
ينظر إلى الاتفاق الموقع بين الحكومة السورية وتنظيم “قسد” في 29 كانون الثاني 2026 على أنه حل سلمي يرسخ المفهوم الطبيعي لسيادة الدولة على منطقة ضمن حدودها الجغرافية، وهو حق يدعمه القانون الدولي بكل تفاصيله السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ومن هنا يبرز مفهوم السيادة الاقتصادية في هذا الاتفاق، ولا سيما في البند الذي ينص على دخول مؤسسات الدولة السورية لتسلم المواقع والمناطق الحيوية، وفي مقدمتها الحقول النفطية ومطار القامشلي والمؤسسات الأمنية والشرطية، إضافة إلى تسلم المعابر، وبخاصة معبري سيمالكا ونصيبين.
يجري تنفيذ الاتفاق الآن، بحسب دبلوماسيين سوريين، وفق مراحله من دون معوقات وضمن الجداول الزمنية الموضوعة، وهو أمر أكده المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا أمس، حيث أشار إلى رغبة الدولة في الدخول الهادئ والمتوازن إلى الجزيرة لتسلم المؤسسات السيادية وإعادة بنائها، باعتبار أن التوافق هو خيار الدولة السورية منذ اتفاق 10 آذار، منوها إلى أن الطرف الآخر لمس جدية الدولة وإيجابية نواياها خلال مسار التنفيذ.
تتسلم الدولة السورية حقول الرميلان الاستراتيجية تنفيذا للاتفاق، بعد وصول وفد حكومي برئاسة قائد الأمن الداخلي في محافظة الحسكة العميد مروان العلي، وعضوية مدير إدارة أمن المطارات والمنافذ العقيد أحمد الأحمد، وبرفقة معاون رئيس الهيئة العامة للطيران المدني السيد أمجد نخال، وممثلين عن الشركة السورية للبترول.
ما أهمية حقول الرميلان؟ ولماذا هي استراتيجية؟ وما الذي يعنيه عودتها إلى الدولة السورية؟
الأهمية الاستراتيجية لحقول الرميلان
تقع حقول الرميلان النفطية في أقصى شمال شرق سوريا قرب ناحية المعبدة في منطقة المالكية بمحافظة الحسكة، وتبعد نحو 68 كيلومترا شرقا عن مدينة القامشلي، وهي من أقدم وأهم احتياطيات النفط في سوريا.
تم اكتشاف وتطوير هذه الحقول في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، وكانت بمثابة أداة في تأسيس صناعة النفط في سوريا، حيث قادت العمليات المبكرة شركات أجنبية قبل الانتقال إلى سيطرة الدولة تحت إشراف الشركة السورية للنفط.
بحلول منتصف القرن العشرين، كانت حقول رميلان تنتج نحو 200 ألف برميل من النفط يوميا، ما أسهم بشكل كبير في اقتصاد البلاد، وفي أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين انخفض الإنتاج إلى 164 ألف برميل يوميا، وتضم الحقول أكثر من 1300 بئر نفطي و25 بئرا غازيا.
تضم حقول الرميلان المدينة العمالية المشغلة للحقول العائدة لمديرية حقول الحسكة، كما تحوي مطارا زراعيا تستخدمه القوات الأميركية حاليا، وتضم العديد من الحقول، منها حقل السويدية، وهو أكبر حقول النفط المنتجة في سوريا، باحتياطي نفطي يقدر بنحو 300 مليون برميل، ويصنف ضمن الحقول الكربوناتية العملاقة على مستوى العالم، باحتياطي جيولوجي يزيد على 8 مليارات برميل من النفط.
أما حقل كراتشوك، ثاني أهم الحقول السورية وأولها اكتشافا، فقد اكتشفته شركة “نجيب منهل” الأميركية، وينتج النفط من 115 بئرا، باحتياطي يقدر بنحو 163 مليون متر مكعب من النفط.
وهناك حقل عودة، الذي يقع قرب ناحية القحطانية شرق مدينة القامشلي، والذي اكتشف عام 2003، وتوجد فيه 18 بئرا عاملة، وتبلغ طاقة إنتاجه اليومية 1500 برميل من النفط الثقيل.
ويوجد أيضا حقل دجلة “اليوسفية وشرق خربت”، الذي وصل إنتاج النفط اليومي فيه إلى 25 ألف برميل من النفط الخام عام 2012، من 22 بئرا منتجة.
وعقب اندلاع الثورة السورية، أصبحت حقول رميلان نقطة خلاف استراتيجية، إذ وقعت تحت سيطرة قوات “قسد” وبمساعدة القوات الأميركية، حيث تم تأمين الحقول لمنع تنظيم داعش من الاستيلاء عليها. ومع ذلك، أدت الحرب في منطقة الجزيرة إلى خفض إنتاج النفط الإجمالي في سوريا بشكل كبير، إذ يعمل حقل رميلان بجزء بسيط من طاقته.
وتشير التقديرات إلى أن الحقول تعمل بكفاءة منخفضة تحت الإدارة الذاتية المحلية، حيث يستخدم الإنتاج في المقام الأول للأغراض المحلية والتصدير لصالح الفئة المتحكمة تحت إدارة “قسد”.
في هذا السياق، يرى الباحث والمحلل السياسي علي تمي، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، أن عودة حقول رميلان النفطية الاستراتيجية إلى عهدة الدولة السورية تمثل تحولا بالغ الأهمية على المستويين الاقتصادي والسياسي، وتعد مؤشرا واضحا على تنفيذ مراحل الاتفاق الموقع بين الحكومة السورية وتنظيم “قسد” بشكل حاسم.
ويتابع الباحث تمي بالقول: “فعلى الصعيد الاقتصادي، من شأن استعادة الدولة السيطرة على هذه الحقول أن تسهم في تحسين توافر المشتقات النفطية في السوق المحلية، ما ينعكس استقرارا نسبيا في الأسعار ويخفف من معاناة المواطنين، كما أن إعادة تشغيل الحقول ضمن الإطار الرسمي للدولة تفتح الباب أمام خلق فرص عمل جديدة وتنشيط قطاعات خدمية ولوجستية مرتبطة بصناعة النفط”.
من جهته، يرى الباحث والمحلل السياسي عباس شريفة، أن سوريا تقف أمام تحول استراتيجي يتمثل بالانتقال من بلد يعاني من نقص حاد ويعتمد على استيراد المشتقات النفطية إلى بلد قادر، خلال السنوات القليلة المقبلة، على استعادة دوره كمنتج وربما مصدر للنفط، وذلك بعد إعادة تأهيل حقول النفط ورفع كفاءتها الإنتاجية.
ويشير الباحث شريفة إلى أن إدخال النفط مجددا إلى الخزينة العامة للدولة سيشكل عصبا حيويا لاقتصاد بلد خارج من حرب طويلة ويعاني من أزمة طاقة، مؤكدا أن هذا القطاع قد يكون أحد الركائز الأساسية في عملية التعافي الاقتصادي خلال العامين أو الثلاثة أعوام القادمة.
ويقول الباحث شريفة إن “ما تشهده الحسكة اليوم لا يمكن فصله عن إعادة رسم المشهد السياسي والاقتصادي في شمال شرق سوريا، حيث تتجه الأمور نحو تثبيت سيادة الدولة، وإغلاق الملفات العالقة، وإنهاء أي مشاريع أو كيانات خارج الإطار الوطني الجامع”.
واليوم، مع عودة نفط الحسكة، تنزاح ورقة ضغط أساسية من أمام الحكومة السورية، ويوضع إنتاج النفط على مساره الصحيح ليكون لجميع السوريين، ويسهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة، ولا سيما في ظل التوافق السياسي الذي تحظى به الحكومة السورية محليا وإقليميا ودوليا.
مؤشر على تنفيذ جاد للاتفاق الموقع مع “قسد”
تشير الدراسات السياسية والاقتصادية العديدة إلى أنه منذ اكتشاف أول بئر وحتى اليوم لا تزال المشكلة قائمة، وهي أن النفط السوري وفير، لكن إدارته غائبة، حيث تختلط الثروة بالسياسات المتناقضة سابقا، وتتقاطع فيها الصراعات المحلية والإقليمية والدولية، مانعة استثمارها على النحو الأمثل.
واليوم، مع تطبيق الاتفاق بين الحكومة السورية و”قسد” وفق بنوده ومراحله المتتالية ضمن الجداول الزمنية الموضوعة، يسير التنفيذ بالاتجاه الصحيح، ولا سيما مع جدية والتزام الدولة السورية بتنفيذه، ما يشكل حجر الزاوية في توحيد شمال شرق البلاد.
