إكثار الثروة الحيوانية.. مطلب وطني كبير

*عبد اللطيف عباس شعبان/ عضو جمعية العلوم الاقتصادية السورية

شهدت السنوات الماضية نمواً ضعيفاً في مجمل أنواع الثروة الحيوانية، وانخفاضاً ملحوظاً في أعداد العديد منها، ويبدو استمرار ضعف هذا النمو، رغم ما تمّ من تشريعات وإجراءات هادفة للنهوض بهذه الثروة. وقد كان هذا الضعف نتيجة لأسباب عديدة، منها ما هو من منعكسات الإرهاب الذي أضعف بل قضى على كثير من قطعان البادية، وقضى على التربية الحيوانية المنزلية في جميع المناطق التي اجتاحها، وخاصة تلك التي تهجَّر ساكنوها، وأيضاً نجم هذا النقص بسبب عزوف الكثير من المربين، وميلهم باتجاه الأعمال الوظيفية والتجارية والمهنية الأقل عناء والأسرع والأكثر دخلاً، عدا عما نجم نتيجة عزوف آخرين بسبب الاشتراطات البيئية المطلوبة التي لم يستطع بعض المربين تحقيقها، ناهيك عن العزوف الكبير الذي نجم بسبب تذبذب توفر المواد العلفية والتصاعد الكبير في أسعارها، وانتشار السوق السوداء لها، بالترافق مع انتشار بعض أمراض الثروة الحيوانية وضعف جدوى العلاج البيطري لها، بل كثيراً ما شكا بعض المواطنين من سوء الدواء البيطري وعزوا له نفوق بعض حيواناتهم، إضافة إلى خسارتهم من قيمة الدواء وأجور الأطباء البيطريين، ما دفع الكثير من المربين لبيع مواشيهم لأولئك التّجار الذين تهافتوا لشراء الماشية، بقصد تحقيق الربح، ومن ورائهم من يعمل عن سابق إصرار وتصميم لإضعاف اقتصاد الوطن، من خلال إضعاف المربين الذين هم مصدر إنتاج وغذاء كبير، خلافاً لما كان عليه الحال سابقاً، يوم كانت معظم عمليات بيع وشراء المواشي تتمّ بين المربين أنفسهم وبين المربين الجدد، بدليل أن السنوات الماضية شهدت –ولا زالت الحالة مستمرة– إقبالاً كبيراً من التّجار على شراء إناث الحيوان وبأسعار مرتفعة وخاصة الإناث الصغيرة، وذبحها أو تهريبها خارج القطر، وربما لم يدر بعضهم أن هذا الأمر مبرمج من أيدي مخربة تعمل لإضعاف إمكانات الوطن ومواطنيه بشتى السبل، كل ذلك أدى لارتفاع أسعار المواشي بشكل كبير ما أغرى الكثير من المربين لبيعها، وعندما شعروا بخطئهم الكبير وحاجتهم الماسة لها، لم يعد بإمكانهم شراءها واقتناءها مجدداً نظراً لارتفاع أسعارها عشرات المرات بل وأكثر عن أسعار بيعهم لها سابقاً، عدا عن ندرة وجودها.
الجميع يعرف أن التربية الحيوانية كانت تتركز سابقاً في قطعان الجمال والغنم والماعز والبقر والحيوانات الخيلية، التي تجوب البادية والسهول والجبال، حتى أن اسم الماشية هو الاسم البارز للحيوانات الزراعية، بالتوازي مع التربية المنزلية الحيوانية عند كل مزارع، والتي يندر أن كانت تقتصر على نوع معيّن بل كان عند كثير من المزارعين البقرة الأنثى للحليب والتوالد، والثيران للحراثة واللحم، والغنم والماعز للحليب واللحم، والحمير والبغال والخيل للنقل، والدجاج والحبش والبط والإوز للحم والبيض، وكانوا معاً في منزل واحد تحت سقف واحد في أحلك أيام البرد عند أغلب المزارعين، ولم يكن سوق المواد العلفية منتشراً يومئذ لا تصنيعاً ولا تجارة، بل كان كل مزارع ينتج علف حيواناته من أرضه، إما رعياً مباشراً في الحقل، وإما زراعة وجنياً وتخزيناً لموسم الشتاء، وكانوا يتبادلون النقص فيما بينهم بمقابل عيني أو نقدي بسيط، وأحياناً مجاناً، بعيداً عن أي جشع أو استغلال، ولم تكن يومئذ هذه الأمراض الحيوانية والبشرية التي نشهدها الآن، وحال حدث مرض حيواني أو بشري يومئذ كانت الأعشاب البرية المحلية المعروفة عند العديد من المواطنين، هي الدواء السريع والناجع لكثير منها، يوم لا طبيب بيطرياً ولا دواء ولا لقاحاً، وكانت حظائر التربية الحيوانية نادرة الوجود خلال العقود الماضية المنصرمة.
إن ضعف النمو الكبير والمريع الحاصل الآن في الثروة الحيوانية بجميع أنواعها -بما في ذلك الدواجن- يتطلّب الإعداد المبرمج والسريع لتجاوزه، والقطاع الأهلي العامل في الزراعة هو الميدان الأفضل لمزيد من انتشاره وتوسعه الأكثر حاجة له، نظراً لأهمية التكامل المحلي بين الإنسان والزراعة والثروة الحيوانية، فالثروة الحيوانية تخدم العمل الزراعي في التسميد والحراثة، وتخدم الأسرة في أنواع الغذاء الرئيسية كالحليب واللحم والبيض، والعمل الزراعي يؤمن الغذاء الرئيسي للمواشي، والمزارع هو العامل والناظم الأساسي بين الزراعة وتربية الحيوان.
المصلحة الوطنية تقتضي أن تكون تنمية الثروة الحيوانية هي الشغل الشاغل للسلطات الرسمية، فليس بمقدور المجتمع الأهلي النهوض بها، دون تشجيع ودعم كبيرين له مدروسين ومتواصلين ليلاً نهاراً، من خلال معونات متنوعة وإمدادات بأسعار متهاودة، وقروض بلا فائدة وتسهيلات متعددة تقدمها السلطات الرسمية، ورقابة تضمن الاستثمار الفعلي للمساعدات والإمدادات والقروض، بالتوازي مع إغراء رأسمال القطاع الخاص لتوجيه استثمارات كبيرة متعددة الأنواع والحجوم في ميدان الثروة الحيوانية، على أن تكون وزارة الزراعة والجهات الأخرى /غرفة الزراعة ونقابة الطب البيطري ونقابة المهندسين الزراعيين/ صاحبة الحضور الميداني التنفيذي الأول، وليكن هذا الحضور متركزاً على إكثار الثروة الحيوانية لإنتاج أكبر عدد من إناث جميع الحيوانات، وتأمين حصول أكبر عدد ممكن من المربين عليها بتسهيلات مالية كبيرة، وما لم تكن هذه التسهيلات متوفرة لن تتحقق تنمية الثروة الحيوانية، لأن غلاء أسعار المواشي وضعف ميزانية القسم الأكبر من المربين، يضعف من الإقبال على التربية، أليس من الغريب أن يصبح ثمن البقرة أربعة ملايين ليرة وثمن حمار الحراسة نحو 600 ألف ليرة، هذا المبلع الذي كان يشتري سيارة سياحية جديدة قبل عدة سنوات؟!.
الحاجة ماسة جداً لإحداث المؤسسة العامة لإكثار الثروة الحيوانية، على غرار المؤسسة العامة لإكثار البذار شريطة أن يكون عمل الثانية أجود من عمل الأولى، لا بل فليتمّ إلقاء مهمة إكثار الثروة الحيوانية على عاتق المؤسسة العامة لإكثار البذار، وليصبح اسمها المؤسسة العامة لإكثار البذار والثروة الحيوانية، بغية اجتناب إحداث المزيد من المؤسسات وتبعثر المسؤوليات، فهل من يجيب؟.

*المقال منشور في صفحة اقتصاد من صحيفة البعث ليوم 8 / 1 / 20201

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعونا على فيس بوك

مقالات