تخطى إلى المحتوى
آخر الأخبار

“الاستجرار المركزي” “أفرغ” المشافي من مواد طبية عديدة وكرّس احتكارها

رغم مضي سنوات على تطبيقه، إلا أن مشكلات كثيرة بتفاصيل وتداعيات مختلفة لاتزال تشوب قرار الاستجرار المركزي من وزارة الصحة، وذلك لما خلّفه من نتائج أرخت بظلالها على أرض الواقع، فرغم ما حققه من وفر مادي للدولة، خاصة “بعد ملاحظة الفروقات الكبيرة بين الهيئات العامة للمشافي، إن كان لجهة استجرار الأجهزة أو المستهلكات، ودوره بتأمين بعض الأدوية، ومكافحة الفساد، إلا أنه ساهم أيضاً بإفراغ المشافي من مواد عديدة، وبالتالي تعطيل الخدمة الصحية لعدم قدرة المشافي على تأمين الأجهزة اللازمة لاستمرار الخدمة فيها، ما أنتج بالتالي حالة من الاحتكار أدت إلى انسحاب التجار الذين لا يملكون ملاءة مالية كافية للاشتراك بالمناقصات، فمشفى الأسد الجامعي – على سبيل المثال – لم يتمكن منذ أكثر من سنتين من تحقيق أي شيء في الميزانية الاستثمارية التي رُصدت لتوفير الأجهزة اللازمة له رغم طلبه لأجهزة تنظير بولية وبطن وليزر منذ عام 2020، أضف إلى ذلك ما ترتّب على المواطن من أعباء كثيرة بسبب اضطراره لشراء مواد تخدير وقثاطر وسيرومات، لنصل في النهاية لسوق سوداء أمام معظم المشافي..!.

يطفو على سطح هذا المشهد عديد الأسئلة من قبيل: ما هي الفائدة من إخضاع مواد بسيطة للاستجرار المركزي، في حين أن السيطرة عليها ممكنة، ورقابة أسعارها واضحة؟ وهل باستطاعة المشافي التي تحتاج لمواد تخدير انتظار مناقصة طويلة الأمد؟ وهل من المنطقي أن تنتظر مواد استهلاكية ذات أمور إسعافية تشمل “الكفوف والقثاطر والشاش ومواد التعقيم”، الاستجرار المركزي”..؟.
في محاولة للوقوف على أجوبة لهذه الأسئلة.. تجنب الكثير من الأطباء ومديري المشافي الخوض في أي حديث يتعلق بهذا القرار لأسباب كثيرة لسنا بوارد ذكرها الآن، فيما فضّل البعض الآخر التعليق على الموضوع من دون ذكر أسمائهم الصريحة..
والبداية كانت مع مدير أحد المشافي التابعة لوزارة الصحة الذي بيّن لصحيفة “البعث” أن تطبيق القرار بشكل كامل على كل الأجهزة والمستهلكات أحدث خللاً كبيراً، وكان من الأجدى البدء بتطبيقه بشكل تدريجي أو تجريبي على الأجهزة الكبيرة..!.

وأشار مدير المشفى إلى الضغط الكبير على وزارة الصحة واضطرارها لتلبية الاحتياجات والمناقصات بسبب هذا القرار، لدرجة أننا بتنا بحاجة لوزارة كاملة لكي تقوم بالإشراف على هذا الموضوع لصعوبة الأمر، فيما أوضح طبيب فضل عدم ذكر اسمه أن هناك مشكلة أُخرى ظهرت بعد بدء العمل بقرار الاستجرار تتعلق بالاحتكار وبـ “استحواذ كبار التجار على الساحة”، بسبب عدم قدرة التجار الصغار على التقدم للمناقصات بسبب أرقامها المرعبة، لافتاً إلى أن التكلفة المادية اليوم باتت ضخمة جداً، لأن الاستجرار  يكون لصالح أربع وزارات.

وفي هذا السياق، اعتبر الدكتور مازن علوش الاختصاصي في شعبة الجراحة البولية في مشفى الأسد الجامعي أن الاحتكار كان الضربة الأكبر للتجار الصغار والوسط، لأن الآلية المتبعة في العمل كانت تقوم على تقاسمه بين الشركات الكبيرة والمتوسطة، والسياسة المعتمدة كانت جامعة للجميع، وليس فقط للتاجر الكبير، مضيفاً: لم يعد بمقدور التاجر الذي كان بإمكانه إحضار 20 جهاز طبقي محوري إنجاز مثل هذه الصفقة في الوقت الحالي، لأن فرصة الحصول على كل الاستثمارات الموجودة في القطاع الصحي تركت للتاجر الكبير، الأمر الذي لا يتوافق مطلقاً مع سياسة الدولة، كما أشار علوش إلى الفروقات الكبيرة والقفزات في سعر الصرف وتأثيرها على عقود الاستجرار.

لم يخف علوش أن فكرة الاستجرار جيدة من حيث المبدأ، إلا أن طريقة معالجتها لم تعط النتيجة المطلوبة، إضافة إلى أنها أوجدت مشاكل من نوع آخر، كفقدان المرونة في العمل بسبب القنوات الكثيرة والطويلة التي بات لزاماً على أي مشفى السير بها ليحصل على ما يريده من مواد، منبهاً إلى أن الأمر ملائم لدولة تريد وضع خطة خمسية، وتنفيذ استراتيجية من خلال وضع دراسة متأنية ومستوفية وشاملة، أما لدولة تعاني من مؤثرين كبيرين يستلزمان منها التصرف الإسعافي “هما الحرب وكورونا”، فإن تطبيق مثل هكذا قرار صعب لأن الوضع استثنائي ولا يحتمل التأخير، مستغرباً موافقة بعض الوزارات أصلاً على قرار كهذا، خاصة أننا في حالة حرب، لأن الطبيعي في مثل هذه الحالات أن تكون المشافي ميدانية، ما يتطلب سرعة كبيرة في توفير المواد، ليشكّل بذلك، بالتزامن مع وباء كورونا، سلاحاً كبيراً ضد السياسة الصحية في البلاد على حد تعبيره!..

وأكد علوش أن الهدف الذي عملت الحكومة على تحقيقه من الاستجرار المركزي لم يتحقق، والدليل الفروقات الكبيرة في الأسعار، مشيراً إلى ارتفاع أسعار مواد غسيل الكلى بعد شرائها عن طريق وزارة الصحة، في حين أنها كانت أقل قبل قرار الاستجرار المركزي، الأمر الذي أكده المعنيون بشراء تلك المواد، والسبب هو معالجة الخطأ بخطأ، لأن الحل الوسط الذي تم اعتماده أثّر بشكل سلبي على المشافي التي كانت تعمل بشكل صحيح!

بانوراما سورية-البعث

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعونا على فيس بوك

مقالات