، وسارَعوا بالإهتمامِ بي.. تصويري، بعِدّةِ وَضْعِيّاتٍ، لساعِدي، وكَفّي..
( – إنهُما كَسْرانِ، وليسَ كَسْراً واحِداً.. أحَدُهُما “مُتَبَدِّل”.. خالتي.. مِنْ أينَ أنتِ..؟!
– من (الشيخ بدر- المريقب) ياخالتو..
-من(الشيخ بدر) أتيتِ إلى هنا.؟!كيفَ استطعتِ تحمُّلَ هذا الألم؟
– آآآآآآآآآخ.. يا خالتو..!! ماذا أفعل..؟!.. )
لم يَكُنْ (مَشفى الشيخ بدر) قدِ افتُتِحَ، بَعْدُ..
أمي..
ما لي سَرَحْتُ – دونَ أن أدري – وكَتَبْتُ غيرَما كُنتُ أوَدُّ كِتابَتَهُ الآن..؟!
تضحَكين..؟!
مَجنونة..؟!
نعم.. أعرفُ أنني مَجنونة.. وأنا أيضاً أضحَك…
هههههههههه
كما نكتبُ، أو نرسمُ ضَحِكاتِنا بلُغَةِ (الفيسبوك).. عِدّة هاءاتٍ مَوصولة، مُتطاوِلة.. حَسْبَ الأمْرِ المُضْحِك..!!
.. ما تزالُ آثارُ الشايِ، والسّكّرِ على شَفَتي.. ألحَسُها بينَ فترَةٍ، وأخرى.. والكأسُ الزجاجيّ الكبيرُ الفارِغُ إلاّ مِنَ (التفل) إلى يميني، على الصّينيّةِ المَعدنيّةِ، معَ كأسِ ماءٍ فيهِ نِصْفُه، كنتُ قد تناوَلْتُ بواسِطَتِهِ حَبّةَ دَواءٍ، بَعْدَ أن أنهَيْتُ تناوُلَ (قَضّوضَةٍ) وهيَ عِبارَة عن رَغيفٍ كامِلٍ، معَ بَيْضةٍ مَسْلوقَةٍ، أحْضَرْتُها مِنْ بيت خالي، وأنا قادِمَة، معَ بيضَةٍ أخرى، وكَميّةٍ مِنَ الزبْدَةِ المُمَلَّحَة.. ذَوّبْتُها – كما عَلّمْتِني، يا أميَ الغالية – على نارٍ هادِئة.. قَشّطتُها عِدّةَ مَرّاتٍ، واضِعَةً في (الكَسَرولَة) حَسْبَ توصيفِ (مُنْيَة) التونسيّة.. واضِعَةً فيها كَسْرَةَ خُبْز.. وعندما خَلا سَطْحُها مِنَ (القَشْطَة) القِشْدَة، واحمَرّتْ قِطعَةُ الخبزِ، وصارَتْ (مُحَمَّصَةً) بالسّمْنِ المالِحِ، طَفَيْتُ الغازَ، وأخرَجْتُ الخُبزَةَ، وَضَعْتُها في صَحْن (صِينيّ) وعَبّأتُ السّمْنَ الحارَّ في (قَطْرَميزٍ) زُجاجيٍّ، نظيفٍ، وجافّ.. غَطّيْتُهُ بِصَحْنِ قَهْوَة.. لأنني لم أجِدْ غِطاءً مُناسِباً.. حَرَصْتُ على أن أضَعَ القطرَميزَ الحارَّ، فوقَ قِطعَةِ قماشٍ سميكٍ، جافّةٍ، فوقَ المَجْلى.. كي لا (يَطِقَّ) الزّجاجُ من تفاوُتِ الحَرارَةِ الشديدِ، والمُفاجئ..
كنتُ قد نزَلْتُ إلى (الخِرْبَة) التي زرَعْتُ فيها العَديدَ مِنَ الخُضار.. (بَصَل.. نعناع.. بقدونِس.. فليفلة.. بَطاطا.. زعتَر.. مَرْدَكوش.. سِلْق.. سَبانِخ.. فجْل.. حُمّص.. فول.. حِنطَة.. ذُرة صفراء.. رشّات “رَشاد”.. ) وأحضَرْتُ جَرْزَةَ بَصَلٍ أخضَرَ، وعِدّةَ قطْفاتٍ مِنَ البقدونس.. فَرَمْتُها فوقَ البَيضَةِ المَسلوقَةِ المُقَشَّرَة، وفرَشْتُ الرّغيفَ فوقَ الصَّينيّةِ الدائريّةِ، هذه.. سَكَبْتُ فوقَها كَميّةً مِنَ الزيتِ، ووزّعْتُ خَليطَ البَصَلِ، والبقدونِسِ، والبَيضِ، فوقَهُ، دونَ مِلْح.. ولَفَفْتُها بشكلٍ أسطوانيٍّ، كما كُنتِ تلفّينَ لنا (العَضّوضات) أيّامَ طفولَتِنا.. يا أمي…
وغَلَيْتُ بَعْضَ الماءِ في (الرّكْوَة) الستنلس.. وَضَعْتُ كيساً من الشاي في كأسٍ زُجاجيّةٍ كبيرة.. كنتُ أسقيكِ بها ماءً وحليباً ولَبَناً.. وفي غيرِها.. ومِلعَقَة سُكّرٍ كبيرة.. وأضَفْتُ فوقَها الماءَ الغالي، لبِضْعَةِ دقائقَ، حتى تتفَكّكَ ذَرّاتُ الكِلْسِ التي تُعَكّرُ الشاي.. حَرّكْتُ السّكّرَ.. وعندما (حَلّتِ) الشاي، رَمَيْتُ الكيسَ في الزبالة.. وَضَعْتُ المِلعَقَةَ في المَجْلى.. أحْضَرْتُ (القَضّوضَةَ) معَ قِطعَةِ الخبزِ المُحَمّصَةِ بالسّمْنِ المالح، وكأسَ الشايِ، وكأسَ الماء، فوقَ صَينيّةِ الستنلس الدائريّة، إلى هنا، حيثُ أكتُبُ الآن.. أضَعُ قدَمَيّ على عارِضَةِ الكُرْسيِّ الخشَبيّ الصغيرِ، المُقَشّشِ بخيوطِ البلاستيك المُلَوّنة، وأكتبُ فوقَ جَنبيَ الأيمَن، وأستنِدُ على الأيسَر.. الطاولةُ الكبيرَةُ الخشَبيّةُ البُنّيّةُ، على يميني.. فوقَها الصّينيّةُ، ونَظّارَتي، وجِهازيَ الخَلَويَّ الأبيض، والشاحِنُ الأسوَدُ، وكَميّةٌ مِنَ الذّرَة، في كيسِ نايلون صغير، لعَمْلِ (البوشار) والجزدانُ الرّماديُّ الصغيرُ الذي أضَعُ فيهِ جهازيَ الخَلَويّ، وفي إحدى جيبَيهِ، بَعْضَ الدواء، وفي الأخرى بعْضَ النقودِ، ومِفتاحَا بيتِنا، و بيتكم – بيتِنا، هنا في (المْرَيْقِب) الغالية..
