تخطى إلى المحتوى

دمشق والرياض تؤسسان لمرحلة تعاون تتجاوز حدود التحالف التقليدي.. توأمة استراتيجية؟

الثورة السورية – عاصم الزعبي

تشهد العلاقات بين سوريا والمملكة العربية السعودية، منذ سقوط نظام الأسد، تطورات متسارعة ومهمة وكبيرة، يرافقها نشاط واضح من البلدين بهدف تأسيس ما يتجاوز الشراكة الاستراتيجية بينهما، والعمل على خلق حالة جديدة من العلاقات تسهم في تغيير وجه المنطقة.

العلاقات بين البلدين لا تقتصر على الناحية الاقتصادية وضخ الاستثمارات السعودية في سوريا، كما يتم تصوير الأمور على هذا النحو، فالعلاقات السياسية والاستراتيجية، وعلى الرغم من ارتباطها الوثيق بالاقتصاد، إلا أنها أكثر ديمومة وأهمية، ويسعى البلدان إلى ترسيخها لتصل إلى مرحلة توأمة استراتيجية على مختلف الصعد والمستويات.

بدأت هذه العلاقة بالنمو سريعا بعد سقوط نظام الأسد، وإعلان الرئيس أحمد الشرع أن البوصلة للسوريين اليوم هي السعودية، وكانت الزيارة الأولى للرئيس الشرع إلى السعودية ولقاؤه بالأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، فاتحة لصفحة جديدة وغير مسبوقة في العلاقات بين البلدين.

العلاقات بين البلدين ليست لحظة عابرة

لم تكن العلاقات بين سوريا والسعودية ودول مجلس التعاون الخليجي خلال عهد النظام السابق علاقة مثالية، فقد شهدت السنوات الأربع والخمسون الماضية محطات مختلفة ارتبطت بأحداث ومتغيرات عديدة، حاول النظام المخلوع خلالها تغليب مصلحته على عمق العلاقة وبنائها على أسس صحيحة، سواء خلال الحرب العراقية – الإيرانية، التي وقف فيها حافظ الأسد علنا إلى جانب إيران، التي كانت تهدد السعودية والخليج العربي، ولاحقا تبدل الموقف بعد الغزو العراقي للكويت وما تبعه من حرب الخليج الثانية، إذ حاول الأسد آنذاك الظهور بمظهر المدافع عن الدول العربية.

وخلال عهد المخلوع بشار الأسد، شهدت العلاقات بين سوريا والسعودية عدم انتظام، نتيجة السياسة التي اتبعها النظام المخلوع بتحالفه المطلق مع إيران في مواجهة الدول العربية، ورفضه المتكرر العودة إلى الحضن العربي، ومحاولاته الانتقاص من هذه الدول، وهو ما جعل تلك السياسة تضع العلاقات السورية – السعودية على طريق متعثر، رغم محاولات النظام المخلوع تجميله في بعض الأحيان.

سقوط نظام الأسد نهاية عام 2024 فتح الباب أمام علاقات مختلفة كليا بين سوريا والسعودية، حيث أكد الرئيس أحمد الشرع أن البوصلة السورية تتجه نحو السعودية ودول الخليج العربي، وأن هذا التوجه هو الوضع الطبيعي للعلاقات بينها.

هذه العلاقات، التي بدأت تُرسم بخطوات متسارعة على محاور مختلفة سياسيا واقتصاديا وثقافيا، تأتي تحت عنوان التقارب العربي، الذي شمل إلى جانب السعودية دول الخليج العربي والدول العربية الأخرى، والتي ينظر إليها السوريون اليوم، دولة وشعبا، على أنها العمق الاستراتيجي لسوريا، وهو العمق الذي عمل نظام الأسد على إبعادها عنه على مدى سنوات طويلة.

اللقاءات الرسمية السورية – السعودية، بدءا من الرئيس أحمد الشرع والأمير محمد بن سلمان، ولي عهد المملكة، كانت إلى وقت قريب خارج نطاق التصور، وانسحب ذلك على زيارات الوفود الرسمية بين الطرفين، لتشمل في طياتها العلاقات الثنائية، والتطورات الإقليمية، والقضايا المتعلقة بأمن المنطقة.

ويرى متخصصون في الشؤون السعودية أن العلاقات بين سوريا والسعودية علاقات تاريخية، تحمل دفئا شعبيا من جهة، ومن جهة ثانية تبرز أهمية الانفتاح السياسي والأمني في ظل المتغيرات الأمنية والسياسية التي يشهدها الإقليم والمنطقة، وتُعد هذه العلاقات من أهم أدوات الاستقرار.

وبحسب المختصين، فإن العلاقات السورية – السعودية بدأت بالتحول إلى علاقة تعاون فعال ومستدام من جهة، وارتباط يتجاوز البعد الاستراتيجي التقليدي من جهة أخرى، بعيدا عن المجاملات الدبلوماسية، إضافة إلى الدور الذي ترى السعودية أن سوريا يمكن أن تلعبه في المنطقة، ولا سيما في كسر التواجد والتحكم الإيراني في بعض الملفات، ومن هنا لا يمكن فصل الاستراتيجية السورية الجديدة عن الاستراتيجية السعودية.

الاقتصاد مكمل التوأمة

قبل أيام، شهدت دمشق مراسم الإعلان عن توقيع مجموعة من العقود الاستراتيجية بين الجمهورية العربية السورية والمملكة العربية السعودية، شملت قطاعات الطيران والاتصالات والبنية التحتية والمياه والتطوير العقاري، وذلك بمشاركة وفود رسمية رفيعة المستوى من البلدين، في خطوة تُعد الأوسع منذ استئناف العلاقات الثنائية، وتمثل انتقالا عمليا إلى مرحلة جديدة من الشراكة الاقتصادية والاستثمارية.

وأكد رئيس هيئة الاستثمار، طلال الهلالي، خلال توقيع العقود، أن هذه المناسبة تعكس عمق العلاقات الأخوية والاستراتيجية بين سوريا والسعودية، مشيرا إلى أن الاتفاقيات الموقعة تستهدف قطاعات حيوية تمس حياة المواطنين، وتشكل ركائز أساسية لإعادة بناء الاقتصاد السوري.

وبين الهلالي أن هذه المشاريع تشكل منظومة متكاملة للبنية التحتية الاقتصادية والرقمية واللوجستية، مؤكدا أن توقيع العقود يمثل انتقالا فعليا من مرحلة التفاهمات إلى مرحلة التنفيذ المباشر على أرض الواقع، وأضاف قائلا: “نرسم اليوم ملامح مرحلة جديدة من الشراكة تقوم على الثقة المتبادلة والاحترام، والتزام مشترك بتحويل الاتفاقيات إلى مشاريع ناجحة ومنتجة”.

أما وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح، فأكد أن وجود الوفد السعودي في دمشق يمثل امتدادا لمسار واضح يستند إلى رؤية مشتركة لبناء مستقبل مشترك، مشيرا إلى أن الاتفاقيات الموقعة اليوم تُحدث نقلة نوعية في التعاون الاقتصادي، وتشمل إطلاق صندوق “إيلاف” السعودي للاستثمار في سوريا، وتفعيل قنوات التحويلات المصرفية بين البلدين، وتوقيع اتفاقيات كبرى في مجالات الطيران والاتصالات والمياه والتطوير العقاري.

وشملت العقود الموقعة بين الجانبين السوري والسعودي حزمة واسعة من المشاريع الاستراتيجية التي تغطي قطاعات الطيران والاتصالات والمياه والبنية التحتية والتنمية، فقد تم توقيع مشروع تطوير مطار حلب الدولي الجديد، إلى جانب تشغيل وتحسين المطار الحالي، إضافة إلى تأسيس شركة طيران في سوريا لمزاولة الطيران التجاري والشحن الجوي، بالشراكة مع الهيئة العامة للطيران المدني السوري، بما يعزز الربط الجوي ويعيد لسوريا حضورها في شبكة النقل الإقليمية والدولية.

الثقافة عامل مشترك في العلاقة بين البلدين

استقبل الرئيس أحمد الشرع، في قصر المؤتمرات بالعاصمة، الخميس الفائت، الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، وذلك على هامش حفل افتتاح “معرض دمشق الدولي للكتاب 2026″، الذي تحل فيه المملكة ضيفة شرف.

كما جرى لقاء بين الوزير السعودي ووزير الثقافة السوري، محمد ياسين صالح، الذي قدم التهنئة بمناسبة إقامة المعرض، متمنيا لسوريا، حكومة وشعبا، مزيدا من الرخاء والتقدم والازدهار، وجرى خلال اللقاءين تأكيد عمق العلاقة الثقافية بين البلدين، وأهمية التعاون الثقافي المشترك في عدد من المجالات، وتوحيد المواقف بما يخدم مصالحهما في الموضوعات ذات الصلة.

وأكد الدكتور عبداللطيف الواصل، رئيس هيئة الأدب والنشر والترجمة السعودية، خلال افتتاح المعرض، أن حضور المملكة في دمشق يأتي تأكيدا لعمق العلاقات السعودية السورية، القائمة على الشراكة والاحترام المتبادل، وانطلاقا من حرص المملكة على تعزيز التبادل الثقافي، بوصفه أحد مستهدفات الاستراتيجية الوطنية في رؤية “2030”، التي أطلقها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

الأمن ومكافحة الإرهاب

لا يمكن الحديث عن عمق العلاقة السورية – السعودية وتطورها دون ربطها بالأمن المشترك للبلدين والمنطقة، ولا سيما في مجال مكافحة الإرهاب بكافة أشكاله، حيث عانت المنطقة من أوجه متعددة من الإرهاب، إلا أنه مع سقوط نظام الأسد تغيرت الأوضاع بشكل كامل، وتحولت سوريا من بلد مخل باستقرار المنطقة إلى ركيزة أساسية في تعزيز الأمن والاستقرار، وهو أحد عوامل تطور العلاقة السورية – السعودية والعربية وحتى الدولية.

يوم الإثنين الفائت، شارك وزير الخارجية أسعد الشيباني ورئيس جهاز الاستخبارات حسين السلامة في أعمال اجتماع المديرين السياسيين للتحالف الدولي لهزيمة تنظيم “داعش”، المنعقد في العاصمة السعودية الرياض.

وعلق الوزير الشيباني على هذه المشاركة عبر منصة “إكس”، مؤكدا أن “سوريا تستعيد اليوم زمام المبادرة، وتؤكد دورها في الشراكة والقيادة في مكافحة تنظيم داعش، بما يعزز المصلحة الوطنية السورية، ويحظى بدعم دولي متزايد”. ووصف الاجتماع بأنه كان بناء ومثمرا، مشيرا إلى أن دعم سوريا يُعد مسؤولية مشتركة لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة. كما أعرب وزير الخارجية السوري عن شكره للمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة وجميع الدول المشاركة على جهودها ودعمها لسوريا وشعبها.

وكانت سوريا قد انضمت إلى التحالف الدولي لمكافحة إرهاب تنظيم “داعش” في شهر تشرين الثاني من العام الفائت، وذلك خلال الزيارة التي قام بها الرئيس أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة الأميركية.

وتمكنت سوريا، بقيادتها الجديدة، من تحقيق انفتاح عالمي على البلاد خلال فترة قصيرة، وتبقى العلاقات السورية – السعودية ذات طابع خاص ومميز، يتجاوز اليوم الدبلوماسية والاستراتيجية والاقتصاد، ليصل إلى توأمة تتكامل يوما بعد يوم بين البلدين.

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

تابعونا على فيس بوك

مقالات