صحيح أن كثيراً من مؤسسات الدولة تعيش هذه الأيام وضعاً مشابهاً، إلا أن ما يحدث للصحف الرسمية اليوم، وما وصلت إليه من تدهور وانكماش على مختلف الأصعدة، يخرج عن إطار تأثيرات الأزمة وتداعياتها، ليدخل في دائرة المسؤولية الحكومية المباشرة، وعلى ذلك فإن هناك تفسيرين لما يحدث: إما أن الحكومة تتقصد إضعاف الصحافة المطبوعة لأسباب عدة، أو أن الأمر يتعلق بالاجتهادات الشخصية، والضبابية التي تلف استراتيجية وزارة الإعلام حول مستقبل الإعلام الرسمي.في التفسير الأول تحضر مؤشرات كثيرة، تؤكد تقصد الحكومة إضعاف الصحف الرسمية ومؤسساتها، ومن هذه المؤشرات ما يلي:
-الضغوط المباشرة على الصحف اليومية وكادرها الصحفي، الممنوع عليه تناول القضايا الرئيسية في حياة المواطنين بعمق وجرأة، وحبذا لو يقدم لنا أحد المشككين بهذا الكلام عنواناً لتحقيق صحفي واحد نشرته صحيفة رسمية محلية خلال السنوات الأخيرة، وأحدث ضجة محلية أو ردود فعل كبيرة.
-إجبار الصحف الرسمية على تخفيض عدد صفحات العدد اليومي ليصل إلى 12 صفحة، مع استثناءات خاصة مرتبطة بحالة الطلب على الإعلان، وذلك بحجة تخفيض النفقات وعدم وجود اعتمادات لشراء الورق، دون أدنى اكتراث إلى المهمة الأخطر للصحف في تكوين الرأي العام وتنويره وترويج سياسة الدولة، لاسيما في هذه المرحلة التي تتعرض فيها البلاد لحرب إعلامية، قوامها تزوير الحقائق ونشر الفتن والكراهية الطائفية.
وهنا تتبادل رئاسة الحكومة ووزارة الاعلام المسؤولية المباشرة عن قرار تخفيض عدد الصفحات، إذ أن كل منهما يرمي الكرة إلى ملعب الأخر!!.
-محاصرة الصحف مالياً، وعدم الموافقة لها على تجديد كادرها الصحفي بمسابقات نوعية بذريعة عدم توفر الاعتمادات. هذه الاعتمادات للمفارقة تتوفر لجهات كثيرة، سواء كانت تابعة لوزارة الاعلام كالهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، أو لوزارات أخرى.
-سكوت رئاسة الحكومة ووزارة الاعلام، وصمتهما المريب عن إجراءات التخريب والتدمير التي تجري في بعض الصحف، وأدت إلى تسرب كوادر إعلامية كثيرة إلى خارج الصحف الرسمية، وحتى خارج البلاد أحياناً، وهو ما يؤكد تقصد الجهتين “وأد” الإعلام المطبوع.
-استبعاد الصحف نهائياً من أجندة وزارة الإعلام واهتماماتها، فمثلاً خلال الجلسات الثلاث لمؤتمر جنيف لم يكن بين الوفد الإعلامي المرافق أي ممثل للصحف الرسمية، وهذا يناقض تماماً الحضور الدائم للصحف وممثليها في الزيارات والمؤتمرات الرئاسية خلال السنوات الماضية، وفي الدعوات الخارجية الكثيرة، التي كانت تتلقاها الصحف لتغطية فعاليات وأنشطة أو تبادل الزيارات وغيرها.
أمام كل ذلك..لماذا تتقصد الحكومة تحييد الصحف الرسمية وإهمالها؟ ولماذا تجاريها وزارة الاعلام في ذلك، وهي المفترض بها أن تدافع عنها وتساندها؟.
باختصار، الحكومة تخاف من الكلمة المطبوعة، لذلك تراها تضغط على الصحف ولا تبالي كثيراً بما يبثه التلفزيون، فيما وزارة الاعلام تهمل الصحف المطبوعة انحيازاً منها للتلفزيون وللإعلام الالكتروني، لكن للأسف فإن سياستها هذه لم تأت إلا بالفشل، فالصحف تراجعت كثيراً عما كانت عليه، وأرقام التوزيع تؤكد ذلك، والتلفزيون لايزال يعاني من المشاكل نفسها المثارة منذ سنوات طويلة، وربما زادت أكثر مع زيادة عدد القنوات.
أما المواقع الالكترونية، التي أحدثتها الوزارة، فهي أبعد ما تكون عن التأثير المنشود، فبعضها ليس له ترتيب بين المواقع السورية لجهة عدد الزائرين، أو أن ترتيبها متأخر جداً.واللوم هنا لا يقع على الزملاء العاملين في تلك المواقع، بقدر ما يقع على الوزارة، التي أعادت إنتاج وسائل جديدة بسياسة قديمة، أثبتت مراراً وتكراراً فشلها، وأبعدت السوريين عن إعلام دولتهم.
قد يرى البعض أن عصر الصحافة المطبوعة ولى، بدليل استغناء بعض الصحف العالمية العريقة عن إصدارها الورقي لصالح الالكتروني، وأن الخسائر الكبيرة المترتبة على الإصدار الورقي يمكن استغلالها في إصدار الكتروني أكثر انتشاراً وتأثيراً، وهذا صحيح.
لكن يجب ألا نغض الطرف عن الحقائق التالية:
-استمرار تأسيس وصدور العديد من الصحف المطبوعة الحديثة خلال السنوات الأخيرة، بأجندات وسياسات وأهداف مختلفة، لاسيما في منطقتنا. والملاحظة الأقرب إلينا جميعاً، أن كثير من المناطق التي خرجت عن سيطرة الدولة شهدت تأسيس وإصدار العديد من الصحف المطبوعة، بعضها مازال يصدر، والبعض الأخر توقف لأسباب لا تتعلق بالانتشار والقراءة.
-محافظة الصحف المطبوعة على جمهورها النخبوي والشعبي، وما حدث مع صحيفة السفير اللبنانية مؤخراً، وردود الفعل الواسعة التي جاءت رداً على إعلان توقف الإصدار الورقي للصحيفة، يثبت أن للمطبوع مكانته التي لا ينازعه عليها أحد.
وحتى في الغرب المتقدم، فعندما يود زعيم سياسي أو مسؤول حكومي أو شخصية اجتماعية بارزة مخاطبة جمهورها، أو توجيه رسالة ما، فإنها تختار صحيفة بارزة لتكتب فيها مقالاً، وتزيله بتوقيعها.
-اعتماد غالبية المواقع الالكترونية المحلية على الصحف المحلية والعربية في أخبارها وموادها الإعلامية، الأمر الذي يشير إلى أنه من المبكر الاعتماد على المواقع الالكترونية، القائمة في معظمها على جهود فرد واحد، مع استثناءات قليلة لمواقع استطاعت استقطاب جمهور خاص بها.
لذلك فإن طموحنا الدائم، أن تستعيد الصحف الرسمية زخمها مع التشكيل الحكومي المرتقب، كذلك الزخم الذي صنعته في العقود السابقة، عندما استطاعت هذه الصحف أن تغير قوانيناً وتشريعات عديدة في البلاد، وتكشف عن صفقات فساد كبرى، وتقترب من المواطن لدرجة جعلت البعض يصفها بأنها صحف أقرب إلى المعارضة منها إلى الحكومة.هذا رغم كل الانتقادات التي كانت توجه لطريقة تعاطيها مع القضايا السياسية، وخطابها المعتمد في ذلك.
هامش1: عندما تم إيقاف الإصدار الورقي لصحف المحافظات، والتي هي عالمياً أكثر انتشاراً وتوزيعاً من الصحف المركزية، كان بعض هذه الصحف يوزع أرقاماً جيدة، فمثلاً صحيفتي الجماهير بحلب والوحدة باللاذقية كان توزيعهما اليومي يتراوح ما بين 15-20 ألف نسخة، أي أكثر من توزيع صحف مرموقة في العالم العربي، وكل ما كانت تحتاجه “نفضة” مهنية كاملة لمضمونها وإخراجها، لترتفع أرقام التوزيع أكثر من ذلك.
هامش2: خلال السنوات السابقة حدث من الهدر وضياع للمال العام، ما يكفي لإصدار الصحف الرسمية (24 صفحة يومياً) لعشر سنوات قادمة!!.
هامش3: المقال لا يستهدف شخصاً، وإنما يستهدف وينتقد ويناقش السياسات والإجراءات، التي يجري على أساسها إهمال الصحف الرسمية المطبوعة.
سيرياستيبس