قبْلَ قليل، دَخَلَ أخي، بَعْدَ أن رأيتُهُ مِنْ نافِذَةِ المَطْبَخِ، وأنا أحَضّرُ الفطورَ، يدخُلُ إلى بيت أخي المقابل.. كُدْتُ أناديهِ ليَفطَرَ معي.. لكنني أدرَكْتُ أنهُ لا بُدّ قد فَطِرَ مع عائلتِه.. أخبَرْتُهُ أنني آتيةً لأكتُب.. وأنني أكتُبُ رواية.. طَلَبْتُ مِنهُ أن يَدعوَ لي..
( – ألله يوفّقِكْ.. ويعَلّي مَكانَتَكِ الأدَبيّة، وفي كلِّ شيء.. )
قالَها الغالي.. أخبَرَني أنّهُ ذاهِبٌ إلى (صَلاةِ الجُمُعَة) في الجامِع.. أخبَرْتُهُ أنني اتصَلْتُ بالأمسِ، ب (الأستاذ خالد) لأخبرَهُ أنني أكتُبُ روايَة.. وأستشيرَهُ، إن كانتْ سَتَلْقى قَبولاً، لأنني أكتُبُها على شَكْلِ (يوميّات) غير مُتتاليَة، وبِلُغَةٍ عاديّة.. ليسَتْ (أدَبيّة) وأنني قَرّرْتُ أن يكونَ عنوانُها : (إلى اللقاء يا أمي) فَسُرَّ الأستاذُ جداً، وشَجّعَني على ذلكَ كثيراً.. ( -كُلّنا سَنَكْتُب لِمَنْ نُحِبّ : – إلى اللقاء.. ) شَكَرْتُهُ جداً.. لأنّ تشجيعَهُ رَفَعَ مِنْ مَعنويّاتي – كالعادَة -..
سُرَّ الغالي أخي.. وزادَ مِنْ دُعائِهِ لي بالتوفيقِ، والنجاح، قبلَ أن يذهَبَ إلى الجامِعِ، للمُشارَكَةِ في صَلاةٍ الجَماعَة.. يوم الجُمُعَة -كالعادَة -..
أمي..
ما رأيُكِ أن أستريحَ قليلاً.. وأغسلَ فمي، وأجلي الكأسَينِ، والصَّيْنيّة..؟! هاهُوَ صَوْتُ حَبيبِكِ، وحَبيبِنا الغالي اللطيف الجميل، إبن أختي الأصغر، يَعْلو بزَقزَقاتٍ تدُلُّ على طاقَةٍ مُختَزَنَة، مُحاوِلَةً التّحَرُّرَ مِن داخِلِ روحِهِ الغالية… كم كنتِ تُحِبّينَهُ يا أمي…!! كم كُنتِ تُدافِعينَ عنهُ، إن أخطأ، أو أصاب..!!
-لَطيف.. لَطيف كتير.. عيني روحو.. لا تظلِموه..!!
عيني روحِكْ أنتِ.. يا أمي…
إلى اللقاء يا أمي..
الساعة الآن الواحِدَة والرّبع بعْدَ الظهر..
_________________________________________________________
الساعةُ الآن، تُقارِبُ السادِسَةَ والنصفَ مساءَ الجمعة الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2013م..
أنا، الآن، في بيتِنا في (الضَّهْر) أجلسُ على الديفونِ المُقابِلِ للتلفزيون، في الصالون الذي فَرَشْتُهُ مُنذُ أكثرَ مِن أسبوعٍ، بإحدى السّجّادَتَينِ الكبيرَتَينِ، الجميلَتَين.. قبلَ دقائقَ، تكلّمْتُ أنا و زوجي مع الغالية (أمل) كانتْ عائدَة مِنَ الكنيسةِ في (دِمَشْق) حَيْثُ التجأتْ قبلَ يَومَينِ، معَ أمّها العجوز المَريضة، وزوجِها، إلى بيتِ أخيه، أو أختِهِ، في العاصمة، بَعْدَ أن أنقَذَهُمُ (الجيشُ العربيّ السوريّ) من بينِ أنيابِ الفُجّارِ، التكفيريّينَ القَتَلَة، الذين دَخَلوا إلى (صَدَد) قتَلوا مَن قَتَلوا.. وخَطَفوا مَنْ خَطَفوا.. وشَرّدوا مَن شَرّدوا.. قبْلَ أن تتمكّن قُوّاتُ (الجيشَ العربيّ السوريّ) من إنقاذِ مَن تَبَقّى.. ونَقْلِهِم إلى (فَيْروزَة).. تكَلّمْتُ مَعَها قبلَ ساعاتٍ، عندما كُنتُ في بيتِكُم، يا أمي.. كانتْ مُتَوَتّرَة جداً، مُرْتَبِكَة، ومَقهورَة.. كانتْ تبكي، وتطلُبُ مني أن أدعو لها اللهَ، أن يُعيدَ لها طُمأنينَةَ قَلبِها، ويَشْرَحَ لها صَدْرَها المُرْهَق.. بعْدَ أن عانَتْ، وعانوا مِنَ العِصاباتِ الإرهابيّةِ المُسَلّحَة، المُجْرِمَة، التي دَخَلَتْ بَلدَتَهُمُ العَريقة (صَدَد) قُرْبَ (حِمْص).. هاربَةً مِنْ ضَرَباتِ (الجيشِ) في قُرى (ريفِ دِمَشق) و (الغوطَة) التي كانوا يُسَيطِرونَ عليها، ويَعيثونَ فيها قَتْلاً، وتدميراً، وتكفيراً، وفَتاوى لم تحصلْ، حتى في أكثرِ عُصورِ الجاهِليّةِ هَمَجيّةً..
دَعَوْتُ لها اللهَ – على مَسامِعِها – وأنا أتكَلّمُ معَها مُطَوّلاً على الخَلَوي.. أن يَشْرَحَ لها صَدْرَها، ويُريحَها منْ آلامِها، ويَحفَظَها، ويحفَظَ مَن تُحِبّ، وكلّ شَريفٍ في هذا الوطَنِ، والعالَم.. وقلتُ لها : أمَل.. لا يهمّكْ.. لا تنسَي – يوماً – أنّ لكِ، في هذا الكونِ، بَيتاً، ووطَناً حَنوناً، دافئاً، يحبّكِ.. ومُستَعِدّاً أن يَحضِنَكِ، بدِفئِهِ، وحَنانهِ، مَدى الزّمَن….. هو قلبي……….
سَمِعْتِ، يا (أمل)..؟!
ودَعَوْتُها أن تأتي، وتُحْضِرَ أمّها، ليعيشوا مَعَنا، هنا، في بيتنا (حتّى ألله يفرجها).. قالتْ : والله أنا قلتُ ل (عماد) ليتنا نذهب، ونسكن عند (بيت خالي..) أريدُ أن أرتااااح.. لم أعدْ قادرةً على سماعِ أصواتِ الرصاص..!!
-ولا يهمّكْ يا (أمل)..
وأخبَرْتُ زوجي بذلك.. فطَلَبَ أن يتكَلّمَ مَعَها.. اتصلتُ بها مِنْ جِهازيَ الخلَويّ، كانَ صَوْتُها مُرتاحاً.. قالتْ أنها – للتَّوِّ – عادَتْ مِنَ الكنيسة.. قلتُ لها : برافو.. هذا هوَ سَبَبُ شعورِكِ بالرّاحَةِ، ياغالية.. تكَلّمي معَ (خالِكْ).. دَعاها زوجي لتأتي مع زوجِها وأمّها.. وأخبَرَها أنّ بَيتَنا واسِعٌ، وأنّهُ سيؤمّنُ لزوجِها عَمَلاً مَعَهُ في الأرض (وضَحِكَ) وتابَعَ : (يا (أمل).. أنتِ تقولين “خالي” وهي حَقيقَة.. أنتِ بمكانةِ (مها).. ) ابنة أختِهِ، التي عَرّفَتنا عَليها، عندما كانتا تُعَلّمانِ مَعاً في (برمّانة المَشايخ).. ومن يومِها صارَتْ تنادينا كما تنادينا (مها).. (خالي) و (زوجة خالي)..
أمي، قبل قليل، وأنا أنقلُ ماكتبتُهُ على دفتريَ الزهريّ الذي أمامي الآن، من روايتي هذه، على اللابتوب، خطرَ لي أن أتصلَ ب(أمّولة) على الخلوي.. لأطمئنّ عليها وعلى أقاربها في (صَدَد) لكنني آثرْتُ أن أتصلَ بأختها الغالية الدافئة، أم الغالية (مُنتهى).. لكنها لم تردّ.. وبعد ثواني، اتصلتْ هي بي.. قلتُ لها : – ألله أرادَ أن يجعلَكِ تخسرين ثمنَ المُخابرة.. وضحكنا…. سألتُها إن كانَ معها (وَحْدات) وإلاّ لتفصُل جهازَها، وأنا أتصلُ بها.. واتفقنا أن تتصلَ بي على الأرضيّ، فأعطيتها الرقم.. أخذنا راحَتنا أكثر بالكلام، بعد أن سألتُها إن كنتُ قد عَطّلتُها عن الشغل، أم لا.. أجابت : لا.. لا.. ليس لديّ شغل.. طمأنتني عنهم.. الكلّ الحمد لله بخير.. هم في (صَدَد) من زمان.. وكانت قد أخبرتني برسالة خَلَوي، من زمان، أنّ الوضعَ عندهم صارَ ممتازاً لله الحمد (سّلّحوا الشباب، هنا).. وحَكتْ لي كيف رأتِ (المُسَلّحين) وجهاً، لوجهٍ، على شرفةِ بيتهم.. وكيف كلّمَتهم من النافذة.. وارتعَبَتْ منهم.. لكنهم (طمأنوها) ( نحن لا نريدُ منكم شيئاً، يا أختي.. اطلعوا، ولا يهمكم ).. كانوا يَهْدؤونَ في النهار، ويبدو أنهم يرتّبونَ أمورهم.. وفي الليل، يهجمونَ على البيوتِ، يخلعونَ الأبوابَ.. يسرقون مُحتَوياتها.. يخطفون مَن يخطفون.. يقتلونَ مَن يقتِلون.. يُرعِبون الآمِنين.. وفي النهار.. لا يظهَرون (أعداء النور).. تحَدّثنا، أيضاً، عن مَعنى الدين.. وأنني أعتبرُ أنّ هناكَ (دينٌ) واحدٌ في هذا العالم.. بدأ منذ سيّدنا (آدم) عليه السلام.. من أولِ الخليقة.. وحتى نهاية الزمن.. اللانهائيّ.. وأنّ (اليهودية) الحقيقية.. و (المسيحية) الحقيقية.. و (الإسلام الحقيقيّ) رسالاتٍ جاءَتْ لتُكمِلَ بَعْضَها.. (أمي.. أسمعُ، الآن، صوتَ سيّارةِ إسعافٍ، أظنّها تنقلُ جُثمانَ شهيدٍ غالٍ، كانت ابنةُ أخي قد أعلنتْ عن استشهاده مساء أمس على صفحة (جبال العزّ) على الفيسبوك.. هو من (بْغَمْليخ) ألله يرحم روحه.. ويصبّر أهله.. وألله يفرجك يا سوريا.. الآن أسمعُ أصواتَ زَخّاتِ الرصاصِ، تزغرِدُ للشهيد… آآآخ يا أمي… ألله يرحمك.. وألله يرحمنا بشفاعتك وشفاعة أمثالك وبشفاعة دماء الشهداء وأنّات الجرحى ودموعِ الثكالى واليتامى والأرامل.. وإلهي يعيد المخطوفين سالمينَ غانمين..و ياااااارب.. الفَرَج…….!! )
قلتُ لها : مَنِ الذي أساءَ لليهودية الحقيقية، أكثر مِمّا أساءَ لها مُدّعوّ اليهودية، من صهاينة، وغيرِهم…؟! ومَنِ الذي أساءَ للمسيحية، أكثرَ ممّن يدّعون المسيحيةَ، زوراً، وبُهتاناً..؟! وأعطيتُها مثلاً، (بوش) الصغير، الذي احتَلّ (العِراق) باسم (الله) وباسم المسيحية.. !! ومَن الذي يسيءُ للإسلام الحقيقيّ، أكثرَ ممّن يدّعون أنّهم (مُسلِمون) ويقتلون، ويذبحونَ، ويخطفونَ، ويسرقونَ، ويغتصِبونَ، ويُهَجّرون، ويرتكبونَ كلّ الموبِقاتِ، باسمِ (الإسلام)..؟!! نحنُ – ياغالية – لا نعتبرُ (المُسلِمَ ) مُسلِماً حقيقياً، إلاّ إذا آمَنَ بما أوتيَ (موسى) و (عيسى) وماقَبلَهما من الأنبياءِ، والرُّسُل.. لا يكتملُ إسلامُ الإنسانِ، إن لم يؤمِن بكلّ هذا… وفي قرآننا (مَن قَتَلَ نفساً، بغيرِ نفسٍ، أو فسادٍ في الأرضِ، فكأنما قتَلَ الناسَ جميعاً، ومَن أحياها، فكأنما أحيا الناسَ جميعاً ).. أنا – مثلاً- ماذا يهمّني من (دينك)..؟! تهمّني مُعامَلتُكِ.. وماذا يهمّكِ من (ديني) سوى كيف أتعامَلُ معَكِ..؟! (الدينُ، المُعامَلَة).. أما علاقةُ الإنسانِ بخالقِه، فلا يمكنُ لأحدٍ أن يُدرِكَها سوى الإنسان وخالقه.. ماذا يهمّني إن عَبَدَ الإنسانُ (رَبّهُ) كيفما يشاء، وبالطريقة التي يريد..؟!!؟ (يصطفلْ).. هذا أمرٌ يخصّه… هؤلاء – ياحبيبتي- تصنعُهُم قِوى الشرّ في العالم، وتستخدِمُهُم كأدَواتٍ لغاياتها الإستعمارية.. هم وُقودٌ لمَصالِحِها، أيضاً، تغسلُ لهم أدمِغَتَهم، وتدَرّبُهُم في مُعسكَراتها السرّيّة، أو العَلَنية.. في السجونِ، في الجزُرِ النائية.. حتى في السجونِ الطائرة، كما يُسَمّونها.. و العائمة، التي تُديرُها قِوى البَغي، والطَمَع، والشرّ العالمية، لخِدْمَةٍ عَبَدَةِ المادّة.. الطغاة.. في العالَمِ كلّه.. ولا علاقَةَ لهم بالدين.. ولا بالأخلاق.. ولا بالإنسانية، أو، حتى، الحيوانية.. هم (كائنات) مُبَرْمَجة لخِدْمَةِ مَصالحِ الغربِ الإستعماريّ، الطامع بخيراتِ الشعوب.. و (الغاية عندهم، تُبَرّرُ الوسيلة)..
وضحكنا كثيراً، وقَرِفنا، عندما ذكرنا (جهاد النكاح)…..!!!!
