تخطى إلى المحتوى

تحت ضغط الحاجة الماسة .. مواطنون يبيعون أثاث منازلهم لتأمين لقمة العيش… تحقيق العدالة في توزيع الدخل ينعش الاقتصاد ويحقق مؤشرات نمو قابلة للاستمرار

* محمود ديبو:
يوماً بعد يوم تشتد مصاعب الحياة على الكثير من الأسر بالتزامن مع الهيجان المستمر وغير المسبوق في أسعار السلع والمواد الغذائية والخضار والفاكهة وغيرها من مستلزمات وضروريات العيش للإنسان، وتبدو هذه المصاعب أكثر حضوراً لدى محدودي الدخل من عمال وموظفين في القطاعين العام والخاص على حد سواء، إذ إن فروقات الدخل وإن كانت واضحة إلا أنها في الحالتين لا تلبي احتياجات أسرة عادية في المأكل والملبس والتعليم والصحة وهذه احتياجات أساسية لكل فرد لكنها باتت اليوم صعبة المنال وإن كانت على مرمى حجر..
الجميع يقول إن الدخل لا يكفي لتغطية 10% من هذه الاحتياجات وكثيرة هي الدراسات والمقارنات التي بحثت في واقع دخل الأسرة العاملة ووضعت تقديرات أقرب إلى الواقع عن حجم الدخل الذي يجب أن يتقاضاه الفرد أو رب الأسرة ليتمكن من الإنفاق على احتياجات عائلته الأساسية والضرورية، وجميع تلك التقديرات تراوحت ما بين 300 – 500 % من الدخل الحالي للموظف والعامل.
اليوم ومع تصاعد وتيرة الأسعار بات الهم الأول والأخير هو تأمين لقمة العيش أولاً وقبل كل شيء، وكثيراً ما تسمع سيدات المنازل يقلن إننا محتارات ماذا نطبخ للعائلة هذا اليوم، فالراتب لا يكفي والأسعار في غلاء مستمر ولا من أحد قادر على فعل شيء تجاه هذا الواقع الصعب فعلاً.
إزاء هذا الواقع الحالي تجدنا نفهم تلك الفورة غير المسبوقة لعروض بيع كل شيء من البيوت إلى السيارات إلى الأراضي والذهب وكل ما يتوفر لدى المواطن، ومؤخراً بتنا نشهد أسرا بدأت ببيع أثاث منزلها ومحتوياته، ليس بغرض التجديد وإنما بسبب عدم تمكنهم من تأمين الطعام لأفراد عائلاتهم، أو ربما الانفاق على حالة صحية طارئة..
الرجوع إلى الخلف
أحد المواطنين (سامر العلي) الذي يعرض سيارة للبيع يقول، لم أكن أتوقع أن أصل إلى يوم أبيع فيه سيارتي لأطعم أولادي، فالبعض كان يبيع سيارته القديمة ليركب سيارة أحدث وربما بمواصفات أفضل، لكننا اليوم بتنا نبحث عن سيارة أقل مواصفة وأقل جودة ربما، وبفارق السعر بين السيارتين نحاول أن نؤمن احتياجاتنا الأساسية وسد بعض الديون المتراكمة، وهذا الواقع لا ينبئ بالخير، فالحالة هنا في تراجع مستمر ولا يوجد أي أمل على ما يبدو في تحسن ملحوظ على الأقل في القريب المنظور.
عمل إضافي
ومثله يقول (خالد.أ) إنه يبيع سيارته الخاصة ليتمكن من شراء سيارة عامة يعمل عليها بعد أوقات الدوام، فالأمر لم يعد يحتمل الاستناد إلى الراتب الذي يتقاضاها من وظيفته، ولديه ثلاثة أولاد جميعهم في المدارس، ولا دخل إضافيا لديه يساعده في تأمين احتياجات عائلته في وقت أصبح فيه سعر الحذاء العادي يساوي نصف الراتب تقريباً، وهو إن أراد أن يشتري كسوة الشتاء لجميع أفراد عائلته فسيكون أمام رقم يعجز عنه عشرة موظفين دفعة واحدة، فكيف به وهو يتقاضى أجراً شهرياً بالكاد يغطي تكاليف الطعام فقط ولأسبوع واحد على أبعد تقدير.
