تخطى إلى المحتوى

طريق العودة..حلب -سعاد سليمان

بائع الخضار, الرجل العجوز، صاحب سيارة البيك آب عند ناصية الشارع، حلبيّ وافد إلى طرطوس يمضي نهاراته على الرصيف بجانب الحديقة يبيع الخضار لأهل الحيّ ويبقى حتى آخر حبة بطاطا.. أمرّ به صباحاً لأعرف ما لديه وأخطط لطبخة اليوم فألقي التحية ويجيب مبتسماً وعند عودتي أراه يلملم ما بقي من خضاره ويقدّم لي معلومات يومية: اليوم الخضار غالية.. الخيار بلدي .. لا خضار جيدة ويحكي لي عن أسرته الكبيرة تعيش مجتمعة في بيت صغير استأجره هنا في طرطوس.. الأولاد وزوجاتهم والبنات وأزواجهم.
مكان الرجل الحلبي منذ أيام فارغ.. تلك الزاوية الضيقة حيث تقبع سيارة الخضار منذ سنتين أراها ساحة كبيرة خاوية.. رحل رجل الخضار, وعبد الرزاق أيضاً رحل..
الطفل الرجل يحمل على كتفيه خضار أهله وحاجياتهم اليومية ويجلب الخبز من الفرن وأسطوانة الغاز وهولا يزيدها طولاً إلا بعدة سنتمترات.. عبد الرزاق المجتهد يحمل كتبه بهمة ويمضي إلى مدرسة الحي ويغنّي عند انقطاع الكهرباء بينما يصعد الأدراج وهو عائد من مهمة ما.. على الدرج العاتم يبدد خوفه.. يغني فيوقظ النائمين من ساعات الظلمة الطويلة.
عاد عبد الرزاق وأهله إلى حلب قبل أن ينهي عامه الدراسي ورجل الخضار عاد قبل أن أعرف اسمه لكن شبح الرجل ما يزال هناك وصوت عبد الرزاق ما يزال يغني بخوف وما تزال عيناه تغزلان القصص وفمه يشرح.. أما مؤمن بائع العلكة الذي أراه بجانب الصراف الآلي صباحاً آخر كل شهر حيث الازدحام الشديد، وأراه في المساء عند حديقة الباسل.. يبحث عن الزبائن وهو مبتسم نشيط وكأنه بدأ عمله للتوّ.. ما يزال متواجداً في كل مكان..
مؤمن طفل في السابعة من العمر.. لا يضيع عن بيته كما أخبرني وإذا ضاع يسأل المارة كما حصل معه ذات يوم… ولا مشكلة لديه حتى لو لم تشترِ منه العلكة.. لكنه يلازمك ولا ييأس منك حتى يجد آخر.. الأمل في العثور على ضالته موجود في ابتسامته..
قال لي مرة أن مدخوله اليومي 600 ليرة سورية فقط وضحك بمكر, وقال أنه يتمنى أن يذهب إلى المدرسة لكن أمه لا ترسله..
مؤمن ينسى وجوه زبائنه كما ينسى طريق العودة إلى البيت.. لكنه سرعان ما يتذكر ويضحك.
كثيرون هم الأطفال الذين يتسولون بحجة البيع في شوارع طرطوس وخاصة في الأسواق حيث الازدحام وعند محلات السندويش وشارات المرور.
كثيرون هم الذين عادوا من حيث أتوا إلى بيوتهم المهجورة هناك في الشمال بشوق ولهفة وقد عادت حلب..
وجمال ما زال ينتظر انتهاء العام الدراسي ليعود… ومعه ذكريات جميلة وكلمات حفظها من أقرانه أبناء طرطوس وصارت جزءاً من كلماته ممزوجاً بلهجته الحلبية الواضحة.

بانوراما طرطوس-الوحدة

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك