تدَفقت الذكرياتُ دفعةً واحدة.. وعادِل يحمل الحقيبة الكبيرة.. وأنا أسير بجانبهِ، حاملةً الكيسَ، وحقيبةَ يدي.. كلانا صامتٌ، ومتوتّرٌ بشكلٍ كبير…
هذا هوَ دارُنا……………
هذهِ شجرةُ التوتِ التي زرعها أبي… لقد أصبحَت كبيرةً جداً…
قرَعنا الجَرس…………
هل كان المِفتاحُ في الخارج..؟! أم أنّ البابَ الخارجيّ كان مفتوحاً..؟!
والله لا أدري…
كل ما أذكرهُ، أنني كدتُ أقعُ، عندما سمعتُ صوتَ فتحِ البابِ الداخليّ.. وصوتَ خطوات أبي الشيخ، وهوَ يجرّ قدمَيه على البلاطِ، متقدِّماً نحوَ الباب.. وأنهُ، عندما تفاجأ بشَخصَينِ يُقابلانهِ، وَجهاً لوَجهٍ، يحاوِلانِ الدخول، ارتجَفَ جسمُهُ النحيلُ، من أعلى رأسهِ، حتى أخمَصِ قدَميه.. وتراجَعَ خطوَتين إلى الخَلفِ، وهوَ يرفعُ يديهِ، مُحاوِلاً رَدّ اعتداءٍ، كان متأكّداً أنه سيقع عليه.. فقد كان اعتداءٌ مشابهٌ قد وَقعَ على عربيّ آخرِ منذ وقتٍ قريب.. وُجدَ العربيّ مقتولاً، دون أن يُعرَفَ قاتِلهُ، أو سَبب قتله…
صَرَخَ بنا :
-مَن.. مَن أنتما..؟! ابتعِدا عني.. ماذا تريدانِ مني..؟؟!!
-أنا مَرْيَمُ يا أبي.. مَريَم.. وهذا زوجي عادِل…
-مَريَم، مَن..؟! تَبَعْ مين..؟!
-أنا ابنتُكَ مَريَم.. مريم يا أبي.. ألم تعرفني..؟!
حَدّقَ بنا كثيراً، وهوَ يحاوِلُ طمأنةَ نفسِهِ، ويرخي ساعِدَيهِ بالتدريج، وبشكلٍ بَطيء :
-مَريَم.. مَريَمُ ابنتي..؟! ابنتي أنا..؟!
إذا كانَ هذا صَحيحاً، فأنا خُلِقتُ من جَديد….
ضَمَمتُهُ بقوّة.. وضَمّني بما تبقّى لديهِ من قوّة.. أخَذَ يشدّ جسمي إليهِ، ويبكي.. يبكي بمَرارةٍ، وبصَوتٍ مُرتفِعٍ، وهوَ يُرَدّد :
-ابنتي أنا..؟! مَرْيَم…!! الحمدُ لله.. الحَمد لله….
أينَ أنتِ يا سَكينة..؟!!
كان أبوكِ قد تهالَكَ من البكاءِ والنحيبِ، وهوَ يرى هذا المَشهَدَ بالغَ التأثيرِ، فارتمى على مقعدٍ مجاوِرٍ للمقعدِ الذي جَرّني أبي، وجلسَ عليهِ، ووَضعني في حضنِهِ، كأنني ما زلتُ طِفلتهُ الصغيرةَ المُدَلّلة.. وهوَ يبكي، ويمسَحُ على رأسي، ووجهي، وساعِدَيّ، برِقّةٍ وحَنانٍ، وهوَ يتأمّلني، غيرَ مُصَدّق…………
كنتُ أندبُ أمي، وأدعو لها بالرّحمة.. وعندما أنهَكَني البكاءُ والندب، راحَ أبي يُعزّيني :
-هذه هيَ حالُ الدنيا يا ابنتي.. كلّنا زائلون.. فلا تبكِ.. لا تقهريني أكثر يا مريم.. إنه القدَر.. إنها مشيئةُ اللهِ، الذي يفعلُ ما يشاء.. وكلّ مايفعله هو حَقّ.. وعلينا قبوله، والتأقلُم معه…
استرَحنا قليلاً، قبلَ أن أقومَ لأتفقّدَ البيتَ والدارَ والحديقة..
كانت ستائرُ أمي التي حاكَتها بيديها، وثبّتتها على نوافذِ وأبوابِ البيتِ كلّها، من أعلى السقفِ، حتى بلاطِ الأرض.. ماتزالُ كما هيَ..
أذكرُ أنّ لونها كان زهرياً، لكنها، عندما لاحظت أنّ لونها تغيّرَ قليلاً، بفعلِ الشمس، فكّتها، وغسَلتها، وصَبغتها من جديد، باللونِ البيج.. وما تزالُ بنفسِ اللون…
كانت تكويها كلها، وتكوي كل قطعة قماش في البيت، حتى ثيابنا الداخلية.. وكلها كانت من صنعها.. وقد علّمتني الحياكة، والتطريز.. فصرتُ أساعدها.. وعندما لاحظت مَيلي إلى هذه الأعمال، وضعتني عند خيّاطة من (بوليفيا ) سوداء البشرة.. كانت لطيفةً جداً معي، ومع بقية المتعلّمات.. وبقيت عندها حتى أتقنتُ الخياطةَ والتطريز، وشغلَ الإبرة، والصنارة، والصوف، وما شابَهَ هذه الأعمال، بشكلٍ كبير.. وصرتُ قادرةً على نقلِ أيةِ “قطبة ” أو “موديل ” من الجورنال.. بمُفرَدي.. وبإتقان…
فتحتُ الخزانة.. كانت كما عهدتُها، مُرتّبة، نظيفة.. فوجئتُ بثيابي التي ترَكتها منذ تسعةَ عشر عاماً، وبعضِ ثيابِ عادِل، وصغيرِنا سليمان.. كانت كما هيَ.. تعبَقُ منها رائحةُ “النفتالين “.. تناوَلتُ عَلاّقةَ بلاستيك دائرية صغيرة، تكرجُ فيها بعضُ حَبات النفتالين.. وَضتها في حقيبتي…
تلمّستُ ماكينةَ الخياطةِ المَطوية.. فتحتُ أدراجَها.. مازالت أصابعُ أميَ النشيطةُ تحوكُ فرقها، وهيَ جالسةٌ على كرسيّ مُرتفِع.. تناوَلتُ عدةَ بَكراتٍ من الخيوطِ المصنوعةِ في الصين.. أسود، وأبيض، ومُلوّن.. وَضعتها في حقيبتي أيضاً…
دخلتُ غرفةَ “الكراكيب “.. شمَمتُ رائحةَ أمي تعبقُ في زواياها أيضاً.. فوجئتُ بكُتبي، ودفاتريَ المدرسيةَ، يعلوها الغبار، وهيَ مُرتّبة في المَكتبة على الحائط…
تصَفحتُ بعضَها.. وكان خطّي مايزالُ يتعثّرُ فوقَ صَفحاتها.. وأقلامي…..
آآآآآآآآه، يا أمي…………..!!
وفي الصباح، ذهَبنا لزيارةِ قبرِها.. وبعدَ أن “عملنا اللازِم “، ونظّفنا الرخامَ من وَرَقِ الشجَرِ المُتناثِرِ فوقه، قال لنا أبي، إنها المرّةُ الأولى التي يجدُ ورقةً فوقه.. ربما لأننا جئنا في وقت مُبْكِرٍ جداً…
كان، كلّما زارَها، يجدُ القبرَ نظيفاً، وباقات الوردِ الموضوعة فوقهُ، جديدة، ومُتجدّدة…
كان زوّارُ القبورِ من جيرانها، يفعلون ذلك…
فقد كانت سَكينةُ طيّبةً، وحَنونة.. وهم يُحاوِلونَ مُكافأةَ تلكَ المرأةِ العرَبيةِ الطيّبة، التي جاوَرَتهم بسلامٍ، حَيّةً، ومَيتة….
- الرئيسية
- ثقافة
- يتابع موقع بانوراما طرطوس نشر رواية( نبضُ الجذور) للأديبة فاطمة صالح صالح- الجزء 38
يتابع موقع بانوراما طرطوس نشر رواية( نبضُ الجذور) للأديبة فاطمة صالح صالح- الجزء 38
- نشرت بتاريخ :
- 2016-03-08
- 6:53 م
Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print
إقرأ أيضامقالات مشابهة
تابعونا على فيس بوك
https://www.facebook.com/PanoramaSyria
تابعونا على فيس بوك