قالتْ لي :
– والله يا زوجة خالي، أنتم تساهمونَ في إيصالِ الحقائقِ للناس.. قلتُ لها :
– هذا واجبنا.. وأنا لا يهمّني أن تصِلَ الحقيقةُ للغرباء.. يهمّني جداً أن تصِلَ حقيقةُ اعتقادِنا وهُويّتَنا الحقيقية، إلى أبناء بلدي.. كي نعرفَ بَعْضَنا.. ونأمَنَ بعضَنا.. ولا نساهِمَ في التفرقة التي يحاوِلونَ نشرَها بين أبناء الوطنِ الواحد.. ألا ترَينَ أنّ الأخَ صارَ يخافُ من أخيه.. والجارَ مِن جارِه.. وابن منطقة ما، من ابنِ منطقة أخرى..؟؟؟؟!!! هذه من أهَمِّ أهدافهم.. تفرِقَتُنا.. تسهيلاً لتدميرِنا.. وصدّقيني، لا يهمّهم مَن يَقتِلُ مَن.. وليسو حريصين على أحدٍ منا، إلاّ مَن يساعِدُهم على بَغيهم، وتحقيقِ أهدافهمُ الدنيئة.. وبعدَها، يرمونهُ في سَلّة الزبالة.. إن تكرّموا عليه.. وقد يقتلونه بأنفسِهم.. وقد يتركونهُ في حال سبيله.. لا يأبَهونَ بهِ، بعْدَ أن (تنتهي صلاحيَتُه)…!!
أبدَينا سعادَتنا بأنّ (الدّولة) ما زالتْ قائمة.. دوائرُها كلّها تعمل.. الموظّفونَ يأخذونَ رواتبَهم كلّ شهرٍ، بانتظام.. والمؤسَسات الإستهلاكية.. والمدارس.. وغيرُها.. أخبَرَتني أنّ (الإرهابيين) الذين لا يُشبِهونَ البشرَ، حتى في هيئآتِهم.. كانوا قد هَدّموا المدارسَ عندهم.. لكنها الآن رُمِّمَتْ.. وعادَت للعمَل من جديد..
أخذتُ منها رقم أختها، الجديد.. واتصلتُ معها.. طارَتْ منَ الفرح.. أرادَتْ أن تحكي معي على الأرضي.. قلتُ لها : لا.. فقد حكيتُ كثيراً مع (رَجّوءة) وتعِبْتُ.. فأنا أعاني من نوبةِ (ربو ) منذُ حوالي شهر.. و (لم نرَ، بعدُ، شيئاً من آثار الحرب علينا.. ) سُعِدَتْ جداً، عندما أخبرتُها أنني ذكَرْتُها في هذهِ الرواية.. وقالت : هذهِ أجمل مكالَمةٍ تلقّيتُها من زمااااان….!! الحمدُ لله.. كما سُرّتْ جداً عندما أخبرتُها باحتمال أن يحوّلَ أحدُ المخرجين، روايتي الثالثة إلى فيلم..!!
أخبرتُ زوجي عندما عادَ من (تطعيم ) زيتونات ابن أخيه، تحتَ البيت، أنهما تسلّمان عليه..
وكذلكَ صهري..
طمأنتُهُ عنهم.. قال :
– ان شاء الله..
_________________________________________________________
سأعودُ لأكمِلَ نقلَ بقيّةِ الرواية من الدفترِ الزهريّ، إلى اللابتوب، وأنا جالسة في صالون بيتنا في (الضّهْر) أتكئُ على مسندٍ ليّنٍ، فوقَ الأريكةِ الخمرية المُستطيلة.. أمامي، على الطاولة البلاستيكية البُنيّة اللينة، اللابتوب، والدفتر.. وجهازيَ الخلويّ، وكأس (المَتّة) والإبريق.. و (الفلاشة) التي أضعُ فيها نسخةً احتياطيةً من هذهِ الرواية.. بعد أن قمتُ ببعضِ أعمالِ المنزلِ الضرورية.. تنظيف المجلى بالكلور، بعد الجلي.. والغاز.. فطور (لبنة مع زعتر”من صنعي” مع خيارة وبندورة وزيت زيتون، مع ثلاثة أرباع رغيف الخبز.. ) تمَشّيتُ بعدها على الشرفةِ، وأنا أقرأ مقالةَ زوجي في (المعرفة) عدد (نيسان 2014م) حول تاريخ صافيتا في العهد العثماني، وقرأتُ ماكتبتُهُ لهُ في أعلى الصفحةِ الأولى من المجلة (إلى الغالي…… ألف مُبارك منشورُكَ الأوّل.. فاطمة )..
_________________________________________________________
كنتُ قد قرأتُ على (الفيسبوك) أسماءَ العَديدِ من الشهداءِ، والشهيداتِ الذينَ قَتَلَتْهُمُ العِصاباتِ الإرهابيّةِ المُسَلَّحَة في (صَدَد) ودُفِنوا في (فيروزة) أو غيرِها.. أخبَرَني زوجي، بالأمسِ، أنّ ابنة أختِه، تكَلّمَتْ مع (أمل) وأنها أخبَرَتْها أنّ بَيْتَهُم تَهَدّمَ مِنْ قِبَلِ العِصاباتِ الإرهابية المُسَلّحة، بعدَ أن سَرَقوهُ.. كما فعَلوا بكلِّ البيوتِ التي استطاعوا دُخولَها في (صَدَد).. وأنّها تفكّرُ، هي وزوجُها، بالخروجِ خارجَ الوطن.. وأنها سوفَ لن تعودَ إلى (صَدَد) ثانيةً.. وقد أخبَرَتني بذلكَ، عندما تكلّمْتُ مَعَها قبلَ ساعات.. فقلتُ لها : – لا.. يا (أمل).. لا.. لا.. فلا كَرامَةَ لإنسانٍ خارِجَ وَطَنِه.. تعالوا إلى عندنا.. وقلبي، وروحي، وبَيتي مُشْرَعٌ لكِ، دااااائماً.. وإن مِتُّ.. نامي قُربي، لأضُمّكِ في حضني – أيضاً -.. وضَحِكْتُ.. قالتْ : لا.. بعيد الشرّ عَنّك..
أمي..
الآن يعرِضُ التلفزيونُ العربيّ السوريّ، على قناتِهِ الفضائيّة الرسميّة، ريبورتاجاً عَنِ المَجازرِ، والقتلِ، والتدميرِ، والإعتداءِ على البشَرِ، والشّجَرِ، والحَجَرِ، في هذا الوطنِ الغالي، منذُ 15/3/2011م حتى اليوم.. عَدَدُ المَشافي التي دُمّرَتْ (34) مَشفى.. و (18) مَشفى لَحِقَتْها أضرار.. (157) سيّارة إسعافٍ خَرَجَتْ مِنَ الخِدْمَة نهائيَاً، أحرِقَتْ، أو دُمّرَتْ.. (92) سَيّارة إسعافٍ، طالَها الضّرَر.. (455) سَيّارة إسعافٍ سُرِقَتْ.. (202) طالتْها أضرارٌ مُختلفة.. سَرَقوا أعداداً كبيرةً من سيّاراتِ الإسعافِ، ليَحشونها بالمُتفجّرات.. (10) ملياراتِ ليرةٍ سوريّة.. 3 – 5 سَنوات، لإعادَتِها إلى ما كانتْ عليه.. بالإضافةِ إلى ما أزهَقَتْهُ من أرواح.. ودَمّرَتْهُ مِن (200) مَعْمَلٍ دَوائيٍّ، توَقّفَ بشكلٍ كامِل.. وزارةُ الصّحّةِ تعمَلُ بكُلِّ طاقاتِها، بمُساعَدَةِ الأصدقاءِ، وبَعْضِ المُنظّماتِ الدّوليّة، لترميمِ ما لَحِقَ بالقطاعِ الصّحّيِّ مِنْ ضَرَر..
ويَعْرِضُ التلفزيونُ صورَةَ غُرفةِ عَمَليّاتٍ، في إحدى مَشافي القُطْرِ (حِمص) على ما أظنّ، وطبيبٌ يتكلّمُ عن أنّ المَريضةَ، هيَ طبيبةٌ تَمّ الإعتداءُ عليها في عيادَتِها، بعِدّةِ طَلَقاتٍ ناريّةٍ، في فَخذِها، وجَسَدِها، في 29/11/2011م.. وخُلاصَةُ القولِ، هذا ما حَدَثَ في (سورية) خلالَ عامَينِ ماضِيَينِ، وطالَ القطاعَ الصّحّيَّ، لوَحْدِه..
المُهِمّ، أنّ الغالية (أمّولة) قالتْ لي :
– أتعرفين..!! هذا الكلامُ، يعيدُ ليَ الأملَ في هذهِ الحياة، ويجعلُني اتفاءل..
شتَمتُها، وقلت: – هل كان عندكِ شَكّ، يا (أمل)..؟!
-لا.. لا والله، لم يكنْ عندي شَكّ..
-راحتِ التغطية، عندما شتَمتُكِ.. انقطَع الهاتف..!!
ضَحِكَتْ (أمّولَة) وقالتْ :
– أرأيتِ..!! حتى هاتفكِ، متضامَنٌ مَعي..!!
– أكيد..!!
وضَحِكْنا.. على أمَلِ أن يُدَبّروا أمورَهُم، ويُخبِرونا، لاحِقاً..
الساعةُ، الآن، السابعة ودَقيقتين..
سأستريحُ قليلاً، ثمّ أعودُ لأخبرَكِ ببَعْضِ نشاطاتي، هذا اليوم، يا أمي..
فإلى اللقاء..
_________________________________________________________
فتحتُ جهاز التلفزيون..
الآن، تقولُ مُذيعَةُ قناةِ ال (أن.بي.أن).. الفضائيّة، أنّ الجيشَ العَرَبيّ السوريّ، يُحْكِمُ قَبْضَتَهُ، بشكلٍ كامِلٍ، على مدينةِ (السّفيرَة) الإستراتيجيّة، في ريفِ (حَلَب) بَعْدَ مَعْرَكَةٍ استمَرّتْ أقَلّ مِنْ شَهر.. وأنّ (وَحْدات حِمايَةِ الشعبِ الكُرْديّ) تُواصِلُ مُواجَهَتَها للعِصاباتِ المُسَلّحَةِ، في شِمالِ (حَلَب).. والجيشُ يستمرُّ في مُواجَهَةِ العِصاباتِ الإرهابيّةِ المُسَلّحَةِ، في (ريفِ دِمَشق) قُرْبَ (السيّدَة زينب) عليها السلام..
تَرَكْتُ قَلَمي، ودَفتَري، وأغراضي، على الديفون، والطاوِلَة، قُرْبَ سَريرِكِ الغالي.. وحَمَلْتُ الصَّينيّةَ.. جَلَيْتُ كأسَيّ الماءِ، والشاي.. قَفَلْتُ البابَ الخارِجيَّ (طَقّة) واحِدَة، وتوَجّهْتُ شَرْقاً، نحْوَ بيتِ أخي الغالي.. كانتْ أختي وزوجها وأختي الثانية وابناها وابنتها، وزوجة أخي وابناهما..
نَسيتُ أن أخبِرَكِ أنّ أختي سَمِعَتْني أنادي ابنَيها من نافذةِ المَطْبَخ.. فأتَتْ، حامِلَةً (مْقَرّنة) وعِدّةَ قِطَعٍ من (أقراص بكشك) خَبَزَتْها مع زوجة أخيها على الصاجِ، في بيتِ أخي..
-من كِشْكاتي..
مُحاوِلَةً أن تغريني، أخذتُ (المْقَرّنة)وَضَعْتُها على صَينيّةٍ، فوقَ الغازِ، لآكُلَها لاحِقاً.. ولم أسْتَجِبْ لترغيبِها لي بأكْلِ ال (أقراص بكِشْك)..
-لا أحِبُّها..
كانتْ رائحَةُ الزّيْتِ المَقْليِّ على الصّاجِ، تملأُ البيتَ الواسِعَ.. وتُصيبُني، أحياناً، بالسّعال.. لكنّ جَوّ العائلةِ الحَميمَ، يجعَلُنا أكثَرَ قابِليّةً لتَحَمُّلِ، أو تجاهُلِ أيَّ شيءٍ غيرَ الفرَح..
عَمَلَتْ أختي مَتّة.. شَرِبْنا معاً.. شَرِبَ حفيدكِ الغالي (زهورات) بالمَصّاصَة.. وَضَعْتُ أنا قَطفَةَ (زَعْتَرٍ) بَرّيٍّ جافّةٍ، فوقَ (المَتّة) في الكأسِ، وشَرِبْتُها دونَ سُكّر.. حَضَرَ الغاليانِ ابن أختي وابن خاله الأغلى.. سُرِرْنا أكثَر.. أخبَرَني ابنُ أختي أنّ الغالي أخاه يَبْحَثُ لي عن (لابتوب) مُستَعْمَل.. فسُرِرْتُ جداً.. ودَعَوْتُ لهم بالخير، فهُم (سَنَدي) المَتين.. ذهَبَ مع ابنِ خالهِ مشوار مَشي في الطبيعة.. جاءَ ابنُ أخي الغالي الآخَر.. تساعَدَ معَ أهلِهِ وأخيهِ في نَقْلِ (الحَطَبِ) الذي يَقطِّعُهُ رَجُلٌ في باحَةِ الدّار، بواسِطَةِ (المِنشار) خافَ الغالي ابنُ أختي الصغرى من صَوْتِه، فطمْأنتُهُ، بأنْ شَرَحْتُ لهُ ما يَحْصلُ، بشكلٍ تمثيليّ.. المِنشارُ الذي يَعْمَلُ (بُفففففف) يُقَطّعُ الحَطَبَ.. فيَحْمِلُهُ (فلان) و (فلان) إلى داخِلِ البيتِ، ليضَعوهُ في مِدفأةِ الحَطَبِ، عندما يكونُ الطّقسُ بارِداً، ونقول : أحّححح.. ويوقِدوهُ، فنتدَفأ، ونضحَك.. مِمّا خَفَّفَ مِن خَوْفِ الغالي، من صَوتِ (المِنشار)..
أخبَرَتني أختي، أنّ الغالية ابنة أختي، حامل.. لها أكثر من عامٍ مُتزوّجة.. وأنّ ابنة أخي مَعَها بنت.. اسمُها (….)..
الحمدُ لله..
تكلّمَتِ ابنة أختي معَ أمّها، من (طرطوس).. لم تأتِ اليوم، لأنّ ابنَها مَريضٌ قليلاً.. (زُكام) (رَشْح) (بَرْد) على قَوْلة (المَغارِبَة)..
تكلّمْتُ أنا معَها، أيضاً.. طلَبْتُ منها أن تضَعَ السّمّاعةَ على أذُنِ الصّغير.. ناغَيتُهُ.. ضاحَكْتُهُ.. كَلّمْتُهُ بحُبّ : تاتا..!! حبيبي..!! داد..!! ج.. ولم يُجِبْ.. لم يُكْمِلِ العامَ – بَعْدُ -.. قالتِ الغالية أمه : إنّهُ يبحَثُ عَنكِ منَ النافذة.. ضَحِكْنا.. سألتُها إن كانتْ مُحتاجَةً أن تُطعِمَهُ (سِلْقاً) طبيعيّاً، غيرَ مُسَمّدٍ، لأرسِلَ لها مع أمّها (باقَةً) مِنَ (الخِرْبَة) قالتْ – بِتَرَدُّد – :
– والله، من عدّةِ أيام، أطعمتُهُ سِلقاً.. لكن.. لا عليه.. أرسلي لي..
أرسَلْتُ لها معَ أمها باقَةَ سِلْقٍ.. ووَضَعْتُ في كيسٍ آخرَ، بَعْضَ ال (قِرص عَنّي) بعْدَ أن نَقّيتَها، لتكونَ جاهِزَةً للفَرْمِ، كَسَلَطَةٍ، مع الثومِ، والحامضِ، والزيتِ، والمِلح، بَعْدَ غَسْلِها جيّداً.. وأخبَرْتُ أختي أنّ ال (قرص عَنّي) لها.. وكانَ أخي الغالي، حبيبك، قد أخبَرَني أنّهُ وَضَعَ لي، من عِدّةِ أيّامٍ، كيساً مِنَ ال (قرص عَنّي) كانَ قد (سَلّقَهُ) بنَفْسِه.. لا أعرِفُ مِن أين.. وتساءلَ : لماذا لم آكُلْهُ.. أبقَيْتُ لنفسي باقَةً صغيرَةً منهُ، غَسَلْتُها جيداً، ووَضَعْتُها في مِصفاةِ الستنلس.. نادَتْني أختي لآتي مَعَهُما إلى بيتِنا.. وهي وزوجها في طريقِهِما إلى (طَرطوس).. لَمْلَمْتُ أغراضي.. وأتيتُ، قبلَ الخامسة بقليل.. كانَ الدكتور، إبن سلفي، يأكُلُ الرّمّانَ على الشّرْفَةِ، معَ عَمّه.. حَيّيتُهُما، وأنا ألهَث.. قلتُ لابن سلفي :
– يلعن أبو (الخَتيرة)، والسِّمْنة، أيضاً..
قالَ – مُسْتنكِراً – :
– أنتِ سَمينة..؟!
قلتُ له :
– وَزني خَمْسٌ وسَبعونَ كيلو غرام، على الأقَلّ..
قال :
– وإن كان..؟! عادي..
قُلتُ له :
– سَمِنتُ، منذُ دَخَلْتُ ما يَدعونَهُ (سِنّ اليأس)..
قال :
– إي، عادي، وطبيعي..
ضَحِكْتُ، وقلتُ له :
– شُكراً.. شُكْراً للمُجامَلة.. لن أنسى لكَ إياها..!!
فضَحِك..
قلتُ لزوجي:
– ألله يخلّيك، أكرِمْ ابن أخيك.. ألله يجبُر بخاطرك، يا دكتور..
ودَخَلْتُ المَنزل.. بَدّلْتُ ثيابي.. وأتَيْتُ، لأجلسَ هنا.. انقطَعَتِ الكهرباءُ في الخامِسَة.. فأشعَلْتُ (الكهرباية) الزرقاء.. ووَضَعْتُها، بشكلٍ عَموديٍّ، فوقَ مَسنِدِ الديفون الذي أجلسُ عليهِ، ليلتقي نورُها بالسّقْفِ المَدهونِ بالأبيضِ، ممّا يزيدُ من مَجالِ الرؤية..
(نبّل) و (الزهراء).. المُسَلّحونَ، يَفرضونَ عَليهِما حِصاراً، منذُ سَنَتين..!!
جاءَتِ الكهرباءُ، في السادسةِ إلاّ رُبعاً.. ( الآن، تقولُ أمُّ أحَدِ الشّهَداءِ الأربَعةِ، الذينَ استُشهِدوا في “قِطاعِ غَزّة” اليوم (من كتائبِ عزّ الدينِ القَسّام) أنها كانتْ تتوقّعُ أن يأتيها مُستَشهداً، في كلِّ طَلْعَةٍ كانَ يطلَعُها مِنَ البيت.. وتحمدُ اللهَ، على أنّهُ نالَ الشّهادة.. ).. كانتِ المرأةُ مُنَقَّبةً بالأسوَد.. لا يظهَرُ منها سوى عينيها..
(ضَحايا العَبّارة الأندونيسيّة “الهِجْرَة غير الشّرْعيّة”.. السّمسارُ، صاحِبُ العَبّارَةِ، عِراقيّ.. )
جِهازيَ الخَلَويّ، أضَعُهُ في الشحن، في غُرفَتي.. لكنني أرى من فوقِ نظّارَةِ القراءَةِ، أنّ الساعَةَ المُعَلّقَةَ على الحائطِ المُقابلِ، فوقَ التلفزيونِ، تشيرُ إلى الثامنةِ إلاّ اثنَتَيّ عَشَرَ دقيقة.. زوجي يستلقي على الديفونِ المُجاوِر، يُغَطّي نِصْفَ جَسَدِهِ ببَطّانيّة.. أراهُ يتناوَلُ منديلاً وَرَقيّاً، ويَمْسَحُ أنفَه.. أظنّهُ مُصاباً بالزكام.. كانَ الطّقسُ، اليومَ، سَديميّاً.. الآن، تذيعُ (فَضائيّةُ المَنارِ) عن أحداثِ (طرابلس) وعن تهديدِ العِصاباتِ الإرهابيّةِ المُسَلَّحَةِ في (بابِ التّبّانة) لأهالي (جَبَل مُحسِن).. آااااخ… يا أمي..!!
رَفَضَ (علي عيد) الإستجابةَ إلى استدعائهِ مِنْ قِبَلِ (شُعْبَةِ المَعلومات) للتحقيقِ مَعَهُ، حَوْلَ (تفجيراتِ الرّوَيس) قائلاً، أنّهُ لا يَثِقُ بفرعِ المَعلومات.. وأنّهُ مُستَعِدٌّ لأنْ يَمْثُلَ أمامَ أيّةِ جِهَةٍ كانت.. لكنّهُ لا يُمْكِن أن يَمْثُلَ أمامَ (فَرْعِ المَعْلومات) المَشْبوه..!!
بالأمسِ، يا أمي.. استقبَلَتْ (طرابلس) جثامينَ ضَحايا (العَبّارَةِ الأندونيسيّة) التي غَرِقَتْ بهم، عندما كانوا مُتَوَجِّهينَ إلى (أستراليا) بهِجْرَةٍ (غيرِ شَرْعيّةٍ) سِمسارُها رجُلٌ عِراقيّ.. كانَ استقبالُ الأهالي لهم مأساويّاً.. عادوا بكُلِّ الجَثامينِ، إلاّ جُثمانَ طِفلٍ عُمرُهُ أكثر من عامٍ، بقليل.. قالوا أنهُ – لأسبابٍ عِلميّة مَعروفة – لا يُمكنُ للبَحْرِ أن يقذِفَ جثّةَ الصّغير.. فرَفَضَ البَحْرُ إلاّ أن يُبقيهِ في قاعِ حُضنِه..
ألله يساعِد العِباد.. كي يساعدنا، يا أمي..
أعطيتُ زوجي حَبّةَ دَواءٍ، لتُخَفِّفَ من أعراضِ الرّشْحِ، وتناوَلْتُ أنا حَبّةً، كانَ غِلافُها البلاستيكيُّ مَثقوباً.. فأنا أشعُرُ بتخَرّشٍ في حنجَرَتي..

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك