تخطى إلى المحتوى

عادات وطقوس شهر رمضان المبارك في قرى الساحل السوري..” المريقب ” نموذجا ً..

الشاعرة والكاتبة فاطمة صالح صالح:

كنا ننتظر رؤية هلال شهر رمضان المبارك، بفرحة غامرة..تجهّز غرفة في بيتنا لأداء صلاة الجماعة التي كان أبي يحرص على أن تؤدّى في بيتنا.. حيث تفرش البسط والحصر والسجاجيد – إن وُجدتْ -.. في أرض إحدى غرف بيتنا.. الطينيّ القديم.. ثم.. الإسمنتيّ الحديث.. وما إن يعلن المذياع.. أو التلفاز حديثا ً، حلول شهر البركة.. حتى تتهلّل نفوسنا.. وتجهّز أمي طعام السحور الذي يتكوّن من التمر.. الذي كان أبي يحضر منه سلّتين في بداية كل شهر.. تكفي العائلة والضيوف.. كما كان لصحن الزيتون المرصوص المحفوظ في أواني زجاجية مع الماء والملح.. كان له تواجد على السفرة الرمضانية في السحور والفطور.. وصحن المكدوس.. والباذنجان المشوي أو المقلي.. والفاصولياء واللوبياء.. والكوسا.. والعنب والتين.. الطازج أو المحفوظ.. حسب موسم الصيام.. وبالطبع البيض البلدي واللبن والحليب واللبنة والمتبلة والشنكليش.. واليقطين.. وغيرها.. وشوربة العديس.. أو المخلوطة.. وكلها من إنتاج أرضنا الطيبة.. المغموسة بعرق أهلنا وعرقنا المبارك.. وخبز التنور الذي كانت تخبزه أمي.. كل يوم أو كل يومين من 70 إلى 100 رغيف.. من طحين الحنطة البلدية السمراء.. الممزوج بقليل من الطحين ( الغريب ).. ليساعدها على التماسك عند رقّ الأرغفة..

كان أهل القرية يجتمعون في بيتنا لأداء صلاة الجماعة بعد كل إفطار.. يصلّون.. ويقرؤون القرآن الكريم.. ويدعون لله العليّ القدير بالخير العميم في الدنيا والآخرة.. وبعد انتهاء الصلاة.. يتناولون الشراب المؤلف من الزهورات المحلية كالزوفا .. أو البابونج.. أوالشاي.. أو القهوة.. أو عصير بعض الفواكه.. .. ثم الحلويات.. والفواكه.. يتبادلون الأحاديث الدافئة.. والمعلومات التي تهم الجميع.. يتناقشون في أمور الدين والدنيا.. قبل أن يعودَ كلّ إلى بيته.. لينام حتى وقت السحور..

وبعد السحور يصلون ويقرؤون القرآن الكريم بأصوات ٍ مرتفعة.. كانت تتلاقى في فضاء القرية الواسع الحاني.. تصل آذاننا نحن الصغار.. فنشعر بالقداسة.. والسعادة الروحية الغامرة.. وكثيرا ً ماكنا نرجو أمي أن تسمح لنا بالصيام.. لنتشارك هذا الطقس الصوفيّ الرائع والدافئ.. وإن عجزنا عن إتمام صيام يوم ٍ كامل.. نخاف أن تمنعنا أمي من محاولة الصيام مجدّدا ً.. كان تناولنا للسحور مع أبي والعائلة.. يشعرنا بحميمية ودفء لامثيل له في العالم.. تضع أمي الطعام على طبق ٍ من القش.. تكون عمّاتي وجدّتي قد صنعنه من قش القمح البلدي بعد الحصاد ، وتجميعه في أكداس ٍ دائرية فوق البيادر.. قبل دراسته بالنورج ( المرج ).. أو ب ( الدّرّاسة ).. حديثا ً.. تبقى أصوات قراءة القرآن الكريم تتعالى في أجوائنا، حتى نسمع صوت ( الشيخ أحمد غانم ) يؤذنُ آذان الفجر، من على مئذنة جامع ( الشيخ علي سلمان ).. ننام نحن الصغار بانتظار الصباح.. للذهاب إلى المدارس.. أو البقاء في البيت.. حسب أعمارنا.. أما الكبار.. أبي وجدتي وعمّاتي وعمي.. فكانوا يذهبون إلى الحقول للعمل فيها منذ الفجر.. حتى مابعد الظهر.. لم يكن أحدهم يفطر حتى في أشدّ أيام السنة حرارة ً.. أذكر أن عمتي كانت تصوم ثلاثة أشهر من كل عام.. رجب.. شعبان.. رمضان.. وتشارك في كل أعمال الحقل.. والبيت. وتجد وقتا ً لتعلّم القراءة والكتابة ومطالعة الكتب التراثية.. والخياطة والتطريز.. وغيرها.. أما الماء الذي كنا نشربه.. فكنا نحضره من عيون القرية الشحيحة، بواسطة الجرار الفخارية.. أو تنكات الصفيح.. أو، من ( عين الشيخ بدر ).. بواسطة ( الراويات ) المحمّلة على الحمير.. حيث نفرغ ( الراوي ) في خوابي فخارية تحتها كمية من ( البلاّن ).. نغطيها بصحن معدني.. فوقه ( كال ) ألمنيوم.. نتناول بواسطته الماء من الخابية لنشرب ونعيده إلى مكانه.. كنا نعرف حلول المغيب، من آذان ( الشيخ أحمد ) من على مئذنة الجامع.. فتكون أمي قد حضّرت طعام الإفطار.. المكوّن مما ذكرتُ سابقا ً.. بالإضافة لبعض السمك المقلي الذي كان يحضره المحبّون إلى بيتنا من نهر ( البلوطة ).. أو يكون أبي قد ذبح دجاجة بلدية غير بيّاضة.. أو ديكا ً.. لتطهوه أمي مع المرق ( اليخنة ).. أو تطبخ على مائه برغل بحمّص.. تتبله بزيت الزيتون.. أو تشويه.. وتضع فوقه التبلة المؤلفة من زيت الزيتون وعصير الليمون الحامض والثوم المدقوق.. مع خبز التنور وسلطة البندورة مع البصل أو الثوم..

كان أبي يحرص على البدء بالصوم حين تعلن ( الدولة ) عن بداية شهر الصوم.. ويفطر عندما تعلن عن رؤية هلال شهر شوّال..

كم كانت فرحة العيد تغمرنا عندما يفطر الصائمون.. الذين يحرصون على عدم الإفطار سوى من برغل ولحم العيد.. كتراث ٍ عريق.. توارثناه على مدى قرون من الزمن.. أيام كان يعزّ أكل اللحم سوى في الأعياد..!! كنا نفرح كثيرا ً عندما نكسرُ عظام الدجاج أو الخروف أو الجدي أو العجل.. بعد تناول كل ماعليها من لحم..!! فنمتصّ ما بداخل العظم المسلوق بشهيّة ٍ بالغة.. شهية من حُرمَ اللحم لعدة أشهر..

في العيد.. كان أبي يجمع الزكاة من الناس.. يضيفها إلى مايريد هو التزكية به .. وممن كان ينذر نذرا ً.. ويوزعها على الفقراء والأرامل واليتامى والعجائز.. وعلى الغرباء الذين كانوا يتواجدون في القرية في مواسم الأعياد.. ويوزع على الأطفال بعضا ً النقود المعدنية.. تسعد قلوبهم الطرية ..

كان الناس يتبادلون التهاني بالعيد.. والدعاء أن يعيده الله تعالى على الجميع بالصحة والعافية والسلامة وراحة البال.. يتشاركون الطعام والحلوى واللقاءات العذبة الجميلة.. بحبّ وتآخي قرويّ صادق.. الكلّ يلبس أجمل ماعنده من ثياب.. ويأكل مالذ وطاب من الطعام.. والأطفال يلعبون معا ً في ( الدّوّارة ) و ( الزاروب ) وعلى البيادر.. وربما في الحقول القريبة.. يجعلون من أغصان الأشجار أراجيحَ يلهون بها وأصواتُ زقزقاتهم تملأ الكون بالفرح والحبور.. الجيران يتبادلون التهاني والأمنيات الطيبة.. وضيافات العيد.. يعيدون المرضى.. ويزورون قبور موتاهم لقراءة الفاتحة على أرواحهم.. ووضع الزهور فوقها وإيقاد البخور الذي تبقى رائحته تعبق في الأجواء مدة طويلة..

قبل.. وبعد الصلاة.. كانوا يولون الأطفال ، والشباب الصغار، المزيد من الإهتمام.. يزيدون في إكرامهم واحترامهم.. لترغيبهم بالمواظبة على الصلاة والصيام..

كثيرةٌ هي ذكريات الشهر الفضيل في قرانا.. فكيف لهذه العجالة أن تصفها..!! كل عام وأنتم بخير.. يا أهلنا الكرام.. أعاده الله تعالى علينا وعليكم وعلى كل الطيبين، بالخير واليمن والبركة.. وبالصحة والعافية والسلامة وراحة البال.. عافاك الله يا سوريا الغالية.

——————————————————————————————————————————————–

فاطمة صالح صالح:

هي شاعرة وكاتبة عربية سورية.. لها 3 روايات ومجموعة شعرية هي ( صلاة ٌ.. لغيومك ِ القادمة ).. ( مجنونة ُ الخصيبة ).. ( نبضُ الجذور )… ..أما مجموعتها الشعرية فهي( زهرة ٌ فوق َ الرماد )

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعونا على فيس بوك

مقالات