“أطفال الشمس” سينما الطفولة المقهورة إلى منافسة الأوسكار مرة أخرى

أبعدت أجواء تفشي وباء كورونا الكثير من عشاق الفن السابع عن دور العرض، لكنها لم تحل بينهم وبين متابعة كل جديد عبر منصات متعددة باتت متاحة على مواقع الشبكة العنكبوتية (الأنترنت)، رغم ما ألحق ذلك من خسائر كبيرة بشركات ومؤسسات صناعة السينما حول العالم.

وقد تألقت السينما الإيرانية العام المنصرم في مهرجانات عديدة شاركت فيها، ومنها مهرجان فينيسيا الدولي بدورته السابعة والسبعين، عندما حصدت ثلاثة أفلام إيرانية جوائز مهمة، كان من بينها فيلم “أطفال الشمس” للمخرج المتألق مجيد مجيدي صاحب مشروع السينما لنصرة الأطفال، المرشّح حالياً لخوض منافسات جوائز الأوسكار المزمع انطلاقها في نيسان القادم، حسب مجلة “فارايتي” الأمريكية.

يهدي مجيدي فيلمه الحالي إلى 152 مليون طفل عامل حول العالم، وهو من تفرّد بتوظيف السينما لنصرة قضية هؤلاء العاملين والمشردين، وتسليط الضوء على ضرورة إنقاذهم من براثن الاستغلال والانحراف، ومنحهم حق التعلّم والعيش بأمان.

يعتمد مجيدي في فيلم “أطفال الشمس” على أطفال شوارع حقيقيين كركيزة أساسية وأبطال يراهن عليهم بعد تأهيلهم ببراعة وخبرة ثاقبة لتأدية الأدوار الرئيسية، وتشكيل الفضاء الروحي الحيوي للنص، بعيداً عن التكلّف الأكاديمي والحذلقة الرتيبة لنجوم السينما، ودائماً يكسب الرهان، عندما يستقبلهم جمهور السينما بتفاعل ينبض بالتأثر، وهي ليست المغامرة الأولى له في هذا الاتجاه، فقد سبق أن أهّل أطفالاً ينتقيهم من الشارع للنهوض بفكرة فيلمه السينمائي الذي يكتب له السيناريو بنفسه، رغم مشاركة ونيما جاويدي كتابة نص فيلمه الحالي، وكانت البداية مع فيلم “أطفال السماء” الذي حصد العديد من الجوائز، ورشّح ليمثّل السينما الإيرانية في مسابقة الأوسكار عام 1997، ثم فيلم “لون الجنة”، و”نشيد العصافير”، وغيرها.

يشتغل مجيدي في “أطفال الشمس” على اللقطات القريبة لإبراز التفاصيل والمفارقات الإنسانية المعبّرة والقادرة على إحداث التأثير القوي في نفس المشاهد دون الإسهاب في مبالغات واستعراضات مجانية فائضة عن الحاجة، ولكل مشهد أو لقطة عند مجيدي رمزية تخدم الفكرة وتكثفها، بدءاً من المشهد الافتتاحي للأطفال الأربعة وهم يقومون بسرقة إطارات سيارات حديثة وغالية الثمن بتكليف من أحد اللصوص الكبار، إلى المشهد الختامي البانورامي للمدرسة الفارغة التي أغلقت أبوابها بعد أن شحّت مصادر التمويل من المتبرعين، وحصول مالك البناء على حكم إخلاء المدرسة إثر عجز إدارتها عن دفع الإيجار.

يتناول الفيلم حكاية أربعة أولاد وبنت واحدة، الأولاد: علي وماماد وأبو الفضل ورضا، يعملون في ورشة إصلاح إطارات السيارات، يقنع رئيس إحدى العصابات علي بالالتحاق بمدرسة “الشمس” للأبناء المشردين مع رفاقه الثلاثة بغية الوصول إلى مجاري المياه من قبو المدرسة، والحفر بحثاً عن كنز ضائع في مجاري الصرف الصحي، هي أيام عدة يقضيها علي ورفاقه في الحفر تحت المدرسة مستغلين وقت استراحة الطلاب، والضجيج الذي يحدثونه في ساحة المدرسة للوصول إلى الهدف المطلوب، وفي النهاية وبعد بذل الكثير من الجهد والتعب يكتشف علي الخديعة عندما يعثر على الكنز الموهوم وهو عبارة عن كيس مليء بالبودرة المخدرة قامت العصابة برميه في مصرف المياه لإخفائه عن أعين رجال الشرطة، وعندها يصاب علي بصدمة كبيرة بعد أن كان يمنّي نفسه بثروة تنقذه ورفاقه مما هم فيه، وتمكّنه من إخراج والدته المريضة من المستشفى للعناية بها في مكان أفضل، ليدخل في مشهد بكاء هستيري مؤثر.

أفكار عديدة يطرحها الفيلم حول الأطفال المشردين تلخص الظلم الذي يتعرّضون له عندما تحرمهم الظروف القاسية من التعلّم وتنمية المواهب والملكات العقلية البناءة، فكل واحد من هؤلاء يختزن في داخله ملكات ومهارات تجعل منه إنساناً فاعلاً في الحياة استطاعت المدرسة التي دخلوا إليها بقصد البحث عن الكنز اكتشافها لتكون الكنز المفقود الذي يستحق البحث عنه، وليس كنز رئيس عصابة الإتجار بالمخدرات، من علي المخطط البارع، وصاحب الخبرة في مجال الكهربائيات الذي تعلّم منه معلم المدرسة مهارات عدة اكتسبها من الحياة، إلى رضا المولع بكرة القدم الذي ساعدته المدرسة في الانضمام إلى أحد الأندية، و”أبو الفضل” المتميز بعلم الهندسة والرياضيات، وأخته زهرا، وهما ينتميان إلى عائلة أفغانية مهاجرة، وتعمل زهرا بائعة في مترو الأنفاق بعد المدرسة.

للشمس في الفيلم رمزية خاصة أبعد من اسم مدرسة، وأشمل من درس علوم عن مصادر الطاقة الطبيعية، هي كناية عن العلم الذي ينير درب الحياة، ويشع دفئاً وطمأنينة بين البشر، وهو الهداية والتآلف بين الأعراق البشرية المتنوعة، ومن حق كل أطفال العالم أن يكونوا أطفال الشمس.

ما بين المشهد الافتتاحي والمشهد الختامي يضعنا المخرج أمام تشكيل سينمائي للواقع يمر بالمواقف الإنسانية الخلاقة، والجماليات الفنية الساحرة المشغولة بقالب عفوي عالي الإحساس، يدع الكاميرا تقول وتعبّر في الأوقات المناسبة لتتكامل اللغة البصرية والحوار الكلامي في خدمة الفكرة العامة، دون الغرق في مستنقع التنظير والخطابية المفرطة، لاسيما مشهد إهداء علي دبوس الشعر إلى زهرا، وتوظيفه بعد خروجها من مركز الشرطة حليقة الشعر، والدبوس بقبضة يدها تنظر نحو علي وإلى الدبوس بيدها، لتقول الصورة أكثر مما يستطيع الحوار قوله ضمن مفارقة مشحونة بحس إنساني وجمالي عالي المستوى.

أطفال الفيلم هم: روح الله زماني بدور علي، ومحمد موسوي فر بدور ماماد، وماني غفوري بدور رضا، والأخوان أبو الفضل، وشميلا شيرزاد بدوري “أبو الفضل وزهرا”.

آصف إبراهيم -البعث

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعونا على فيس بوك

مقالات