
نحو عقدين من الزمان مرا على تجربة التعليم المفتوح في سورية، كانا كفيلين بتغيير مفهوم الفكرة، وأساسياتها، والهدف منها، بل حولاها إلى عبء كما قال أحد الاختصاصيين.
آلاف مؤلفة تدخل كل عام في التعليم المفتوح، ولم تفلح شكوى القائمين عليه في إيقاف سيل الطلبة الذين يعرف الجميع أن العدد الأكبر منهم يلجأ إليه فقط من أجل الحصول على مصدقة تأجيل من خدمة العلم، وأكبر دليل على هذا الكلام، هو الفرق الكبير بين أعداد الداخلين وأعداد الخريجين.. أما الخريجون.. فحديث آخر، يصح أن نصفه بالحديث ذي الشجون الكبيرة، وهنا لا نضع اللوم على الخرّيج وحده، بل على تجربة بلغت من العمر الكثير ولم تُراجع، ولم تُقيم من جديد، ولم تُصحح، بل لا يبدو أن هذا قريب.
«تشرين» فتحت ملف التعليم المفتوح، وستتناول عبر عدة أجزاء أكثر برامجه أعداداً، وأولها برنامج الإعلام، هذا البرنامج الذي يدخله سنوياً ما يقارب الألف طالب، ويتخرج فيه أقل من مئة، وهنا الأسئلة كثيرة وكبيرة، وأكبرها هو السؤال عن الحاجة إلى ثلاث كليات إعلام (نظامي- مفتوح – افتراضي) ومئات الخريجين سنوياً لسوقٍ إعلامي عدد فرص العمل التي يوفرها.. صفر.
كانت البداية مع الدكتور نبيل البطل الأستاذ في جامعة دمشق ورئيس جامعة القلمون الخاصة سابقاً، والذي كلف عام 2001 بملف استيراد تجربة التعليم المفتوح من جامعة القاهرة، فقال: في العام 2000 كان هناك مؤتمر لوزراء التعليم العالي في القاهرة، وخلاله اطلع وزير التعليم العالي السوري آنذاك حسان ريشة على التجربة، وكلفني بملفها، وحينها كنت وكيل جامعة دمشق، فزرتُ القاهرة واطلعت على التجربة، وناقشناها في مجلس التعليم العالي وتمت الموافقة عليها وتم إقرار افتتاح بعض البرامج المهمة في جامعات القطر.
وأكد د. البطل أن الهدف الأساس من الفكرة كان توفير استمرار الارتباط التعليمي للجميع، كالذين حصلوا على الشهادة الثانوية ومنعتهم ظروف الحياة من إكمال دراستهم الجامعية، أو خريجي المعاهد المتوسطة الذين يرغبون في إكمال اختصاصاتهم، أو الطلبة الذين كانوا يسافرون خارج سورية – قبل بدء عمل الجامعات الخاصة – للدراسة في جامعات دول أخرى والدفع بالقطع الأجنبي، حتى إن الامتياز في علامات القبول في برامج التعليم المفتوح يجب أن يمنح لصاحب البكلوريا القديمة، لكن أمام الضغط الهائل لأعداد الطلبة الكبير جداً، اضطرت الوزارة لفتح باب التسجيل أمام الجميع، وأدى هذا إلى إحدى أهم سلبيات ما حدث للتجربة، وهي التضخم الكبير في أعداد الطلاب، بينما التجربة المصرية حين تمت معاينتها، كانت تقتصر على نحو 100 طالب فقط في كل برنامج، وسبب هذا التضخم في سورية معروف للجميع، وهو بدء برامج التعليم المفتوح بمنح مصدقات تأجيل من خدمة العلم.
وأوضح د.البطل أن التجربة في البداية لم يكن فيها نظام محاضرات كما هو الوضع الآن، بل كان هناك كتاب وشريط فيديو يضم المعلومات المطلوبة، وكل فترة زمنية معينة، كان يزور أحد الأساتذة المصريين – على اعتبار أن المنهاج كان مصرياً – البرامج مدة أسبوع أو أسبوعين للإجابة عن أسئلة الطلاب، وليحاورهم فيما أشكل عليهم ولم يفهموه بشكل جيد من الكتب وأشرطة الفيديو، واستمر الوضع بهذا الشكل نحو أربع سنوات، ثم بدأ تأليف الكتب محلياً.
وحين نقلنا إلى د.البطل استياء الكثيرين من مخرجات التعليم المفتوح، أكد أن التجربة أصبحت بحاجة إلى دراسة وتقييم بعد نحو 19 عاماً على البدء بها، وأن كل تضخم في الكم سيكون على حساب الكيف حتماً، وصرنا بحاجة لإغلاق برامج وافتتاح أخرى، فمن المفروض ومما خُطط له عند البدء بالتجربة هو أن تؤول برامجها مما تؤول إليه إلى مهن، إضافة إلى وجوب أن يكون هذا التعليم مجتمعياً وليس لأشخاص يريدون الهروب من خدمة العلم.
ورأى د. البطل أن تأثير التعليم المفتوح في التعليم العام بدأ بالظهور، فما يتطلبه امتحان لعشرات الآلاف من الطلبة في التعليم المفتوح، حتماً سيؤثر في الكليات العامة من حيث المكان والوقت والكثير من الأمور، بينما التجربة التي حاولنا نقلها من القاهرة لم يكن لها أي تأثير سلبي، وذلك لأن أعداد الطلبة قليلة جداً كما أوضحنا، مشيراً إلى أنه من سوء حظ التعليم المفتوح أيضاً كان بدء التعليم الخاص في سورية، والذي خطف الكثير من الأساتذة المهمين بسبب الفارق الكبير في الوارد المادي بين المكانين.
وختم د.البطل حديثه بأن تطوير التعليم المفتوح أصبح ضرورياً، ولابدّ أن يكون في جزء منه يشبه نظام الجامعة الافتراضية، أي قائماً على حوار مباشر مع أساتذة عريقين في أي مكان في العالم، لكن هذا الأمر بحاجة إلى بنى تحتية قوية في مجال الاتصالات والإنترنت.
أكثر من مئة طالب تعليم مفتوح في برنامج الإعلام استطلعنا آراءهم، وسألتهم عن احتياجاتهم ونواقصهم، لتصل إلى السبب الأساس في الضعف الذي اشتكى منه بعض القائمين على العمل الصحفي في أكثر من مؤسسة إعلامية في خريجي التعليم المفتوح الوافدين إلى العمل، فأجمعوا على سبب واحد: عدم وجود جانب عملي في موادهم الجامعية، الأمر الذي يجعلهم غرباء عن العمل الإعلامي الحقيقي، إضافة إلى قِدم المناهج التي يدرسونها، والتي صار كثير منها خارج علم الإعلام تقريباً.
إحدى الطالبات قالت: هل يعقل أن ندرس بشكل نظري مادة تحمل اسم (سمعبصرية) تتحدث عن حركات الكاميرا واللقطات؟ كيف سنتعامل مع الكاميرا ونحن لا نعرفها؟ لذا يلجأ طلاب التعليم المفتوح الذين تسمح لهم إمكاناتهم المادية إلى الدورات الخاصة في معاهد التدريب، لكنها دورات مكلفة، وبعضها مكلف جداً، ولا ننكر بالطبع أن القائمين على برنامج الإعلام في التعليم المفتوح وبالذات عميد الكلية يُلحقوننا بدورات مجانية خلال العام، لكنها بالتأكيد غير كافية.
طالب آخر اعترض على فكرة أن مستوى خريج التعليم النظامي أفضل من مستوى خريج التعليم المفتوح، ورأى أن الحقيقة هي عكس ذلك تماماً، فخريج التعليم المفتوح يتعب أضعاف تعب طالب التعليم النظامي الذي تضم أغلبية مقرراته جانباً عملياً، وتالياً فإن بحثه الدائم عن أي فرصة للتدرب تجعله أكثر قرباً من الإعلام الحقيقي.
إحدى الطالبات تساءلت عن سبب عدم استعادة استديوهات كلية الإعلام التي مُنحت لإحدى القنوات الفضائية، خاصة بعد أن عاد الأمان إلى دمشق وانتفى سبب منحها؟ مؤكدة أن عودتها ستؤدي دوراً إيجابياً كبيراً لطلاب الإعلام النظامي والمفتوح.
مها محفوض صحفية في موقع إلكتروني، قالت: إن خريج الإعلام (تعليم المفتوح) مظلوم في كل المراحل، في المرحلة الدراسية لا يوجد لديه جانب عملي، وظل سنوات يعاني عدم الاعتراف بشهادته، كما إن معظم الجهات الحكومية تطلب في مسابقاتها كل الفروع عدا الإعلام، وإن طلبت، فالأولوية لخريجي التعليم النظامي.
وأضافت: نسبة غير قليلة من العاملين في مؤسساتنا الإعلامية ليسوا خريجي إعلام، بينما يجلس الخريجون من دون عمل.. لابدّ من تشجيع خريجي التعليم المفتوح ومعاملتهم مثل خريجي التعليم النظامي، وتطوير مناهجهم وتحديثها، وكذلك أن يأخذوا حقهم في الدراسات العليا وفرص العمل والبعثات.
هادي عمران صحفي يعمل بنظام الاستكتاب، وهو من خريجي الدفعة الأولى للتعليم المفتوح، يرى أن له ولزملائه في الدفعات القديمة فضل استمرار البرنامج وترغيب الناس به، لكنهم مع هذا مهمشون، وبلا عمل ثابت محترم حتى لحظة كتابة هذه الأسطر، ويطالب بمسابقة خاصة لخريجي الدفعات الأولى من التعليم المفتوح، لأن ما يتقاضاه –حسبما قال– لا يكفي للوصول إلى العمل.
نقلنا كل الهموم والشكاوى السابقة لعميد كلية الإعلام الدكتور محمد العمر الذي رأى أن جذر المشكلة هو طريقة القبول في كلية الإعلام، وعدم وجود فحص معياري للمتقدمين، إن كان في التعليم النظامي أو المفتوح، وأكد أن التقدم إلى كلية الإعلام يجب ألا يختلف عن التقدم لكليتي الهندسة المعمارية والفنون الجميلة، لأن الإعلام يحتاج موهبة، والمجموع العالي غير كافٍ أبداً ليصبح المتقدم إعلامياً، وكشف أنه سابقاً تم وضع آلية جديدة للقبول، لكنها فشلت بسبب الضغوطات و«الواسطات»، فتمت العودة إلى المفاضلة العامة.
وعن موضوع انعدام الجانب العملي في برنامج الإعلام في التعليم المفتوح قال: لا يوجد جانب عملي في التعليم المفتوح، والمنهاج الذي جئنا به من القاهرة في البداية لا يوجد فيه عملي أيضاً، بل مقررات لها علاقة بالإعلام بشكل مباشر، وبعد انتهاء الاتفاقية التي كانت موقعة مع القاهرة ومدتها أربع سنوات، طلبت منا رئاسة الجامعة تأليف كتب بشكل فوري، كي لا يتجدد العقد مع القاهرة لأنه مكلف جداً، فقمنا بتأليف الكتب الجامعية، وربما بعضها كان على عجلة، فصار المنهاج سورياً، لكنه بحاجة إلى تعديل لأن الإعلام علم يتطور باستمرار.
وأوضح د. العمر أن الكلية وبمجهود شخصي منه ومن بعض الأساتذة، تقيم دورات تدريبية لطلاب التعليم المفتوح والنظامي بمختلف المواد، ولا توجد أي مؤسسة إعلامية ترفض تدريب الطلبة، وتوضع الإعلانات للدورات في الكلية وحتى على صفحة العميد الشخصية على موقع (فيسبوك).
وأشار عميد الكلية إلى أن طلبة التعليم المفتوح ملتزمون بالدورات أكثر من طلبة التعليم النظامي، وذلك من أجل إثبات وجودهم وتعويض نقص العملي في مقرراتهم من ناحية، ولأنهم دخلوا إلى هذا الفرع بسبب محبتهم وشغفهم به من ناحية أخرى، بينما الكثير من طلاب التعليم النظامي دخلوا إلى فرع الإعلام فقط لأن مجاميعهم كانت عالية وسمحت لهم باختيار هذا الفرع.
وأكد د.العمر أن لا فرق بين طالب النظامي وطالب المفتوح في المخرجات إلا من ناحية تطوير الطالب لنفسه بالدرجة الأولى، فكل وسائل الإعلام والدورات التدريبية غير قادرة على صنع إعلامي لا يريد تطوير نفسه ولا يحب هذه المهنة، وكلية الإعلام وحدها









