هل ترتدي المرأة ما يناسبها من ثياب وأحذية أم أنها رهينة الألوان والموضة، ولماذا تنتعل بعضهن الكعب العالي طوال ساعات العمل حتى لو علمن بأن هذا الكعب يسبب الكثير من المشكلات الصحية، وبعضهن يعانين من بعض تلك الأعراض؟ النحافة ودورات الرشاقة وزيارة دور التجميل أكثر الأماكن العامرة بهوس الكثير من النساء. وبسبب عقد النقص تجاه «الإفرنجي»، تصل إلينا بعض سلوكيات الفقر عند الغرب كموضة، مثلاً ظاهرة التشطيبات على بنطال الجينز أو الترقيعات عليه تقليد لثياب استهلكت حتى تشققت في الغرب لكنها وصلت إلى بلداننا كموضة.
لا يتوقف الهوس بالتجميل هنا، لكن بعد تطور التجارة في هذا المجال أصبحت العمليات الجراحية إحدى أكبر مصادر تشكيل الثروات مع تزايد اللهاث خلف الحصول على الأجمل.
لماذا تتجمل المرأة، ولماذا يرهن الكثير من النساء حياتهن للتجميل؟
حالات صادمة
تبدأ الهام بتزيين وجهها قبل موعد انطلاقها من البيت بساعة كاملة، بالكاد تكفيها لوضع كل المساحيق المطلوبة، ومع الساعة الثامنة صباحاً تستلم عملها وهي تظهر بمظهر من يريد الالتحاق بأصدقائه في سهرة أو مناسبة، تؤكد إلهام أنها اعتادت وضع الزينة على وجهها، ولا تتخيل نفسها من دونها، وعند سؤالها عن سبب الاستمرار في تلك العادة في أوقات العمل تقول: إنها تتجمل لنفسها وليس لتنال إعجاب الآخرين، وكي تتدبر أمور الإنفاق على مواد التجميل مع كل هذا الغلاء أصبحت تقتصر على عدد محدود من المكياجات، وأصبحت تشتري الأرخص رغم معرفتها بمساوئ تلك المواد، لكن الغلاء يفرض عليها شراء هذه الأنواع مادامت لا تستطيع الاستغناء عن التزين.
أما لمى فأكثر ما يرهقها ماذا سترتدي هذا اليوم وخاصة بعد ارتفاع أسعار الملابس الذي جعل إمكانية الشراء محدودة، حتى فيما لو قصدت محلات الألبسة المستعملة (البالة).
لا تغير غنوة عادتها في ارتداء الكعب العالي رغم آلام الظهر التي تعانيها، ولتبرير سلوكها هذا صاغت نظرية خاصة بها مفادها أنها لا تستطيع المشي بحذاء بلا كعب «زحف»!
مع الطموح الأكبر للحصول على تكوين مختلف تصبح المخاطر أكبر وكذلك التكاليف، دخلت سلمى في حالة كآبة حقيقية بعدما خضعت للمرة الخامسة لعملية تجميل أنف، لم تعد بالنتائج المرجوة، قال لها الطبيب إنه لم يعد بالإمكان تغيير شكل أنفها، وبالكاد عمل بعض الإصلاحات الطبية للأضرار الناجمة عن العمليات السابقة، لكنها لا تتوقف عن العتب على طبيب لم يجعلها تبدو بالصورة التي تريدها.
هناك حالات أكثر خطورة، فبعدما دفعت رنيم ثلاثة ملايين ليرة مقابل عملية تجميل أجرتها في بيروت كي تحصل على شكل جسد نموذجي، لم تستمتع طويلاً بالشكل الجديد، لأنه بعد مرور عامين على العملية بدأت المواد المحقونة في جسدها تتقيح وتفتح الجلد تحتها، خضعت الشابة لرحلة علاج بلغت تكلفتها أكثر من عشرة ملايين ليرة في إحدى المشافي الخاصة، وما زالت في مرحلة الخطر، عندما تتوقف عن الصراخ بعد كل جلسة ضماد تسأل ماذا فعلت بحالي؟
وهمية إيهامية
أستاذة الفلسفة د. رشا شعبان تصف المبالغة بموضوع التجمل بالحالة الوهمية الإيهامية:
وهمية لأنها تعتقد إن لم تكن على مستوى من الجمال فلا وجود لها، وكأن الجمال يتعلق بالجسد والمظهر، في حين هو أخلاقي وروحي، وحضور كل ذلك له أهمية بحضورها.
وإيهامية، لأن المجتمع يوهمها أنها إن لم تكن على هذا المستوى من الجمال فهي ليست أنثى.
من هنا تنشأ ثقافة التقليد والمحاكاة، بمعنى أن الآخر هو مقياس أو معيار الجمال، وتعتقد الأنثى أن الموضة هي معيار الجمال، علماً بأن كثيراً من أنواع الموضة يتنافى مع معايير الثقافة الحقيقية للبلد، وهو شكل من الاستثمار الاقتصادي لدول أخرى تسهله لها فكرة الاستلاب للغرب الذي يصدر لنا معايير الجمال، وبذلك تشيئ المرأة ذاتها، وتصبح وكأنها بضاعة تعرض مالديها.
تضيف شعبان أن الأمر يتعلق بقناعة المرأة ورضاها عن ذاتها، فكلما كانت تقدر ذاتها تبتكر جمالاً خاصاً بها، وكلما ارتقى مستوى التفكير عندها ارتفعت عندها معايير الجمال إلى الوعي الجمالي.
جسد للتسويق
وعمن يتحمل مسؤولية تشييئ المرأة رأت د. شعبان أن الطرفين مسؤولان، فيجب على المرأة ألا تنجر إلى ثقافة الجسد، وكأنه مركز لتسويق البضاعة والمنتجات، وكذلك المجتمع مسؤول بنظرته ومستوى وعيه تجاه الأنثى وخاصة عند طغيان ثقافة الجسد على ثقافة العقل والوعي، فالمجتمع جذر ثقافة الجسد عند المرأة، وأشاع حالة حضورها بجسدها أولاً، مع تهميش إمكاناتها الفكرية والعقلية وجعلها درجة ثانية.
أضافت د. شعبان أن المجتمع الذكوري ساهم في إشكالية الوعي الجمالي، لأن الجمال عند الأغلبية منهم ينحصر بجمال الشكل أكثر من المضمون الفكري والأخلاقي فأصبحت المرأة ترضى عن ذاتها بقدر ما يرضى هو عنها، ولأن رضاه عنها جسدي شكلي غالباً، تصبح حاضرة بقدر ما تحضر لدى الآخر أي انها موجودة من أجل غيرها لا بذاتها، وقد طغت هذه الثقافة الذكورية على ثقافة الأنثى حتى أصبحت مقتنعة بها.
وترى د. شعبان أن ما سبق لا يعني ألا تهتم المرأة بشكلها وجمالها، لكن يجب ألا يطغى بشكل يتحول إلى عقدة نفسية وهستيريا جمالية، والمشكلة أن الحضور الجمالي للأنثى الذي يشكل بصمة خاصة بها وبطريقة تفكيرها تراجع كثيراً، بحيث أصبحت النساء تتشابه لأن المعايير توحدت وفق بضاعة المنتج، فالكل يسعى لأن يشبه آخر، لا أن يشبه ذاته، علماً بأن الجمال في الاستثناء والتفرد وليس في النسخ الاستهلاكية، التي تحددها شركات لتسويق بضائعها، وزيادة أرباحها ولو على حساب تحويل الأنثى إلى دمية ضاعت تعابيرها الحقيقية.
اختلال الصورة
لا يختلف الأستاذ في قسم الإرشاد النفسي في كلية التربية د. رياض العاسمي في رأيه مع ما سبق، ويضيف أيضاً أن التجميل مطلوب، لكن إذا وصل إلى درجة كبيرة من السعي لتغيير المظهر، والشعور بالخجل بمواجهة الآخرين عند اعتقاد الأنثى أنها غير لائقة، ويدفعها الأمر للعيش في حالة قلق ووحدة فهذا يسمى اضطراب صورة الجسد، الناتج عن تشوه في العلاقة بين مكونات مفهوم الذات.. ومن العوامل التي تساهم في اضطراب صورة الجسد الأسرة، عندما تستهزئ أو تنتقد شكل الطفل، بشكل يحدد له معايير الجمال، وكذلك العامل الاجتماعي، فلكل مجتمع معايير جمال ويجب على الفرد أن يحاكي هذه المعايير، وإذا ابتعد عنها أصبح بحالة شذوذ، يحاول قدر الإمكان الوصول إليها.
يسرى ديب










