تخطى إلى المحتوى

كيمياء مدير عام..!؟- أيمن علي

 

أن يعزو خبراء التّنمية الإدارية أسباب رفض الكثير من إدارات مؤسساتنا لعملية التغيير وبالتالي مواكبة التنمية الإدارية، إلى “العجز الواضح لهذه الإدارات عن تحقيق الأهداف الموضوعية، وأنّ الكثير من المفاهيم الإدارية تتعامل بها مؤسساتنا وشركاتنا حسب منظورها الشّكلي، على اعتبار أن هذا التفاوت المعياري في المفاهيم سبب من الأسباب الجوهرية لوجود المشكلات الإدارية”، ذلك أَمرٌ يستوجب الوقوف مليّاً على جراح الإدارة الفاغرة وجذورها السيكولوجية، حيث كان ذلك جزءاً من أزمتنا في قلب الأزمة.
عجزٌ واضحٌ، وتفاوتٌ معياري، يحيلاننا في العمق إلى الذهنية القابضة على تلكم المؤسسات والشركات، والمطبوعة على الشكلانيّة وانعدام المبادرة، وتمظهراتها المُتّشحة تارة بعباءة الحرفية في تطبيق القوانين: تخفّفاً من أية مبادرة قد تستجلب مسؤولية و”وجع راس”! كما يخيّل لأصحابها، وتداعيات هذه العقلية الرّاكدة على المؤسسة في المطلق، والمتجلية عياناً بالتّسييل السّلبي لفائض السّلطة الممنوح لها قانوناً، وارتساماته المجبولة على التّعثر حيناً، والمثيرة للشّفقة أو للسّخرية المخلّة بالهيبة أحياناً، أم لجهة عداء مديريها للذاكرة باعتبار أنها تكتنز النّسخة الأمّ من كيميائهم الشخصية الممعنة في “عاديّتها” والدّاحضة لمصطلحات من طبيعة “العبقرية” أو “الإبداعية” أو “السوبرمانية” التي كثيراً ما تُتّخَذ كأقنعة تعويضية عن عقد النّقص ومركّبات الهشاشة النفسية والإفلاس الفكري في محاولات الهروب المكشوفة إلى الأمام!.
عداءٌ للذاكرة؛ يجعلها ترفض أكثر من غيرها أن تتذكر أو تُذكّر، وهذا ما يفسّر حرصها على التّخلص من الأنساق الإدارية التي زامنت ولادة تبوّئها لمواقعها، لا لشيء وإنّما لأن هذه الأنساق تعرف ماهيّة إداراتها، وقيمتها، ومن أي طين هي مصنوعة، ولأنّ مجرّد وجودها يُعَدُّ تذكيراً لها بعاديّتها، فالذاكرة ههنا خطيرة -بمنظورهم- لأنها تعرض الطابع المتلجلج والمتردّد والتجريبي لـ”شخصنة الإدارة”، وتُظهر بجلاء الحجوم والأوزان الحقيقية للمقيمين فيها.
محاولات الكتابة إيجاباً والقفز على واقع تلك الإدارات، كثيراً ما تقع في مطبّات الطابع التجريدي، الناجم عن شحوب صورة الواقع المحسوس -إن لم نقُل سوداويتها- تماماً كما محاولات العودة إلى الطفولة أو التحليق في فضاء أحلام اليقطة، واللذين يمثّلان وجهين لرغبة واحدة: هي الانعتاق من شرنقة الواقع الفجائعي لكثير من إداراتنا المأزومة بمديريها، والذي بلغ من المفارقة والتّناقض حدّاً يلامس السّريالية.
لقد شيّد بعض المتنفّذين الإداريين صورهم على ضرب من العلاقات التي لا يمكن إدراكها وفق منطق الوقائع أو على أساس العلاقات السّببية المنطقية: المتمثّلة بالسّبب والنتيجة، لأنها وبكل بساطة علاقات تمتاح من عالم اللاشعور، وما يقذفه من صور وتجلّيات ليست سوى تعبير “مكثّف” عن سريالية الواقع الذي تعيشه الشّخصية أولاً، وتسعى جاهدةً إلى الانفصال عنه تالياً.
والحال أنّ إعادة النّظر الشاملة في واقع الكثير من إداراتنا المترهّلة والمأزومة، التي بلغ بعض المقيمين في جنباتها من العمر عتيّاً، غدت أكثر من ضرورة ملحّة، ولاسيّما أنّ مديريها طالما شكّلوا حمولة زائدة على الدّولة والنّظام العام أيام الرّخاء، فما بالك والأيام أيام محنة وأزمة؟!.
بين قوسين -البعث

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك