تخطى إلى المحتوى

رصيــــد المكــــوث المصرفـــي بيــن الخيـــار والقـــرار..

*عبد اللطيف عباس شعبان / عضو جمعية العلوم الاقتصادية السورية:

تبيّن للكثيرين أن التشريع الجديد الذي يوجب وجود رصيد مصرفي لطالبي القروض من باقي المصارف وبصيغة الإلزام القسري، لم يحظَ بالقبول المتوقع من المشرّع، فمنظمة اتحاد العمال احتجت عليه، واعتبرته ضاراً بمصالح العمال، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها ذوو الدخل المحدود الذين يستحقون الوقوف إلى جانبهم وليس الإضرار بهم، واقترحت على المصرف المركزي ضرورة اعتماد ذلك على مقترضي مئات الملايين، وليس على المقترضين الصغار، وشاركها في ذلك العديد من الباحثين والمهتمّين بالشأن الاجتماعي والاقتصادي، ما يوجب إعادة طرحه بصيغة جديدة تحظى بالالتزام الرضائي الخياري.
فثقافة الادخار المصرفي غير رائجة بل وغير ممكنة عند شريحة كبيرة من المواطنين الذين يتقدمون بطلبات قروض، وتحديداً من فئات ذوي الدخل المحدود، لعدم وجود وفر لديهم، وتراكم ضعف قدرتهم على الإيداع، بل لحاجتهم الماسة والمتكررة للاستدانة، وكنت أنا واحداً منهم، فقد بدأت عملي الوظيفي عام 1975 بقرض مصرفي من مصرف التسليف الشعبي، كانت قيمته يومئذ 600 ل.س، يسدّد على اثني عشر قسطاً، إذ كان راتبي المقطوع 375 ل.س، ومنذ ذلك التاريخ تواصلت قروضي المصرفية دون انقطاع عقب انتهاء كل قرض حتى انتهاء خدمتي الوظيفية بتقاعدي، لا بل ولمرات عدّة استدنت من مصادر أخرى.
كان من المفترض ألا يغيب عن ذهن مشرّع رصيد المكوث، أن الوضع المالي لطالبي القروض -وخاصة من شريحة ذوي الدخل المحدود، وتحديداً في هذه الأيام- لا يسمح بالادخار، بل إن كثيرين استنجدوا بمدخراتهم السابقة المنزلية والمصرفية، ومع ذلك فمن الضروري جداً العمل على تمكين ثقافة الادخار لدى أكبر شريحة من المواطنين، نظراً لأهميته الكبرى فردياً وأسرياً ووطنياً، على أن يكون ذلك في حدود القناعة والإمكانية، إذ من المفيد جداً تشجيع وجود رصيد مصرفي رمزي لكل أسرة -على الأقل لفرد من أفرادها- كأن يتمّ تشريع يوجّه ويشجع ويغري -وقد يكون من المفيد أن يلزم- كل أسرة بوضع مبلغ مالي في المصرف حال تسجيل عقد الزواج، وحال تسجيل كل ولادة، وحال تسجيل كل طالب مدرسة، شريطة أن يكون ذلك لقاء مكاسب مستقبلية مضمونة يحصل عليها صاحب الرصيد لاحقاً، على غرار المكاسب المستقبلية التي يحقّقها مالكو شهادات الاستثمار أو المنتسبين إلى النقابات. فعلى سبيل المثال نجد أن لدى منتسبي نقابة المعلمين أكثر من صندوق يتدافع المعلمون للاشتراك فيها، وبشكل اختياري نظراً للحصيلة المالية الناجمة عن ذلك لاحقاً بعد عقود من السنين.
وبشكل دائم من المتوجب على المشرّع أن يأخذ بعين الاعتبار مجمل منعكسات التشريع الذي يصدره، لا أن يحصر نظره في جانب واحد فقط، قد يراه مهماً وإيجابياً جداً، فقد يكون له جانب آخر سلبي لدرجة ما، فرصيد المكوث المصرفي الذي شرّعه حاكم المصرف المركزي فاجأ الجميع، إذ لم يكن معهوداً من قبل، عدا عند قلّة قليلة من الذين سبق لهم أن أودعوا بعض أموالهم في المصرف العقاري لزمن معيّن، لغاية قرض سكني، ما مهد لحصولهم على قرض مميّز من هذا المصرف، علماً أن المصرف نفسه منح قروضاً لغير المودعين.
في حال ارتأى المشرّع صوابية اعتماد تشريعه، حبذا لو تُعقد العديد من الندوات حول ضروراته وإيجابياته، وعلى أن يُعمل به بعد فترة زمنية قادمة حدّها الأدنى ستة أشهر، كي تتولد القناعة به لدى المواطنين، وليتسنى لهم التحضير الاختياري لذلك، وفي حال استمر الإصرار على اعتماد التشريع في الظروف الحالية، أرى من الضروري موافقة المصرف على إعطاء القرض لطالبه حال توفرت فيه باقي الشروط اللازمة، شريطة قبوله إيداع مبلغ رمزي منه لدى المصرف نفسه، ليكون هذا المبلغ رصيداً أولياً جاهزاً لصالحه، حال طلبه قرضاً آخر، واقتران ذلك بمردودية مشجّعة على هذا المبلغ، وحبذا على المشرّع ألا ينسى نقاء مواطنية المواطن السوري، وأن يقدّر التهافت الرضائي الاختياري الذي حصل عند الكثيرين، الذين تهافتوا لوضع بعض مدخراتهم في المصارف قبل سنوات خلت لغاية دعم الليرة السورية، وخير العطاء ما يُعطى دون طلب ولا مِنَّة.
*هذا المقال منشور في صفحة اقتصاد من صحيفة البعث العدد -15972
ليوم الأحد 12 / 11 / 2017

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك