تخطى إلى المحتوى

الذهب.. هل يبقى ملاذاً آمناً رغم تبدل مؤشراته في الأسواق العالمية؟

رغم التذبذبات والمتغيرات الإقليمية والاقتصادية، لا يزال الذهب في واجهة المشهد الاستثماري العالمي بوصفه أحد أبرز أدوات الادخار وحفظ القيمة، وسط تقلبات اقتصادية متسارعة وتحولات جيوسياسية معقدة تعيد تشكيل اتجاهات الأسواق وتوقعاتها.

وفي ظل هذا التداخل بين ثباته التاريخي كمعدن نفيس وتغيرات أدائه في المرحلة الراهنة، تتباين القراءات الاقتصادية حول دوره المستقبلي، بين من يرى استمرار فعاليته كأداة تحوط تقليدية، ومن يشير إلى تبدّل نمط حركته واقترابه أحياناً من سلوك الأصول عالية المخاطر، ما يضعه ضمن مساحة تقييم جديدة داخل الأسواق العالمية.

تسعيرة موحدة

مع بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، في 28 من شباط الماضي، شهدت أسعار الذهب تقلبات واضحة في الأسواق العالمية، حيث سجل المعدن النفيس أعلى مستوى له خلال فترة الحرب متجاوزاً 5400 دولار للأونصة، قبل أن يتراجع إلى ما دون 4400 دولار، ليعود ويستقر عند حدود 4715 دولاراً مع إغلاق يوم الجمعة الماضي.

وأمام هذه التحركات الحادة، تبرز أهمية الإجراءات المحلية الرامية إلى ضمان تسعير عادل وشفاف يعكس التغيرات العالمية.

وفي هذا السياق، أوضح مدير الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة مصعب الأسود، لصحيفة “الثورة السورية”، أن الهيئة تتعامل بشكل مهني مع التغيرات السريعة في أسعار الذهب، ما استدعى خلال الفترة الأخيرة إصدار ثلاث إلى أربع نشرات سعرية يومياً، بهدف مواكبة السعر العالمي في ظل التذبذب الكبير الذي تشهده الأسواق.

وقال الأسود إن الهيئة تعمل على تطوير النشرات السعرية بحيث تتضمن التاريخ والساعة بدقة، بهدف حماية المستهلك، إذ يمكن تحديد السعر المعتمد في لحظة الشراء في حال حدوث أي تلاعب من قبل بعض الصاغة، ومحاسبتهم وفق السعر المحدد في تلك اللحظة، ما يعزز الشفافية والدقة في التعاملات.

ولفت إلى أن الذهب يبقى خياراً مناسباً للحفاظ على المدخرات، مع التأكيد على عدم التوجه نحو المضاربات السريعة، بل اقتنائه كاستثمار طويل الأجل، نظراً لكونه ملاذاً آمناً عبر الزمن.

وفيما يتعلق بتنظيم سوق الذهب، اعتبر الأسود أن الهيئة وصلت إلى حالة مستقرة من حيث التسعير في ظل الظروف الحالية، إذ يتم اعتماد تسعيرة موحدة في جميع أنحاء سوريا، ولا يُسمح بأي تسعير مخالف للتسعيرة الرسمية الصادرة عن الهيئة.

حلب الأكثر طلباً

كان عدد ورش الذهب في سوريا سابقاً بالآلاف، إلا أن عدد الفعالة منها حالياً لا يتجاوز 500 ورشة، وفق الأسود، الذي لفت إلى أن الطلب على الذهب موجود في مختلف المحافظات، مع اعتبار محافظة حلب من أكثر المناطق كثافة في الطلب.

وفي إطار العمل الرقابي، أوضح الأسود أن الهيئة سجلت ضبوطاً عدة منذ بدء عملها، شملت حالات غش متعمد وتزوير ممنهج، مشيراً إلى إحالة المتورطين إلى القضاء ومتابعتهم عبر كامل سلسلة التوريد، من البائع إلى الموزع وصولاً إلى المصنع.

كما ضبطت الهيئة حالات تتعلق بتدني العيارات نتيجة ضعف الرقابة سابقاً، ويجري التعامل معها عبر إتلاف المخالفات وتوجيه إنذارات أولية.

سلوك الذهب

على مرّ التاريخ، أثبت الذهب مكانته كأهم ملاذ آمن، إذ يلجأ إليه المستثمرون لحماية ثرواتهم خلال فترات الاضطرابات السياسية والاقتصادية.

لكن النائب الأول لحاكم المصرف المركزي والباحث الاقتصادي مخلص الناظر، رأى أن الذهب “لم يعد ملاذاً آمناً”.

وأوضح الناظر في منشور عبر صفحته الشخصية على “فيسبوك”، السبت، أن المشكلة تكمن في سلوك الذهب خلال الفترة الأخيرة، وليس في سعره، مشيراً إلى أنه قبل نحو عام كان الذهب يقدم خصائص مهمة للمحافظ الاستثمارية، من بينها صعود قوي، وطلب متزايد من البنوك المركزية، إضافة إلى ارتباط سلبي مع أسواق الأسهم، ما كان يجعله يتحرك عكس السوق ويؤدي وظيفة تحوّط فعّالة.

