إذا ما علمنا أنّ عدد طلابنا المتقدّمين إلى امتحانات الشهادة الثانوية “البكالوريا” بفرعيها العلمي والأدبي يقارب المائتي ألف طالب؛ ندرك أنّ العدد ذاته من الأسر السورية كلّ عام؛ تعيش حالة رُهابٍ واستنفارٍ ماديٍّ ومعنويّ مع هؤلاء الأبناء الذين سيتحدّد مصيرهم وترتسم معالم مستقبلهم مع كل درجة يحصّلونها في امتحان تقرير المصير، والمغمّسة على التوازي مع جدّ هؤلاء الأبناء واجتهادهم بسهر الأُسرّ وأرقها المُستلّ من حرصها عليهم وتفانيها في تأمين المناخات الملائمة لهم؛ لتحقيق مجموع نهائيّ يبلور مصيرهم الدّراسيّ ومن ثمّ المهنيّ.
رهابٌ؛ لطالما استولده نظام القبول الجامعي المُعتمد، الذي أكل الدّهر عليه وشرب، والذي يكاد ينعدم فيه هامش الطّموح والهواية والميول والملَكَات الشّخصيّة؛ وما قد ينتجه من مبدعين محتملين، لصالح علامة “البكالوريا”: التي لها وحدها الكلمة الفيصل في تقرير المصير، لتغدو بحدّ ذاتها الغاية والهدف؛ ولتكرّس بالتالي قوالب التّلقين بما هو: (عملية صامتة من التّدجين وإطفاء جذوة الإبداع والابتكار وجعل الجميع متشابهين) حسب “يونغ”. إذْ أليس كلّ طلاب البكالوريا متشابهين لجهة القلق الشّديد الأقرب إلى الذّعر وهوس الحصول على العلامة؟ والأنكى: أنّ المجموع العام يمسي حكم قيمة للطالب كما لو أنّ قيمته الذاتيّة وكيانه الإنساني مُستمدّان من هذا المجموع.
الأمر الذي يستوجب فتح باب النقاش العام الواعي واسعاً؛ حول الروائز والمعايير الواجب اعتمادها كنظام قبول جامعي لدينا، في ضوء أنظمة القبول الجامعي التي تعتمدها جامعات العالم؛ سواءٌ لجهة إنصاف الطلبة في انتظامهم بصفوفها، أم لجهة الحؤول بين هؤلاء الطلبة وذويهم وبين “رهاب البكالوريا” بكل ما يستبطن من شدّات نفسيّة واستنفار أُسريّ على مدار العام، ويجعل وزارة التعليم العالي في مرمى الأسئلة: هل نظام القبول الجامعي القائم يعبّر عن كفاءة الطالب الحقيقية؟ وهلاّ اعترفنا بدواعي وموجبات إعادة النظر فيه كمدخل إلى تعديله؟ وإذا ما كان الجواب: بلى، فلِمَ لا يُطرح الموضوع للنقاش العام عبر وسائل الإعلام باعتباره قضية رأي عام؟ ولِيَدْلُ كلٌّ بدلوه ولاسيّما التربويون والمتخصّصون، مستأنسين في هذا السياق بتجارب الكثير من الدول التي تستعين لهذه الغاية بمراكز متخصّصة بقياس المهارات والمَلَكات لدى الطلاب، وتضم عدداً من الباحثين والأساتذة المحايدين الذين لا يرتبطون بأية وزارة أو جامعة، وتتجسّد مهمتهم الأساسيّة في إنجاز الامتحانات المعيارية للقبول في الجامعات الحكومية منها والخاصة على حدّ سواء.
بالتأكيد؛ ثمّة من سيتحفظ على هذه الخطوة؛ بدعوى التخوّف من الشّخصانيّة وعدم الشّفافية التي قد تتمخّض عنها، قياساً بالموثوقية العالية التي يتمتّع بها نظام القبول القائم على علامة الثانوية العامة المطبّق حالياً، ما يُرتّب على وزارة التعليم العالي أيضاً إثبات جدارتها وموثوقيتها في التّصدي لهذا التحدّي الحقيقي والمشروع، واجتراح الآليات الكفيلة بنيل ثقة الجّمهور في أيّ امتحانٍ معياريّ وطنيّ يشمل جميع المتقدمين أنّى كان الاختصاص.
* أيمن علي-البعث