ويمثل دخول مؤسسات الدولة السورية إلى حقول الرميلان مؤشرا مهما على التنفيذ الجاد للاتفاق، لما تملكه الحقول من أهمية استراتيجية كبرى، وهو ما يشير إليه الباحث علي تمي لصحيفة الثورة السورية بالقول إن عودة حقول رميلان تشكل رسالة سياسية واضحة تعكس التزاما عمليا بتنفيذ بنود الاتفاق مع “قسد”، وتعد خطوة باتجاه طي ملف “قسد” تدريجيا بوصفها قوة كانت تعتمد في تمويلها بشكل أساسي على هذه الحقول.
ويشير إلى أن فقدان “قسد” السيطرة على الموارد النفطية يعني سحب البساط من تحت قدميها، ولا سيما أن هذه الموارد كانت تمكنها من تمويل نفسها خارج إطار الشرعية.
من جهته، أكد مدير إدارة الاتصال المؤسساتي في الشركة السورية للبترول صفوان شيخ أحمد أن فرقا مختصة من الشركة قامت بجولة استكشافية على حقلي رميلان والسويدية في محافظة الحسكة، وذلك تطبيقا لبنود الاتفاقية الموقعة بين الدولة السورية و”قسد”، بمشاركة فرق فنية وهندسية، وهدفت إلى الاطلاع على الواقع الفني للحقلين تمهيدا لاتخاذ الإجراءات الفنية اللازمة خلال المرحلة المقبلة.
وكان نائب المدير التنفيذي للشركة السورية للبترول وليد اليوسف صرح لوسائل إعلام محلية أن نفط سوريا للجميع، مؤكدا مواصلة العمل بشكل كثيف مع جميع العاملين الأساسيين في الشركة في حقول الحسكة، مشيرا إلى استعداد الشركة للتعاون مع شركات عالمية لتطوير الحقول النفطية.
وفي تصريحات سابقة للدبلوماسي أشهد صليبي لصحيفة “العربي الجديد” في 31 كانون الثاني الماضي، شدد على أن الحكومة السورية لا تستعجل التنفيذ، مؤكدا أن النهج المعتمد سيكون دبلوماسيا في المرحلة الأولى، كما جرت العادة في تعامل الحكومة مع الملفات الداخلية، عبر السعي إلى حلول سلمية وإبرام الاتفاقيات بوسائل سياسية، ومحاولة إدخال أطراف ضامنة.
غير أنه اعتبر أن الإشكالية الأساسية داخل “قسد” تكمن في الصراعات الداخلية بين “المكون السوري” و”المكون المرتبط بحزب العمال الكردستاني”، موضحا أن “قسد” لا تملك الكثير من الأدوات ولا الوقت الكافي للمناورة، في ظل اتفاق محدد المراحل لا يتجاوز سقفه الزمني شهرا واحدا، ما يفرض واقعا جديدا على الأرض.
تنظيم “قسد” بلا أوراق ضغط
في كل يوم، وفي كل مرحلة من مراحل التنفيذ، يفقد تنظيم “قسد” ورقة من أوراق الضغط السياسية والاقتصادية والميدانية، ولا سيما أوراق ضغط التمويل الذاتي، وبالتالي فإن أي شكل من أشكال الحكم المحلي سيكون إداريا خدميا ثقافيا بعيدا عن البعد الاقتصادي السيادي، لأنه من أسس حكم الدولة ويضمنه القانون الدولي.
ويندرج الاتفاق الذي تنفذه الدولة السورية ضمن إطار مفهوم السيادة الاقتصادية، والذي يعني، كمفهوم عام، قدرة الدولة على التحكم المستقل في سياساتها الاقتصادية، واتخاذ القرارات التي تحقق مصلحة شعبها بعيدا عن أي هيمنة أو ضغوط خارجية.
وفي هذا السياق، يؤكد الباحث والمحلل السياسي عباس شريفة لصحيفة “الثورة السورية”، أن التطورات الجارية في محافظة الحسكة، وفي مقدمتها استلام الدولة السورية لحقول النفط الاستراتيجية، تشكل مؤشرا سياسيا حاسما على أن قضية وحدة سوريا دخلت مرحلة اللاعودة، وأنه لم يعد هناك مكان لأي صيغ خارج إطار الدولة، سواء تحت مسمى اللامركزية الإدارية أو الإدارة الذاتية في هذه المنطقة.
ويقول الباحث شريفة إن “ما يجري يعني عمليا أن القانون الوحيد النافذ هو قانون الدولة السورية، وأن منظومة الإدارة المحلية المعتمدة من الحكومة هي التي ستدير شؤون المنطقة”، مشيرا إلى أن جميع الملفات السيادية، بما فيها السجون والمطارات والمعابر الحدودية وحقول النفط والغاز، باتت أو ستصبح تباعا بيد الدولة السورية.
واعتبر الباحث شريفة، أن ما دخل حيز التنفيذ أو ما تم استلامه فعليا في محافظة الحسكة يدل على أن تنظيم “قسد” فقد أوراق الضغط التي كان يمتلكها خلال السنوات الماضية، إذ خسر ورقة السجون وملف محاربة الإرهاب، كما تراجع ثقل ورقة دعم التحالف الدولي، إضافة إلى فقدان السيطرة على النفط والثروات الطبيعية، وتآكل نفوذه ضمن البيئة العشائرية العربية.
ويضيف أن ورقة حقول النفط ليست سوى واحدة من عدة أوراق فقدتها “قسد”، ما ينعكس بشكل مباشر على تراجع فعاليتها السياسية والعسكرية والأمنية، ويدفع باتجاه مسار جديد عنوانه الاندماج الكامل ضمن مؤسسات الدولة السورية، سواء طوعا أو بحكم الوقائع الميدانية والسياسية.
ومما يثيره هذا الموضوع من موارد الاقتصاد الذي تديره “قسد” أسئلة حول حجم وقيمة الإنتاج المحلي من النفط، والموارد المتبقية، واستغلال هذا الإنتاج في أعمال غير شرعية في شمال شرقي سوريا.
ويشير عدد من الخبراء والباحثين في وسائل إعلام محلية إلى كيفية استغلال “حزب العمال الكردستاني” لهذا الاقتصاد، وإدخاله في صراعات التنظيم الخارجية، وهو ليس ملكا له.
وبحسب تقرير نشره الخبير التركي في السياسات الخارجية والأمنية عمر أوزكيزيلجيك في وكالة “الأناضول” التركية منذ عامين، قال فيه إن عائدات النفط شكلت مصدرا مهما للدخل بالنسبة لـ”الإدارة الذاتية”، التي ينظر إليها على أنها “دويلة” شكلها “العمال الكردستاني” و”وحدات حماية الشعب” في سوريا.
وقدرت أبحاث اقتصادية العائدات المالية لتنظيم “قسد” من تصدير النفط للنظام عبر معابر التهريب وحدها شرقي دير الزور بأكثر من أربعة ملايين دولار أميركي شهريا، فيما قال خبراء إن “قسد” حقق عائدات نفطية بقيمة 602 مليون دولار، وآخرون قدروا ذلك أعلى بكثير، تستخدم بلا شك خارج سوريا لتمويل “أنشطة” لحزب العمال الكردستاني المصنف على لوائح الإرهاب، بدل أن تستخدم للتنمية في خدمة أبناء الشعب السوري.
وهنا يشير الباحث والمحلل السياسي، علي تمي، لصحيفة “الثورة السورية”، إلى أن خسارة ورقة التمويل الذاتي ستؤدي إلى إضعاف قدرة “قسد” على تأمين رواتب عناصرها والحفاظ على تماسك بنيتها التنظيمية، ما يجعلها أكثر هشاشة سياسيا واقتصاديا، ويقلص قدرتها على فرض شروطها في أي مسار، مؤكدا أن ذلك يعني عمليا انتهاء مرحلة الرهانات على مشاريع التقسيم أو الكيانات الموازية للدولة.
ومع ذلك، يحذر المحلل تمي من أن خيار التصعيد العسكري لا يزال قائما في حال أخل “قسد” ببنود الاتفاق الأخير، وهو ما قد ينعكس سلبا على الاستقرار الهش في محافظتي الحسكة والقامشلي، ويعيد المنطقة إلى مربع التوتر.
الثورة السورية- علي اسماعيل