إلا أن الصورة اليوم تبدلت، وفق الناظر، إذ بات ارتباط الذهب مع مؤشر “S&P500” (مؤشر الأسهم الأميركية) يقترب من 1، ما يعني أن تحركاته أصبحت متقاربة مع الأسهم الأمريكية، وهو ما يطرح تساؤلات حول جدوى اعتبار المعدن النفيس أداة تحوّط في هذه المرحلة.

وتساءل الناظر عن جدوى شراء أصل لا يولّد تدفقات نقدية إذا كان يتحرك بالطريقة ذاتها التي تتحرك بها الأسهم، في إشارة إلى أن عنصر الحماية من المخاطر يتراجع عندما يفقد الأصل استقلالية حركته.

وأشار إلى أن ما وصفه بـ”الفخ” الذي يقع فيه بعض المستثمرين يتمثل في تحول فكرة التحوط تدريجياً إلى أصل عالي المخاطر دون إدراك ذلك، لافتاً إلى أن الأسواق تقدّم دائماً درساً أساسياً مفاده عدم الارتباط العاطفي بأي أصل استثماري.

واعتبر أن الاستثمار الناجح يقوم على المرونة في مراجعة القرارات وفق تغيّر المعطيات، مضيفاً أن امتلاك شركة قوية تولّد تدفقات نقدية قد يكون أكثر أماناً في المرحلة الراهنة من الاحتفاظ بالذهب كأصل جامد.

ويواجه الذهب ضغوطا في ظل ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية نظراً لأنه لا يدر عائداً.

وقال ديفيد ميجر، مدير تداول المعادن في “هاي ريدج فيوتشرز”: “يُتداول الذهب كأصل محفوف بالمخاطر بلا من كونه ملاذاً آمناً. ويرتبط انتعاش الذهب باحتمالات تراجع حدة التوتر في إيران. ومع انخفاض أسعار الطاقة، نرى احتمالات متزايدة لخفض البنك المركزي الأمريكي أسعار الفائدة في المستقبل”، وفق “رويترز”.

ارتفاع الطلب

بالمقابل، يؤكد الخبير المالي والمصرفي الدكتور علي محمد، أن الذهب لا يزال يُعد من أبرز الملاذات الآمنة تاريخياً، إذ تعتمد عليه المؤسسات المالية ومحافظ الاستثمار كأداة لحفظ القيمة، خصوصاً في فترات التضخم والأزمات والحروب.

وقال محمد لصحيفة “الثورة السورية” إن الطلب على الذهب يرتفع في مثل هذه الظروف باعتباره وسيلة تحوط، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت بروز مجموعة من العوامل التي قد تؤثر في جاذبيته، أبرزها أسعار الفائدة الأميركية، إذ كلما ارتفعت هذه الأسعار أصبحت السندات والدولار أكثر جذباً للمستثمرين مقارنة بالذهب.

وأضاف أن ما حدث مؤخراً في ظل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران شكّل حالة جديدة في الاقتصاد العالمي، نظراً لحساسية المنطقة التي تدور فيها الأحداث، ولا سيما مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من النفط العالمي.

وأشار إلى أن أي اضطراب في هذا الممر ينعكس مباشرة على الأسواق، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل كبير، قبل أن تعود إلى التذبذب تبعاً للتطورات السياسية.

هذا الارتفاع في أسعار النفط، وفقاً للخبير محمد، زاد الطلب على السيولة لتمويل عمليات الشراء، ما دفع المستثمرين إلى تسييل بعض الأصول، وكان الذهب من أبرزها، الأمر الذي أدى إلى انخفاض سعره بالتوازي مع ارتفاع الدولار.

واستدرك أن ذلك لا يعني أن الذهب فقد مكانته، معتبراً أن ما حدث هو تفاعل ظرفي مع عوامل اقتصادية وجيوسياسية محددة، إذ إن ارتفاع النفط والدولار أدى إلى الضغط على أسعار الذهب مؤقتاً.

كما عدّلت بنوك الاستثمار العالمية توقعاتها لسعر الذهب، بعدما كانت تشير إلى مستويات تقارب 6000، لتصبح بحدود 5200–5500، ما يدل على استمرار الاتجاه الصاعد لكن بوتيرة أكثر اعتدالاً.

تذبذب طبيعي

بالنسبة للتذبذب في أسعار الذهب، يرى محمد أنه طبيعي ومرتبط بطبيعة هذا السوق، إذ يشهد المعدن النفيس دورات من الارتفاع يعقبها تصحيح.

وكلما كان الارتفاع حاداً كان التصحيح مماثلاً، فقد شهد الذهب خلال عام 2025 ارتفاعات كبيرة تجاوزت 50 بالمئة، ما يجعل الانخفاض الحالي ضمن نطاق التصحيحات الطبيعية، خاصة أنه تراجع من ذروة 5600 إلى نحو 4600، أي بنسبة تقارب 20 بالمئة، وفق محمد.

كما أشار إلى عوامل متعددة تؤثر في حركة الذهب، من بينها التضخم، إذ يؤدي ارتفاعه عادة إلى زيادة أسعار الذهب، في حين أن ارتفاع أسعار الفائدة يحد من جاذبيته لصالح السندات والدولار.

وتلعب توقعات التضخم والسياسات النقدية العالمية أيضاً دوراً مهماً، إضافة إلى سياسات البنوك المركزية التي زادت في السنوات الأخيرة من احتياطاتها من الذهب على حساب العملات الأجنبية، ما يعزز الطلب عليه على المدى الطويل.

وأضاف محمد أن الحروب والأزمات تؤثر على الذهب بطرق مختلفة، فإذا أدت إلى التضخم فإنها تدعم ارتفاعه، أما إذا تسببت في ارتفاع أسعار سلع استراتيجية مثل النفط فقد تؤدي إلى نتائج عكسية عبر تقوية الدولار وزيادة الضغوط على الذهب.

ولفت إلى أن الذهب عبر تاريخه، منذ الحروب العالمية مروراً بصدمة نيكسون والتحولات النقدية، اكتسب مكانة خاصة، إلا أنه أصبح اليوم أكثر تأثراً بالسياسات النقدية العالمية وحروب الطاقة والتغيرات الاقتصادية الكبرى.

وخلص إلى أن ما يحدث حالياً في سوق الذهب هو نتيجة مزيج من التصحيحات الطبيعية بعد الارتفاعات الكبيرة، إضافة إلى عوامل خارجية مثل السياسات النقدية وارتفاع أسعار النفط، بحيث يمكن تقدير التأثير بنسبة 60 بالمئة لعوامل مرتبطة بسوق الذهب نفسه و40 بالمئة لعوامل خارجية.

بدائل الاستثمار

فيما يتعلق بالبدائل الاستثمارية، يوضح الخبير المالي والمصرفي أنها لم تشهد تغييراً يُذكر، إذ يظل الدولار في مقدمة هذه البدائل كعملة رئيسة، رغم تأثره بالسياسات المالية الأميركية.

كما تُعد سندات الخزينة الأميركية خياراً مهماً نظراً للعوائد التي تقدمها، والتي ترتبط بأسعار الفائدة. وإلى جانب ذلك، برزت العملات الرقمية خلال السنوات الأخيرة، غير أنها ما تزال تعاني من تقلبات حادة ومخاطر مرتفعة، فيما تبقى الأصول التقليدية مثل العقارات والأراضي ضمن أبرز الخيارات الاستثمارية المعروفة.

وأكد أن ما حدث يمثل تعديلاً في التوقعات وليس تغييراً في الاتجاه العام، إذ لا يزال الاتجاه صاعداً، لكن بوتيرة أقل مما كان متوقعاً سابقاً.

وأشار إلى أن الذهب أثبت في المرحلة الأخيرة قدرته على تسجيل تحركات سريعة وكبيرة خلال فترات زمنية قصيرة، نتيجة تداخل العوامل الاقتصادية والسياسية المؤثرة عليه.

الذهب عبر التاريخ

يُعد الذهب من أقدم الأصول التي استخدمها الإنسان كوسيلة لحفظ القيمة، إذ تعود مكانته كملاذ آمن إلى آلاف السنين، حين اعتمدته الحضارات القديمة مثل المصرية والرومانية كأداة للتبادل.

ومع تطور الأنظمة الاقتصادية، أصبح الذهب أساساً للأنظمة النقدية، لا سيما في ظل نظام قاعدة الذهب (Gold Standard) الذي ساد في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حيث كانت العملات الوطنية مرتبطة مباشرة بقيمة محددة من الذهب.

وخلال الأزمات الكبرى، عزّز الذهب مكانته كملاذ آمن، ففي فترة الكساد الكبير لجأ المستثمرون إليه هرباً من انهيار الأسواق المالية، كما برز دوره مجدداً خلال الحرب العالمية الثانية، واحتفظت الدول باحتياطيات كبيرة منه لدعم اقتصاداتها.

وفي عام 1971، شكّل قرار الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، نقطة تحول مفصلية، عرفت بالصدمة، حين أوقفت الولايات المتحدة ربط الدولار بالذهب، ما أدى إلى تحرير أسعاره في الأسواق العالمية. ومنذ ذلك الحين، بات الذهب يتحدد وفق العرض والطلب، مع احتفاظه بدوره كأداة تحوط ضد التضخم وتقلبات العملات.

وخلال الأزمة المالية العالمية عام 2008، ارتفع الطلب على الذهب بشكل ملحوظ مع تراجع الثقة بالأنظمة المصرفية والأسواق المالية، كما شهد إقبالاً متزايداً خلال فترات عدم الاستقرار الجيوسياسي وارتفاع معدلات التضخم، ما عزز سمعته كأصل يحافظ على القيمة في أوقات عدم اليقين.

الثورة السورية – رولا عيسى

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك