لم تكن «اعتدال» وهي المرأة الخمسينية، تخطط لتكون ضمن ضحايا قانون التأمين الإلزامي في يوم من الأيام، لكن سائقاً مسرعاً صدمها في ضاحية قدسيا، فأجبرها على ذلك، مسبباً لها كسوراً في مختلف أنحاء جسمها، ومن ضمنها كسور في العمود الفقري، وعلى إثر الحادث، أصيبت «اعتدال» بشلل تام، كما أنها دفعت 2,8 مليون ل.س قيمة تكاليف لعلاجها.
رفعت «اعتدال» دعوى في المحكمة، علها تأخذ حقها، لكن المنية كانت أسرع، فقد توفيت قبل أن تنتهي الدعوى، بعد ذلك صدر الحكم بتعويضها عن عجز وظيفي بنسبة 90{600e1818865d5ca26d287bedf4efe09d5eed1909c6de04fb5584d85d74e998c1} وتعطّل عن العمل لمدة 6 أشهر، وتم إعطاء الورثة مبلغ 947 ألف ل.س، وهو مبلغ لم يغطّ نفقات التداوي حتى.
جدل قانوني حول التأمين الإلزامي
مازال موضوع التأمين الإلزامي على السيارات مثار جدل لدى المواطنين والقضاة والمحامين على حد سواء، فمنذ صدور القرار رقم 1915 بتاريخ 12-5-2008 عن رئاسة مجلس الوزراء، حدثت إشكاليات كبيرة في الدعاوى الخاصة بالتأمين الإلزامي وحوادث السير، حيث اعتبر البعض ذلك القرار معيقاً ومخالفاً للقانون، كما أنه غير عادل لجهة التعويضات، وعلى الرغم من التعديلات التي طرأت على قيمة التعويضات المادية بالنسبة لحوادث السير في عام 2017، إلا أن المشاكل الناتجة عن القرار الوزاري ما زالت موجودة.
القضاة أولى بتقدير الضرر
رئيس محكمة بداية التأمين المدنية في دمشق القاضي خلدون أورفلي، بين خلال لقائه مع صحيفة “الأيام” أن رفع قيمة التعويضات في التأمين الإلزامي وخاصة المتعلقة بالوفاة من 750 ألف ل.س إلى 1.250 مليون ل.س هو بالتأكيد غير متناسب مع السعر الرائج للأضرار الحاصلة، في ظل التضخم وغلاء المعيشة وارتفاع تكاليف العلاج والإصلاح؛ فقبل القرار 1915 الصادر عن مجلس الوزراء في العام 2008، كان القاضي بحسب القانون هو من يقدر قيمة التعويض بحسب كل حالة، وكان ذلك يحدث – قبل إنشاء محاكم التأمين- في محاكم البداية المدنية المخولة النظر في قضايا التأمين، كان القاضي ينظر في كل حالة لذاتها، فمثلاً هناك حالة شخص معيل لأطفال وتوفي بحادث سير عندها يقدر القاضي التعويض بـ 1,5 مليون أو 2 مليون حسب وضع الحالة، لكن عندما تكون الحالة متعلقة بشخص عازب وليس لديه أطفال، فعندها يقدر القاضي تعويضاً أقل من التعويض السابق، الأمر عينه بالنسبة إلى الأضرار الجسدية، حيث وصل سقف التأمين لحد 750 ألف ل.س، لكن قد تكون قيمة الضرر كبيرة جداً وتفوق ذلك المبلغ، خاصة في حالة العجز أو إذا أدت إلى التوقف عن العمل.
يقول القاضي أورفلي، إن «حالة العجز مختلفة عن حالة التعطّل عن العمل، وبحسب القانون فإن تقدير العجز يعود إلى الطبيب الذي يقدر نسبة العجز بـ25{600e1818865d5ca26d287bedf4efe09d5eed1909c6de04fb5584d85d74e998c1} مضروبة بـ 750 ألف ليرة سورية، فنحصل عندها على نسبة التعويض عن العجز. أما في حالة التعطل عن العمل، كأن يتوقف الشخص المتضرر عن العمل مدة زمنية معينة وليست دائمة؛ أي لمدة شهر أو شهرين، فقد أصبحت نسبة التعويض بناء على القرار 1915 ما يقارب 15 ألف ل.س شهرياً، بعد أن كانت 12 ألف شهرياً، لكن الحد الأقصى لتعويض التعطل عن العمل هو ستة أشهر فقط؛ وبناء على ذلك فقد أصبح تعويض التعطل 90 ألف ل.س بعد أن كان 72 ألف ل.س.
أما بالنسبة إلى النفقات الطبية والعلاج، فقد كان سقف التعويض للعلاج هو 200 ألف ل.س في العام 2008 عندما كان سعر صرف الدولار حوالي 50 ليرة ل.س فقط، وقد ارتفعت تلك القيمة التعويضية بعد التعديل الذي طرأ في العام 2017 لتصبح 300 ألف ل.س، ولكن في بعض الحالات التي كشفت عنها “الأيام” ، فإن الخبراء يقومون بتقدير تكلفة العلاج بـ مليون ل.س بناء على فواتير تثبت ذلك، ولكن القرار حدد الحد الأقصى للتعويض سابقاً بـ 200 ألف فقط ل.س وارتفع الآن إلى 300 ألف ل.س، ورغم تلك الزيادة المقدرة بنسبة 50{600e1818865d5ca26d287bedf4efe09d5eed1909c6de04fb5584d85d74e998c1} على قيمة التعويض إلا أنها تبقى غير متناسبة أبداً مع القيمة السوقية لتكاليف الضرر، خاصة أن الأسعار قد زادت بنسبة 10 أضعاف تقريباً.
يشير القاضي أورفلي إلى أن محكمة التأمين تستقبل نحو 40 إلى 50 دعوى تأمينية شهرياً، ويؤكد على أن 80{600e1818865d5ca26d287bedf4efe09d5eed1909c6de04fb5584d85d74e998c1} منها متعلقة بالتأمين على السيارات، ترفع هذه الدعاوى إما شركات التأمين أو المتضرر على تلك الشركات، وتلجأ الشركة إلى القضاء في حالة وجود مخالفة لأحد بنود القرار المتعلق بالتأمين؛ مثلاً: إذا استعمل السائق المركبة بطريقة تؤدي إلى زيادة الخطر بسبب مخالفة تشريعات السير، أو إذا وقع الحادث أثناء استعمال المركبة في غير الأغراض المرخصة لها، في حين يرفع المتضرر الدعوى القضائية عندما لا يحصل على حقه من شركة التأمين، أو شعر بأن التعويض غير منصف له، فالقضاء هنا ينصفه لكن ضمن حدود القرار…إنها لعبة القط والفأر بين الشركات والمتضررين.
ويضيف القاضي أورفلي: «لقد تم تعديل قانون السير بالمرسوم التشريعي رقم 11 لعام 2008، وقد فوض هذا المرسوم التشريعي مجلس الوزراء بوضع الأحكام الخاصة بالتأمين بناء على اقتراح وزيري العدل والمالية، فالقرار 1915 الصادر عن مجلس الوزراء تم بناء على تفويض تشريعي، لكن عندما صدر التعديل على القرار في العام 2017 الخاص بتعويضات التأمين لم نستشر كقضاة، ولم يطلب منا اقتراحات، ونحن شهدنا أن هناك تناقضات في القرار؛ فهناك فارق كبير بين تعويض الوفاة و تعويض الأضرار المادية، أي ما زال تعويض الوفاة بعد التعديل لا يزيد على 1.250 مليون ل.س، في حين أن تعويض الأضرار المادية يصل إلى 1.750 مليون ل.س».
يؤكد أورفلي على أن الحل الأنسب لمشكلة تعويضات التأمين هو الرجوع إلى القاضي بتقدير الضرر دون أن يلتزم بسقف معين، «فلدينا في وزارة العدل خبراء فنيون بالنسبة للأضرار المادية، ولدينا خبراء طبيون يقومون بفحص المريض أو المتضرر، ثم تُقدَّر قيمة التعويض، وهو الإجراء الصحيح والعادل، لذلك نطالب نحن كقضاة بإلغاء القرار 1915، وتطبيق بنود القانون 31، أي أن يعود القرار للقاضي في تحديد قيمة التعويض الخاص بالتأمين الإلزامي»، يختم أورفلي بالقول بأننا رغم ذلك ننظر بإيجابية إلى إحداث محكمة خاصة للتأمين، لأنه يؤدي إلى سرعة بت الدعاوي، ويسهم في توحيد الاجتهاد القضائي.
القرار 1915 أم القانون
يقول المجاز القانوني محمد باخوخ، « إن قانون السير أعطى تفويضاً لرئاسة مجلس الوزراء بإصدار نظام خاص للتأمين، هنا رئيس مجلس الوزراء أصدر نظاماً خاصاً بالتأمين لكنه تجاوز صلاحياته، أي أن مجلس الوزراء مفوض بتحديد البدلات، لكن لا يتدخل بإجراءات المحاكمة؛ من الناحية الإجرائية في القانون أنت يحق لك أن تدعي على شركة التأمين وعلى السائق أو مالك السيارة كل على حدة، أو على الكل مجتمعين، باعتبار أن هناك علاقة تكافل وتضامن بينهم. لكن مجلس الوزراء أصدر فقرة في نظام التأمين تقول (للمتضرر حق مباشر تجاه شركة التأمين)، هذا يعني أنه يحق لي مراجعة شركة التأمين مباشرة وأخذ تعويضات منها، من ناحية أخرى يقول، لا تصح إقامة الدعوى بمواجهة التأمين فقط، فهو أجرى تعديلاً من خلال قرار وزاري على مادة قانونية موجودة في القانون المدني هي المادة 285، وبذلك عدل القرار أحكام التكافل والتضامن، لاحقاً نحن تقدمنا بعدّة كتب إلى وزير العدل، وذلك لأنك لا تستطيع أن تدّعي على شركة التأمين لوحدها، بل يجب أن تدعي على شركة التأمين والسائق والمالك مجتمعين، وإلا سترد الدعوى».
يكمل باخوخ: «رفعنا كتاباً إلى الوزير نشرح فيه المشكلة وهل موضوع الإدخال ملزم لنا أم لا، بعد ذلك جاء رد الوزير في العام 2014، ذكر فيه أن القرار 1915 لا يلزم المحاكم، وهو مخالف لأحكام التكافل والتضامن المنصوص عليها في القانون، والقرار الوزاري لا يعدّل قانوناً، وقد تم إرسال كتاب بهذا الخصوص إلى مجلس الوزراء للعمل على تعديل القرار 1915، لكن لم يحصل أي تعديل باستثناء تعديل قيمة المبالغ المالية للتعويضات، وهنا لجأت شركات التأمين إلى مادة في قانون أصول المحاكمات ذات الرقم 151الصادر لعام 2010، أي أنه عندما نرفع دعوى على شركة التأمين، تتقدم شركة التأمين بطلب إدخال السائق ومالك المركبة، وهنا حدث الالتباس، فظنت المحكمة أنها ملزمة بإدخال كل الأطراف المدّعى عليها عملاً بالمادة 151، فصدرت بعض الأحكام من دون إدخال كل الأطراف، وبعض الأحكام تنقض، ليتم إدخال سائق ومالك السيارة، وهذا الحال يجعل الخصومة تمتد على الأقل لسنة في المحاكم، يعني أن المتضرر لن يصل إلى حقه إلا بعد سنة وأكثر، لذلك أعددتُ كتاباً مفصلاً شرحت فيه المادة 151 أصول محاكمات، لأنها مندرجة تحت فصل اختصام الغير وإدخال ضامن، فأصبح هناك جدل لدى المحاكم؛ هل سائق المركبة ومالكها مع شركة التأمين ضامن أم متضامن؟ فشرحتُ في الكتاب المقدم أن هناك علاقة تضامن بحادث السير، فعلاقة الضمان تختلف عن علاقة التضامن. علاقة التضامن تكون بين مجموعة من الأشخاص على فرد سوية من الدين، يستطيع فيها المتضرر أو الدائن أخذ حقه من أي واحد فيهم بنفس الترتيب. أما علاقة الضمان، فهي مثل الحادث أستطيع أن أرفع الدعوى على السائق أو المالك أو شركة التأمين، كل على حدة، أو على الكل مجتمعين، أما في حالة الضمان لدينا دَينٌ على مرحلتين، يكون لدينا شخص مدين أصلي ولدينا أيضاً شخص ضامن في هذا الدين، فالضامن لا تكون مرتبته الأولى بالنسبة للدين.
ويتابع باخوخ: عندما يكون لدينا علاقة تبعية، كما في حال أن الحادث قد ارتكبه مجند أو عسكري، فالسيارة تعود لوزارة الدفاع والمجند تابع للوزارة نفسها، نحن في هذه الحالة نرفع دعوى على الوزارة، بوجود المواد (154-155-156) والمندرجة تحت بند دعوى ضمان فرعية، أي أنني ادّعيت على وزارة الدفاع، وهنا تطلب وزارة الدفاع إدخال المجند وإلزامه بالمبلغ بدعوى ضمان فرعية، ففي هذه الحالة الإدخال واجب، لأنها علاقة تابع ومتبوع، وهذا هو قصد المشرع بالمواد من 151 إلى 156، لكن الموضوع يختلف بالنسبة إلى حوادث السير تماماً؛ إذ لا يوجد رجوع فرعي مباشر على السائق والمالك والتأمين، فحالات رجوع التأمين على السائق والمالك محددة في 8 حالات حصرية فقط، ففي القانون يعطى المدّعي حق اختيار خصومه، لكن قرار مجلس الوزراء يجبرنا على مخاصمة أطراف معينة، وإلا تُرد الدعوى، وهذه مخالفة للقانون، فالقرار الوزاري يخالف المادة 285 الخاصة بالتضامن وقانون أصول المحاكمات في مادة تقول إنه لا يجوز للقاضي أن يحكم بما لم يطلبه الخصوم».
يعقّب باخوخ على مسألة التعويضات: «هي غير عادلة إطلاقاً، فقد ارتفع عقد التأمين قرابة 220{600e1818865d5ca26d287bedf4efe09d5eed1909c6de04fb5584d85d74e998c1} من قيمته، كانت قيمة العقد 3500 ل. س سنوياً، ليصبح 11000 ل.س، في حين تم رفع التعويضات بنسبة أقل من 100{600e1818865d5ca26d287bedf4efe09d5eed1909c6de04fb5584d85d74e998c1}. من جهة أخرى، فإن شركات التأمين يهمها أن توفر في أي مصالحة، ففي حال وقع حادث وفاة لشخص وطالب الورثة بالتعويض، توافق شركة التأمين بحكم عرف نسبة المصالحة غير القانوني على تخيير المتضرر، فإما حل الخصومة مقابل التنازل عن 30{600e1818865d5ca26d287bedf4efe09d5eed1909c6de04fb5584d85d74e998c1} من حق التعويض، أو الدخول إلى القضاء بإجراءاته الروتينية التي تستغرق وقتاً طويلاً.
يذكر المجاز القانوني باخوخ بأن من أهم المشاكل المتعلقة أيضاً بتعويض المتضررين هو أن «المؤسسة العامة السورية للتأمين» مقرها الرئيس في حمص، في حين أن أغلب حوادث السير في اللاذقية وطرطوس ودمشق وريفها، كما أن المؤسسة تشتكي دائماً من أن القضاة يستعجلون في فصل الدعاوى، فيأتي توجيه إلى القضاة بالتريث بإصدار أحكام على مؤسسة التأمين، ما يؤخر إنهاء الدعاوى.
السورية للتأمين والتدرج في رفع الأسعار
يؤكد مدير عام المؤسسة العامة للتأمين إياد زهراء أن سنين الحرب غيرت شكل التعويضات بسبب التضخم الذي حصل، لذلك في بداية العام 2017 تم إجراء أول تعديل، والقصد من التعديل هو رفع سقف التغطيات للمتضرر، لكن لم ترتفع التعويضات كثيراً لأنه لا يمكن أن تقوم المؤسسة بقفزة واحدة في رفع الأسعار، فالارتفاع يتم بشكل تدريجي حتى تصل إلى سقف تغطيات يقارب الدول المجاورة، يضيف زهراء بأن العقد هو شريعة المتعاقدين ما بين الشركة الضامنة والشخص المتضرر، وهناك حالتان للحصول على التعويض، إما من خلال اللجوء المباشر إلى شركة التأمين، وإما من خلال الدعوى القضائية، وللقاضي السلطة التقديرية في ما يراه لناحية تقدير الأضرار، لكن حدود التزام شركة التأمين هو ما نص عليه العقد، فربما يحكم القاضي 10 ملايين ل.س للتعويض، لكن حدود التزام الشركة بالعقد هو 1.250 مليون ل.س، تقوم الشركة بدفع المبلغ ويقام الحجز أو التعويض على الشخص الآخر حسب رؤية القاضي، وفي الوقت نفسه ينفي زهراء خصم 30{600e1818865d5ca26d287bedf4efe09d5eed1909c6de04fb5584d85d74e998c1} من حق تعويض المتضرر عند إجراء مصالحة، فمن يلجأ للتسوية المباشرة مع شركة التأمين يحصل على المبالغ المنصوص عليها ضمن العقد. أما عندما تحصل تسوية بين شركة التأمين والمتضرر، فإن التعويض يتم بمقدار نسب المسؤولية، فعندما يحدث تصادم مشترك بين مركبتين أو سيارة أو شخص فهناك لجنة فنية وخبراء وطبابة وقضاة يحددون نسبة المسؤولية، وهنا تضمن شركة التأمين التعويض بمقدار نسبة مسؤوليتها، هناك حوادث كثيرة مشتركة مثل 5 سيارات اصطدمت ببعضها البعض، كل سيارة لديها عقد مع شركة تأمين تعوض للمتضرر بمقدار نسبة المسؤولية، وبالنسبة إلى مركز المؤسسة العامة للتأمين، فهي مثل كل شركات التأمين الأخرى تمتلك فروعاً ومكاتب بكامل الصلاحيات في كل المحافظات.
إنه التأمين الإلزامي على السيارات… صراع المصالح الضائع بين تناقضات القوانين ومطحنة الأسعار التي لا ترحم..
محمد الواوي-الايام