تغيير مستوى السكن
وبعد أن كان وحيد وهو موظف بالقطاع الخاص، يعيش في بيت واسع وكبير مع عائلته وتتوفر فيه أفضل الشروط الصحية كالشمس والهواء والموقع المميز في حارة جيدة، ها هو اليوم يبحث عن منزل آخر متنازلاً عن جميع تلك المواصفات التي كان ينعم بها مع أفراد عائلته، وقد عرض بيته للبيع، ليتمكن من شراء منزل أصغر وبحي آخر تكون فيه الأسعار أقل، والانفاق على أسرته بفارق السعر بين البيتين، ويقول انه لجأ إلى هذا الخيار بعد أن أعيته الحيلة ولم يعد يتمكن من تأمين الطعام اليومي لعائلته في ظل الظروف الخانقة التي نعيشها هذه الأيام، وكان هو آخر الحلول لديه لكنه بالنهاية أقدم عليه مضطراً وتحت ضغط الحاجة الماسة.
أبيع أثاث منزلي
المهندس عمار يقول أنا وزوجتي نعمل في الدولة ورغم أننا نتقاضى راتبين شهرياً إلا أننا نقف عاجزين أمام حجم الانفاق الكبير الذي تتطلبه الأسرة، وأنا اليوم بدأت أبيع موجودات البيت من الأثاث فمرة بعت بعض الكراسي الخشبية، وطقم الطاولات، وقايضت طقم الكنبايات بآخر أقل جودة، وحتى الآن ماأزال أناور ببعض ما لدي من أثاث وموجودات، حتى لا أضطر لبيع البيت والخروج من الحي الذي أسكن فيه، وآمل ألا نصل إلى هذه المرحلة التي ستكون مربكة وغير مريحة، وأن نجد في القريب العاجل حلاً يعالج أوضاع العاملين في الدولة فالأجور اليوم لم تعد تكفي لخمسة أيام وربما أقل، حيث أن الفواتير ونفقات النقل تشكل جزءاً كبيراً من الدخل، وما تبقى علينا أن نتدبر به شؤون الطعام واللباس والصحة والتعليم وهذا غير معقول نهائياً، لأن هذا يتطلب دخلاً على الأقل يصل إلى 500 % مما نتقاضاه حالياً.
مصائب قوم
وللمفارقة فإن هذا الواقع شكل فرصة غنية لأولئك الذين يشترون المستعمل وخاصة الأثاث المنزلي، حيث يقول أحد هؤلاء غالباً ما أحظى بقطع غالية جداً لكن ونظراً لأن أصحابها مضطرون للبيع فإننا نعطيهم أسعارا قليلة لا تصل إلى 25% من ثمنها الحقيقي، ونحن نعيد تجديدها إن كانت بحاجة لذلك ونبيعها ونحقق فيها أرباحاً جيدة.
العدالة في توزيع الدخل
الدكتور رسلان خضور الأستاذ في جامعة دمشق يرى في دراسة له أن التفاوت الكبير في توزيع الدخل حالياً هو من أخطر التحديات التي يواجهها الاقتصاد السوري في مرحلة ما بعد الحرب، حيث نجد تفاوتاً صارخاً في توزيع الثروات والدخول، ويشير الدكتور خضور في دراسته التي نشرها مركز دمشق للأبحاث والدراسات (مداد) في آب العام الماضي، إن هذا الأمر هو من أهم الأسباب التي تعيق النمو الاقتصادي، ويؤكد أن الحرب العدوانية على سورية والحصار والإجراءات القسرية أحادية الجانب أدت إلى تزايد نسبة الفقر وتراجع حجم الطبقة الوسطى في البلاد، لكن هذا ليس السبب الوحيد، وإنما يكمن السبب في التوزيع وكيفية استخدام ما هو متاح من موارد.
عبء ضريبي على أصحاب الأجور
وفي سنوات ما قبل الحرب كان معامل جيني في سورية بحدود 38% (معامل جيني هو من المقاييس الهامة والأكثر شيوعاً في قياس عدالة توزيع الدخل القومي)، إلا أن الحرب العدوانية وتداعياتها والسياسات الاقتصادية في مرحلة ما قبل الحرب أدت إلى زيادة حدة التفاوت وارتفاع معامل جيني، وتراجع العبء الضريبي إلى مستويات قياسية، بفعل التهرب الضريبي وانتشار اقتصاد الظل، وتحمل أصحاب الرواتب والأجور عبئاً ضريبياً أعلى مقارنة بأشكال الدخول الأخرى، وتراجعت حصة الرواتب والأجور من الدخل القومي لتصل إلى حدود 20% وهي نسبة متدنية جداً.
تراجع دور الطبقة الوسطى
هذا التفاوت في توزيع الدخل كان من أحد تأثيراته أن تراجع حجم ودور الطبقة الوسطى خلال سنوات الحرب، كما أنه من العوامل المهمة في عدم الاستقرار الاجتماعي.
حلول مقترحة
ووضع الدكتور خضور في بحثه مجموعة من الاجراءات والسياسات على المستوى القصير وعلى المستويين المتوسط والطويل يمكنها أن تسهم في تخفيف حدة التفاوت في التوزيع، أولها أن يعتمد مبدأ الانصاف في إتاحة الفرص باعتماد مجموعة من الإجراءات تتعلق بتحسين سبل العيش للشرائح الهشة والضعيفة اقتصادياً في المجتمع، وذلك بتعزيز الفرص الاقتصادية ومساعدة الناس على خلق فرص العمل المباشرة، والمزيد من الانصاف والمساواة في الحصول على الخدمات العامة.
كذلك يرى خضور أنه من الصعب أن يحافظ الاقتصاد على توازنه إلا إذا كان هناك طلب قادر على استيعاب السلع والخدمات المنتجة، وهذا يتطلب أولاً نمو الطلب المحلي، وهذا الأخير رهن بالإنصاف في توزيع الثروات والدخول.
وعلى الأمد القصير يمكن اعتماد قنوات التوزيع الأولي، من خلال الرواتب والأجور والحدود الدنيا للأجور والتعويضات، وفي الأمدين المتوسط والطويل يمكن اعتماد قنوات إعادة التوزيع استناداً إلى سياسات وأدوات المالية العامة المتمثلة بالضرائب والإنفاق العام.
الغاية نمو قابل للاستمرار
وعلى العموم يشير الدكتور خضور في بحثه إلى أن اهتمام الدولة والمجتمع بمسألة التفاوت في التوزيع يفترض ألا يكون لأسباب أخلاقية فقط، بل لأسباب اقتصادية وسياسية، ونحن بحاجة إلى الإنصاف والعدالة في توزيع الثروات والدخول، ليس لأن ذلك هو الصواب من الناحية الأخلاقية، بل لأننا بحاجة لنمو قابل للاستمرار، ولأن تطورنا واستقرارنا الاقتصادي والاجتماعي والسياسي يتوقفان على الإنصاف، وإلا فإن السنوات القادمة قد تحمل المزيد من الكوارث على مختلف الصعد.
فجوة ما بين الدخل وتكاليف المعيشة
وفي دراسة مماثلة تشير المعطيات إلى أن أسعار السلع والخدمات في سورية رغم ارتفاعها إلا أنها ماتزال أقل من مثيلاتها في دول الجوار، لكن ما لا يتم الانتباه إليه هنا هو الراتب الشهري للموظف في سورية الذي أصبح من أقل مستويات الدخل في العالم، مما يجعل الأسعار باهظة جداً قياساً بهذا الدخل، وبالتالي فقد دخلت الكثير من المواد الأساسية التي يحتاجها المواطن في حيز المواد الكمالية وليست الأساسية وتم الاستغناء عنها وإلغاؤها من قائمة المشتريات اليومية أو الشهرية للأسرة، بسبب التدني الكبير بالقدرة الشرائية للموظف، أي أنه هناك فجوة كبيرة ما تزال قائمة بين الرواتب وبين تكاليف المعيشة، وهذه الفجوة هي مؤشر فقر.
بانوراما سورية-ثورة اونلاين

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعونا على فيس بوك

مقالات