تخطى إلى المحتوى

المستهلك والمنتج بين الاستيراد والتصدير- عبد اللطيف عباس شعبان

لعقود مضت تميّزت سوقنا المحلية بتوفر كم كبير من السلع الاستهلاكية المتنوعة، وما زال ذلك قائماً –وخاصة في المناطق الآمنة- رغم الحرب الظالمة التي نعيشها. واللافت للانتباه أن النزعة الاستهلاكية لم تنخفض كثيراً قياساً إلى الارتفاع الكبير للأسعار، وما زالت سوقنا تشهد توفر المزيد من السلع المستوردة، ما تسبّب في عزوف كثير من المنتجين المحليين عن الإنتاج، سواء أكانوا مكرهين على ذلك نتيجة ضعف أو عدم توفر مقومات الإنتاج والتسويق التي تضمن تحقق عائد يمكّنهم من استمرار الإنتاج، أم كانوا مختارين نتيجة توفر فرص أخرى تحقّق لهم دخلاً. والمؤسف أن انخفاض الإنتاج المحلي حدث في القطاعين العام والخاص معاً، ولكثير من السلع، وتتالى ذلك بشكل مخيف لدى كثير من شركات القطاع العام، وأيضاً لدى الآلاف من منتجي القطاع الخاص والأهلي.

من المعهود أن اهتمام المستهلكين ينصبّ باتجاه توفر السلعة التي يطلبونها بين أيديهم بأقل الأسعار، متغافلين عن اهتمامات المعنيين بتوفير هذه السلعة من المنتجين، إذ من حق المنتج السعي إلى تحقيق أعلى سعر لمنتجه، ولاسيما في حال تمكّنه من تسويق سلعته محلياً أو خارجياً، ما يدفع باتجاه السعي العام لمزيد من الإنتاج، كما أن الاستيراد حاجة ماسة لعديد من السلع، وإن يكن سعي المستورد لتحقيق المزيد من الربح مشروعاً لديه، فهو غير مشروع لدى المواطن ولا مصلحة للوطن في المزيد من هذا الربح الذي سيدفع باتجاه المزيد من الاستيراد، الذي من المتوجب الحدّ منه ما أمكن ذلك، بل مصلحة الوطن تتحقق عبر المزيد من الإنتاج.

معظم المستهلكين لم يتحسّسوا نقص الإنتاج، ولكنهم تحسّسوا ارتفاع الأسعار، متغافلين عن الارتباط القوي بين الأمرين، وما شهدناه مؤخراً إثر تصدير بعض الشحنات من مادة البندورة المحمية خير دليل، هذا المنتج المحلي الذي انخفض إنتاجه كثيراً عما كان عليه قبل سنوات، إثر ما تعرّض له منتجوه من خسائر نتيجة استيراد السلعة نفسها عندما كان الإنتاج ينخفض قليلاً، ونتيجة وقف تصدير هذه السلعة في مواسم الإنتاج، لا بل كثيراً ما حدث أن أعيدت شحنات التصدير من الحدود تحت حجة وأخرى، وإن كان من حق وواجب السلطات المعنية أن تتحسّس مصلحة المستهلكين، إلا أن واجبها الأكبر هو باتجاه تحسس مصلحة المنتجين، نتيجة ما يترتب على ذلك من دفع شريحة غير قليلة من المستهلكين للدخول في ميدان العملية الإنتاجية لبعض السلع، ولو كان ذلك بقصد تغطية حاجتهم من السلعة فقط، إذ من المتوجب المزيد من العمل الرسمي والشعبي، لزيادة إنتاجنا لكثير من السلع بما يمكننا من المزيد من التصدير، مع الحفاظ المقبول على توفرها محلياً ويدفع إلى مزيد من إنتاجها، وأن نستورد فقط ما نكون بحاجة ماسة إليه ويتمتع بالمواصفات المطلوبة، وعلى جميع الأطراف -المنتج والمستهلك والمصدر والمستورد- أن يدركوا أن للاستيراد والتصدير محاذير عدة، إذ كثيراً ما تبيّن أن بعض الجهات التي تريد سوءاً لوطننا وشعبنا، قد تعمد إلى دفع أسعار عالية تغري المنتج والمصدّر لتصدير –أو تهريب- بعض منتجاتنا التي لا تكفي لاستهلاكنا المحلي، وقد تعمل هذه الجهات لأن تستورد –أو تهرب- لنا بعض منتجات الخارج بأسعار رخيصة جداً، تجذب المستهلك والمستورد، بقصد إلحاق أضرار كبيرة بالمنتِج المحلي، والإساءة لاقتصادنا الوطني، أو قد تعمل لتوريد بعض ما يغري المستهلك لاستخدامه، ولا منفعة له به، ولا حاجة ماسة له فيه، بل ربما كان خطراً عليه، مثال ذلك العديد من المستلزمات والمقتنيات الشخصية والمنزلية، وبعض المبيدات الزراعية والأدوية البشرية والبيطرية غير المدروسة، والمفرقعات وألعاب الأطفال …إلخ، وقد لمسنا خطورة غزو المنتجات الإقليمية والدولية لسوقنا خلال السنوات الأخيرة تحت حجة وأخرى، حيث كان من المخجل أن يطغى النسيج المستورد والألبسة المستوردة على نسيجنا المحلي وملبوساتنا المحلية، المجمع على أنها الأشهر والأجود في العالم، وأن تغزو المياه المعلبة المنتجة في الدول الصحراوية سوقنا المحلية، وتجد من يستهلكها، وأن يغزو الزيت النباتي المستورد سوقنا ويُروَّج لمنافعه وفوائده، ونحن من مشاهير منتجي زيت الزيتون ذي الفوائد الكبيرة جداً.

من حق المستورد أن يبحث في السوق الخارجية عن السلعة الأرخص التي يضمن تسويقها داخل الوطن، ومن حق المستهلك أن يبحث عن السلعة الأرخص بما يتناسب مع دخله وحاجته إليها، ومن حق المصدر أن يبحث في السوق الخارجية عن منافذ تصدير منتجنا الوطني من هذه المادة أو تلك، ولكن الحق والواجب يتطلبان العمل الرسمي والشعبي، لزيادة إنتاجنا بما يمكّننا من الاستغناء عن كثير من الاستيراد، ويمكّننا من المزيد من التصدير، وأن نستورد فقط ما نكون بحاجة ماسة إليه ويتمتع بالمواصفات المطلوبة، ونصدِّر فقط ما يمكننا الاستغناء عنه.

عبد اللطيف عباس شعبان

عضو جمعية العلوم الاقتصادية السورية

هذا المقال منشور في صفحة اقتصاد من صحيفة البعث العدد / 15831/ ليوم الاثنين 9 / 5 / 2017

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعونا على فيس بوك

مقالات