تخطى إلى المحتوى

يتابع موقع بانوراما طرطوس نشر رواية( نبضُ الجذور) للأديبة فاطمة صالح صالح- الجزء 36

12033549_954955724592396_544613874_n-225x3001كنتِ تعجنينَ، وتخبزين، على التنّورِ، كل يومَين مئة رغيفٍ من طحين الحنطة البلدية السمراء.. تساعدك بتولُ في رَقّها وهَلِّها، وإحضارِ “الحْمايِة ” إلى التنّور… بل، وحتى إنكِ جَرّبتِ أكثر من مرة، أن تنقلي الماءَ من “عين الغربية ” لكنكِ لم تستطيعي حَمْلَ جَرّةِ الفَخّار، أو تَنكَةَ الصّفيحِ، على رأسِكِ، أو كتفِك… كنتِ تحضنينها فوقَ بَطنِكِ، أو صَدرِك.. ممّا يُثيرُ ضحكَ الآخرينَ، المُحِبّ…
لم تقولي، يوماً “كنتُ ” … أبداً… يا مَريم……
أنتِ مَنِ اخترتِ هذا الواقعَ، وأنتِ التي قبلتِ به.. ولم تتذمّري…..
آنَسْتِ الخَصيبةَ يا مَريَم….
ساهَمتِ في رَفعِ شأنها، أيتها الطّيبة….
كم امرأةٍ تعلّمت على يديكِ الخياطةَ، أو أصلحتِ لهنّ ماكينات الخياطة……!!
كم امرأةٍ تعَلمت على يَديك التطريز على “الطّارَةِ ” الخشبية..!!
أو حياكَةَ كنزاتِ الصوفِ.. ونقلَ القطَبِ من “الجورنال “.. !!
أو شغلَ صنارةِ “الكْروشيه “.. أو شغلَ الإبرة.. أو تنسيلَ بعضِ الخيوط من قماشِ الكتّان، بشكلِ فنّي ناعِمٍ، لتزيدَ من جَمالِ القِطعة……!!
كم امرأةٍ أو طفلٍ، تعَلّموا على يَديكِ القراءةَ والكتابة….!!
كم ساعَدتِ الفقراءَ والمُحتاجينَ، يا مَرْيَم………..!!
كم رَقّعْتِ ثياباً..!!
وكم قطعتِ عن نفسِكِ وأطفالِكِ، لتساعِدي مَن هم بأمَسِّ الحاجة إلى ذلك، يا مَريَم……..!!
ولا تريدينَ على ذلكَ جَزاءً، ولا شُكورا……………………
ماذا سأعدُّ من فضائلِكِ، يا مَرْيَم……………………….!!
وكيفَ أحصيها، أيتها المَرأةُ، الوطن…؟؟!!
فكيفَ لايقلقُ عليكِ كلُّ هؤلاء….؟؟!!
وكيفَ لا تهتزّ ” الخَصيبَةُ ” وغيرُ الخصيبةِ، على وَقْعِ سماعِهم خبَرَ مرضِكِ، وخطورةَ وَضعِكِ، يا مَريم….؟؟!!
كيف لا يشعرُ زوجُكِ بتأنيبِ الضميرِ تجاهك..؟!
هوَ الذي يعرفُ كيف كنتِ تعيشين.. وكيف أصبحت عيشتكِ، يا مريم..؟!
12717853_954624567958845_1837320488439438027_n-225x3001كيف تنبّهَ، بعدَما ظنّ أنهُ سيفقدُكِ، لا مَحالة، بين لحظةٍ وأخرى، أن ينزلَ إلى طرطوس، بحجّةٍ واهيَة، والقصدُ هو المرورُ على الفندقِ الذي تنزل فيه بَتول وعَريسها، من يومَين فقط.. ليُخبرَ ابنتكما الشابةَ الصغيرةَ، التي مافتئتِ توصينَ حَماتها بها :
( – أم كامِل… أوصيكِ ببَتول…… بَتولُ مازالتْ صغيرةً.. صغيرةً جداً، يا أم كامِل.. أوصيكِ بها، يا أم كامل… انتبهي عليها جيّداً……… بَتولُ، أمانةٌ عندَكِ.. فهيَ مازالت صغيرة.. لا تعرفُ شيئاً عن هذه الحياة…………….)
لم توصي بأحَدٍ، سوى ببَتول، يا مَريَم……….
فكيفَ لا تعبدُكِ بَتول، يا أمها الغالية……..؟؟!!
بَتولُ، التي لم تكنْ راغبةً بالزواج.. لكنكِ أخَفتِها من عِقابِ أبيها، إن لم توافق :
“- والله، كان أبوكِ يذبحك، إن لم توافِقي…”
قلتِها بعَفويّةٍ، ربما….
وربما، لأنكِ كنتِ راغبةً بحياةٍ أفضَلَ لابنتِكِ، يا مَرْيَم…
فارتعَبَتِ الصغيرةُ من احتمال عقوبة أبيها، إن قالت “لا “…. في ذلك البيتِ الذي لم يعتَدْ فيهِ أحَدٌ على قولِ “لا “…. أو، حتى التذمُّرَ من شيء.. مهما كان مُخالِفاً لرَغبتِه…
هذا البيتُ الذي يعمل أهله بشكلٍ متواصل، كخلية نحل…. لم يكنْ فيهِ مُتّسَعٌ للمُناقشةِ، أو الإعتراض…
اتصلَ عريسُها من الفندق، إلى الهاتف الوحيد، الذي يُدارُ باليَدِ، بشكلٍ دائريٍّ كالطاحونة، عند التاجر الغني “سميع شيبان ” :
-ماذا لديك من أخبار الخصيبة..؟!
-ليش.. ألم تسمع..؟!
وجُنّ جنونُ بَتول :
-أمي… أمي… ما بها..؟!؟!
ماتت..؟! ماتت..؟؟!
قُل لي.. قُل لي..!!
آآآآآآآآآآآآآآآه………………………….!
بصوتٍ ارتجّ لهُ الفندق..
مما أخجَلَ، وأربَكَ عريسها.. فحاوَلَ طمأنتها.. لكنها ألحّت عليه بالعودة إلى “الخَصيبَة “.. لترى أمها……….
استأجَرَ عريسُها تاكسي، وعاد بها إلى القرية، ليجدا الخصيبة كلها تترقّب بقلق بالغ وَضع مريم…
تجَمّعٌ حاشِدٌ من الأهالي حَولَ بيتِ “عادِل الشيخ مَجيد “….
وبسرعةِ البرقِ، دخلت بَتول :
-أمي… أمي ي ي ي ي ي…………..
أخبِروني… ما بِها أمي……….؟؟؟!!
ماتت..؟! قولوا……… لا تخفوا عني شيئاً……….
حاوَلت عَمّاتها مَنعَها من الدخول، إلى أن تهدأ.. فوضعُ أمها لا يحتملُ أيّ انفعال.. لكنها أصَرّت على الدخول، مُحاوِلةً أن تبدو متماسِكةً قدرَ الإمكان….
تنبّهَتْ مَرْيَمُ أن ابنتَها بَتول هيَ التي تقبّلها هذه القُبلةَ الدافئة… هيَ التي تُلصِقُ خدّها بخدِّها، وتهمسُ في أذنِها :
-حَبيبتي، يا أمي………. حبيبتي….
استدارَت مَريَم.. فتحَتْ عينيها رُبعَ فتحةٍ، ورَفعَتْ يَدَها اليُسرى، مُحاوِلةً أن تحيطَ بها عنقَ ابنتِها، التي لم تتمالكْ نفسَها أكثر :
-بَتول.. جِئتِ يا مَلعونة..؟! كنتُ سأموتُ يا ابنتي.. الحمد لله.. الحمد لله……
مُسرِعةً، خرَجت بَتول.. لتنهارَ فوق المقعدِ في الغرفةِ المُجاورة.. مُطلِقةً العِنانَ لمَشاعِرِها كلّها، بالتعبيرِ الصادِقِ الحُرّ :
-أعيديني إلى رَحِمِكِ، يا أمي.. فأنا غيرُ راغِبةٍ بهذا الزواج.. غيرُ راغِبة.. غيرُ راغِبة….
أمي….. عيسي يا أمي… أرجوكِ، عيشي…..
مازالَ الوقتُ مُبكِراً على الرحيل……
لم أشبَعْ منكِ، يا أمي…
أعيديني إلى رَحِمِكِ يا أمي..
فأنا لا أرغبُ بمَن ضَرَبَني وأنا مَخطوبةً له.. ولا بمَن يحرمُني من كلِّ ما لا يُعجبُه..
يُقيّدني….
أنا حُرّةٌ، يا أمي…
حُرّةٌ، وابنةُ حُرّةٍ، وابنةُ أحرار… لم ينحَنوا، يوماً، لسِوى خالِقِهم جَلَّ جَلالُه….
لا أستطيعُ العَيشَ مع مَن يحرمُني من حُرّيتي، وكَرامَتي…..
أنا غيرُ قابلةٍ على التدجينِ، يا أمي…
أنا مُهرَةٌ عَرَبيةٌ، لا تقبَلُ التدجينَ، مهما رَوّضوها……..
***
ها هيَ صورتُكِ أنتِ وعادِل، ليلةَ زفافكما، مُعَلّقةٌ على حائطِ الصالون، إلى جانبِ صورتِكِ معَ أبوَيكِ.. واقِفين.. تلبسينَ طقماً أسوَدَ، تنّورَتُهُ واسِعةٌ، تصِلُ تحتَ الرّكبتينِ بعِدّةِ سنتيمترات، وقميصاً أبيضَ أنيقاً، وتحملينَ في ساعِدِكِ الأيمَنِ، حقيبةَ يَدٍ سَوداء..
شَعرُكِ المُصَففُ، يعلوهُ غصنٌ من الوَردِ الأبيضِ الناعِم..
وزوجُكِ النحيلُ، الجَميلُ إلى جانِبِكِ، يلبسُ طقماً بُنياً، وقميصاً أبيضَ، وكرافتة.. تظهرُ من جَيبِ الجاكتة قطعةُ قماشٍ مثلّثةٍ، تشبهُ المَحرمة..
جميلةٌ، أنتِ يا مَريَم… وجَميلٌ، ابنُ عمكِ عادِل…
كم كنتِ، حينها، وما زلتِ تشعرينَ بالدّعمِ الماديّ، والمَعنويّ، من يومِ أن وَصَلَ عادِلُ إلى ميناءِ “بْوينوس آيرس ” ليتزوّجَكِ….!!
مَعذورةٌ، إن أحبَبتِهِ إلى هذا الحَدِّ، يا مريم..
ومَعذورٌ، هو أيضاً، إن أحَبّكِ بنفسِ الدّرَجة….
(الحَمْدُ للهِ تعالى )..
تصاعَدتِ الصّلواتُ، شكراً للهِ العَليّ القدير، عندما بدأتْ صحّتُكِ بالحَسّنِ، يا مَريَم…
بدأت دموعُ الفرَحِ تتساقطُ من العيون.. والنذورُ توَفّى، شُكراً للهِ تعالى، الذي مَنّ عليكِ بالشّفاءِ، وأعادكِ إلى الحياةِ ثانيةً، حتى ولو بوَجهٍ شاحِبٍ جداً..
كانَ ما يزالُ شاحِباً، عندما سَمعتِ بخبَر وفاةِ أمكِ، وأنتِ تجلسينَ على كرسيّ صغيرٍ من القشِّ، وتدعكينَ تِلالاً منَ الثيابِ الصغيرةِ والكبيرةِ، المُلونة والبيضاء، في “طَشْتٍ ” أمامكِ، فوق كرسيّ آخر.. ووعاءٌ من الصفيحِ يغلي فيه الماءُ، وبَرْشُ الصابونِ، والمَسحوقُ المُبَيِّضُ للغسيل.. فوقَ مَوقدٍ من الحَطبِ، على يمينكِ، في (بيتِ الشّرْقي ).. تلبسينَ فستاناً مُزهّراً، يغطّي رُكبتيكِ.. وتحتهُ بنطال بجامةٍ واسِع، يستُر ساقيكِ التي تنفرُ منها عُروقُ الدّوالي الزرقاء.. وشَحّاطة من البلاستيك، نمرَتها أكبر من نمرة حذاء زوجِك…
تهَلّلَ وجهُكِ، عندما ناوَلتكِ ابنتُكِ الرسالة.. مَسحتِ يديكِ النافِشتينِ من الرطوبةِ والماءِ الساخِن.. إحداها يكادُ الدمُ يخرجُ من تحتِ جلدِها الرّقيق، لكثرةِ ما دَعَكتِ فوقها الغسيل…
وبسرعة البرق، فتحتِها.. وبَتولُ، وصديقتُها تنظرانِ إليكِ بفضولٍ، لم يلبَث أن أغرى بقيةَ أبنائكِ بالتجمّعِ حَولكِ، للإستماعِ إلى أخبارِ الجَدّينِ في ذلكَ الوطنِ الغريبِ، الذي ما يكادُ يمرّ يومٌ إلاّ ويُذكَرُ فيه.. ولم تبرَحْ تفاصيلُ حياتكِ فيهِ مُخيِّلاتهم، أبداً…
تساءَلَ بعضُهم :
-هل ما يزالُ جَدّاهم يُطالبانِ بهم..؟!
أم أنّ جَدّهم مايزالَ يلحّ على إرسالِ “سليمان ” فقط..؟!
لكنّ وجهَكِ، ما إن قرأتِ عدّةَ أسطر، حتى تحوّلَ إلى وجهِ مَوتى…
ما بكِ، يا مريَم..؟!
آه.. يا أمي…….!!
أخذتِ تقبّلينَ الرسالةَ، ثمّ تلصقينها بصَدرِكِ، تمَرِّغينها فوقَ خدّيكِ المُبَلّلينِ بالدموعِ الحارِقة.. وفوقَ قلبكِ الدامي، يا مَريَم…
-ماتتْ أمي ي ي ي ي ي……….!!!!!
ماتتْ.. ماتت…………………..
لم يُخبروني سوى أنها مريضة..
ظننتهُ مرضاً عادياً..
هيَ عَجوز.. فكيفَ لا تمرض..؟!
في كلِّ رسالةٍ، كنتُ أسألُ أبي عن حالِ أمي.. فيجيبُ إنها ماتزالُ على حالِها.. فأحمدُ اللهَ أنّ حالَها لا تسوء..
لكنني لم أعرف أنه مرضُ الوَداعِ الأخيرِ، يا أمي…
آه… يا أمي….!!!
سامِحيني يا أمي.. سامِحيني.. سامِحيني أرجوكِ.. آخ… يا أمي.. يا حبيبتي.. يا صديقتي.. يا غالية….!!
رحلتِ…؟! أكادُ لا أصَدّقُ أنني سوف لن أراكِ يا أمي..
رحمَكِ الله.. رحمكِ الله.. رحمكِ اللهُ يا أمي……
(إنا لله وإنا إليه راجعون )..
***
بعدَ مدة.. أرسَلَ (صالِح ) رسالةً إلى ابنتهِ (مَرْيَم ) :
(-لقد صِرتُ وَحيداً….
أنا وَحيدٌ يا مريم.. وحيدٌ يا ابنتي.. فتصَرّفوا بما ترَونهُ مناسِباً..)
وبعدَ مُشاوَراتٍ بينها وبين زوجِها، قرّرا السفرَ لإحضارهِ ليعيشَ ما تبقّى لهُ من عُمرٍ، بينهم.. مُعَزّزاً، مُكَرّماً.. إلى أن يتوَفاهُ اللهُ تعالى.. وإبلاغِهِ بقرارِهما هذا، دون تحديدِ موعِدِ السفر..
كانت أسرةُ عادِل، تعاني من الضيقِ المادّيّ الشديد.. وكانَ قد أصبحَ نزِقاً جداً…
و مَريَم، كانت ماتزالُ شاحِبةً، ومُرهَقةَ الجسمِ والرّوح.. مُشَتتة.. مَقهورة…
-لا عَليكِ، يا مَريَم… سنسافرُ أنا وأنتِ في القريبِ العاجِل.. سأستدينُ أيضاً، حتى أوَفّقَ ببيعِ قطعةِ أرضٍ أخرى، بعدَ عَودتنا، إن شاء اللهُ، بالسلامة…

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك