ما أشبه وسائل الاتصال الحديثة بحصان طروادة، بل هي حصان طروادة العصر الحديث, تسللت إلى بيوتنا وانتزعت عقولنا, فترعرع في ظلها شتى أنواع الخدع والتضليل، وربما أخطرها ما يدعى بالمواقع الالكترونية، التي أخذت دور الإعلام حتى صار بعضها مصدراً مهماً وموثوقاً للمعلومات.
في البداية ارتبطت تلك المواقع في عالم الاتصال بنظرية «دوامة الصمت» وسعوا إلى ترويجها كأداة مهمة ترمي إلى كسر هيمنة وسائل الإعلام التقليدية أو التعبير عن الرأي، وإيصال صوت آخر للمتابع ولو اختلفت الآراء فيها, أو أنها موجهة بشكل ملحوظ لصالح أشخاص وجهات بعينها، خصوصاً بعد الانتشار الهائل للصفحات مجهولة المصدر أو المدونات والمواقع الإخبارية الالكترونية بكافة أشكالها السياسية والاقتصادية فكانت ترجمة للطفرة التحررية الإعلامية العربية الثانية بعد طفرة الفضائيات والمنتديات المفتوحة.
ومنذ بضعة أعوام ومع مرور الوقت تحولت تلك المواقع الالكترونية، ولاسيما الإخبارية منها من ساحة الرأي الكبيرة إلى شارع يفتح فيه كل شخص أو كل فئة ناصية عليه وينادي منه على ما بدا له من بضاعة، ليصبح كل شيء في هذا الشارع مشاعاً وممتهناً ومعرضاً للصعود به إلى السماء السابعة والنزول فوراً إلى أسفل السافلين، الشارع الذي لم يعد فيه مكان للمصداقية ولا للخصوصية ولا للآداب العامة ولا حتى للمنطق في الآراء والمنطلقات.
وتؤكد ظاهرة الانفلات التي نشهدها في المواقع الالكترونية من بث للشائعات ونشر اخبار غير موثقة واغتيال للشخصية وانحياز إلى موقف على حساب آخر، أن الرأي العام بدأ يفقد ثقته في وسائط الإعلام بمجملها، لكنه مضطر لأن يكون مستهلكا لها رغم شكوكه.
ومن أهم التحديات التي تواجه الإعلام الجديد قضية المصداقية، فالكثير من المواقع على الشبكة العنكبوتية تفتقد للمصداقية وهي تعتمد في مجملها على مبدأ النسخ واللصق من صفحات الصحف الورقية التي يزعمون منافستها.
صحيح أن هذا الإعلام الجديد حقق التأثير والإبهار, لاسيما وأنه سريع الوصول إلى المتلقي وأنه يغطي مساحة أكبر ويعبر الحدود دون معوقات ويتخطى كل ما هو تقليدي خلافاً للصحافة الورقية ولكنه ظل عاجزاً عن إزاحة الصحافة الورقية عن عرشها، بالنظر إلى أنها لاتزال إلى الآن سيدة الموقف ويشهد على ذلك أن تلك الصحافة الالكترونية لاتزال تفتقد للصحفي الالكتروني. كما لازال المعلن المهم لتأمين المورد المالي لا يثق حتى الآن بالصحافة الالكترونية.
وهنا يأتي السؤال المحير: هل يعتبر الإعلام الالكتروني منافساً للصحافة التقليدية المطبوعة ؟ عندما ظهرت الفضائيات التي تبث برامجها على مدار الساعة أكد العديد من الباحثين أن الصحف الورقية أصبحت في خطر، لأن التلفاز صار ينقل الحدث على الهواء، ولكن الواقع أثبت أن الصحف الورقية تزداد يومياً ولاتزال موضع مصداقية ويعتمد عليها في إطلاق التصريحات والتسريبات وكتابة المواضيع التي يتوخى منها إحداث تحول في الرأي، وحتى أن الصحافة التلفزيونية حالياً تعتمد على الصحفيين العاملين في الصحف. ولم تهدد نسخها الالكترونية نسب مبيعاتها من الورقية. لأن التنافس لازال حول الجودة والحصول على المعلومة الصحيحة، واختلاف المضمون والاهتمامات لا يعد منافسة بقدر ما هو تميز يأتي في صالح القارئ ومستقبل الرسالة، فالمستقبل يحتاج إلى تنوع مصادر تلقي المعلومات التي تؤدي إلى تكامل شكل المعلومة لدى قارىء يقع عليه الجزء الأكبر من التفريق بين الغث والسمين.










