واقع التعليم في سورية.. صرخة ألم ضائعة في وادٍ عميق

*د. حسن حسن:

في البدء أحب ان أقول أن حال وواقع التعليم في سورية او على الاقل في منطقة الساحل السوري هو أمر لاشك انه فريد في العالم كله ، وأكاد أجزم ان نسبة حملة الشهادات العليا بين السكان عندنا هي الأعلى عالميا لأن الأهل شديدو الاصرار ولدرجة غير طبيعية على ان يحصل ابناءهم على أعلى تعليم ، ورغم كل ذلك أنا لاأرى انه واقع يبشر بالخير ولايدعو للتفاؤل أبدا لعدة اسباب منها :

1- إن نمط التعليم يرتكز على التلقين والتكرار والحفظ وبالتالي صارت مسألة حشو معلومات فقط من أجل الامتحان للحصول على علامات نجاح عالية تخوّل الطالب دخول الكلية التي يطمح بها وبالتالي ماعادت مسألة تنمية مهارات وتكوين ثقافة عامة وتعليم على طرائق الاستنتاج والتحليل والمحاكمات العقلية

2- ومنها أن التركيز شديد جدا على الدروس الخصوصية التي تكاد تكون قد ألْغَت دور المدرسة العامة وحطّمت قدسية العلم والمعلم وتحول المعلم الى مجرد سمسار او تاجر لايهتم بواجبه الأساس في المدرسة ولايهتم بالطلبة الذين لايدفعون له مبالغ طائلة مقابل الدروس الخصوصية يعني ببساطة فقد الاستاذ شرف المهنة وشرف الاسم وتنازل عن دوره التربوي والأخلاقي في غالب الأحيان

3- ومنها أن نسبة الطلبه الذين يحصلون على علامات تامة او شبه تامة هي نسبة عالية جدا بل خيالية ولكنها للأسف غير منطقية اطلاقا بل مستحيلة أصلا فيما لو كانت المناهج والامتحانات محترمة كفاية ، بحيث أن مئات الطلبة عندنا حصلوا في الثانوية العامة على علامة ٢٤٠ من ٢٤٠ وحصل حوالي ١٠ آلاف طالب مجموع عام يفوق ٢٣٠ من ٢٤٠ 🥵
هذا غير منطقي وغير عقلاني ابدا
والطامة الكبرى انه يندر جدا ان ترى الابوين راضيين عن علامة الابن حتى لو كانت عالية جدا

4- ومنها ايضا ان غالبية الأهل يصرون على ان يدرس ابناءهم بشكل شبه حصري في كليات الطب والصيدلة وطب الاسنان وبشكل أقل الهندسات بمختلف فروعها وهذا امر عجيب وغير منطقي ، وأن يصل الهَوَس العام في هذه المجالات الى هذا الحد وبحيث يتخطى وبشدة حاجات البلد أضعافا مضاعفة ويعرض الخريجين الى العطالة وهي فعلا صارت أمر واقع معاش
وللعلم وعلى سبيل المثال فإن عدد الصيادلة في محافظة طرطوس الصغيرة التي تقل عن المليون نسمة فاق ال ٣٠٠٠ يعني صيدلية لكل ٣٠٠ شخص 🤫

5- ومن نتائج حمى التعليم هذه هو زيادة الفقر والمصاعب المادية لأن الكثير من مال الاسرة الشحيح اصلا يُصرف على الدروس الخصوصية وعلى متطلبات التعليم الجامعي
6- ومن النتائج السلبية ايضا ان الاصرار على تعليم الجميع ولو بالاكراه ماترك أحدا ليقوم بأعمال الزراعة والتجارة والحرف المختلفة … يعني صار مجتمع غير متوازن كله يركز على الوظائف وهي بدورها صعبة المنال ومردودها المادي ضعيف بكل معنى الكلمة ولايكفي حتى لتأمين أساسيات الحياة

7- يضاف إلى كل تلك السلبيات والصعوبات أن الجامعات الخاصة انتشرت كالنار في الهشيم وأن اقساطها السنوية فوق خيالية لدرجة ان الكثيرين من الأهالي يضطرون الى بيع بيوتهم وأراضيهم ليتمكنوا ان يدخلوا ابناءهم فيها
وللأسف بعض مالكي هذه الجامعات ليسوا من ذوي المال النظيف اصلا وحتى مناهجها لااعتقد انها جيدة بما يكفي (وطبعا لاننسى ان الجامعات العامة ايضا ليست بالجودة الكافية ولاتختلف عنها كثيرا)
حتما توجد مضار اخرى كثيرة
وحتما الخلل التعليمي هو في النوعية والكيفية
ومايزيد الصعوبات هو واقع الغلاء والحرب والحصار وصعوبات قبول السوريين حتى من ذوي التخصصات العليا طالما انهم مقيمين في سوريا

والسؤال المهم هو
من المسؤول عن هذا الواقع المرير ؟
أهو المجتمع (الأهالي) أم هي السلطات المسؤولة عن التعليم بمختلف وزاراته ؟
لماذا كل هذا الاصرار الشديد على التعليم ؟
لماذا لانكون واقعيين وندعم من يحب فعلا ان يكمل تعليمه العالي ونساعد من لايحب ذلك على الحصول على مهنة وعمل مناسبين له وللمجتمع ؟
لماذا نبالغ بالدروس الخصوصية ؟
لماذا لانضغط على المدرسين وخاصة المدراء لإعادة التعليم المدرسي الى سيرته الاولى وبالتالي إعادة قدسية المدرسة والمدرسين كما كانت من قبل ؟
من المسؤول عن هذا التّردّي وكيف يكون الحلّ؟!

د.حسن حسن
19/9/2021

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعونا على فيس بوك

مقالات