
بانوراما سورية:
كتب الأستاذ مازن كنينه عضو مجلس ادارة غرفة تجارة ريف دمشق:
ما يحدث اليوم ليس مجرد أخبار استثمار، بل بداية تحوّل استراتيجي عميق. فحين يظهر الحديث عن دخول شركة نفط أمريكية عملاقة بحجم «شيفرون» إلى السوق السورية، بالتوازي مع حضور اقتصادي سعودي مباشر إلى دمشق وعقود ذات تنفيذ فوري، فإن المسألة تتجاوز الاقتصاد إلى مستوى اكبر : إعادة إدراج سورية في خرائط المصالح الدولية من بوابة الطاقة.
الشركات الكبرى لا تدخل بلداً لمجرد الربح، بل تدخل حين يصبح المستقبل نفسه قابلاً للاستثمار. ولهذا فإن دخول لاعب نفطي أمريكي إلى سورية ـ إن تحقق ـ لا يعني فقط تنقيباً عن النفط والغاز، بل يعني أن سورية بدأت تتحول من “ملف سياسي” إلى “موقع قابل للتثبيت” ضمن الحسابات الأمريكية، لأن واشنطن حين تعجز عن صياغة موقف سياسي صريح، تستخدم أدواتها الاقتصادية لتقول ما لا تقوله الدبلوماسية.
أما الحضور السعودي، فلا يمكن فهمه كزيارة اقتصادية عادية.. السعودية لا تتحرك بمنطق المجاملة، بل بمنطق إعادة تشكيل العمق العربي وفق المصالح الكبرى. والعقود الاستراتيجية هنا ليست ضخ أموال فقط، بل رسالة واضحة: سورية لم تعد هامشاً، بل ضرورة. إنها عودة عربية عملية لا تقوم على الخطابات، بل على المشاريع التي تفرض نفسها فوراً في السوق وعلى الأرض.
الأهم أن النفط السوري لا يُقاس بكمية البراميل فقط، بل بموقعه داخل الجغرافيا السياسية. فسورية لا تملك موارد فحسب، بل تملك ما هو أندر: حق المرور الإقليمي. ومن يملك المسارات، يملك القرار. لذلك فإن الاستثمار في سورية ليس استثماراً في أرض فقط، بل استثمار في عقدة جغرافية تستطيع إعادة توزيع الطاقة والتجارة والنفوذ في الشرق الأوسط.
بهذا المعنى، سورية تدخل تدريجياً مرحلة “الاقتصاد السيادي”، أي اقتصاد لا يقوم على المعونات، بل على الشراكات والعقود والمشاريع، حيث تصبح الدولة شريكاً في إعادة البناء لا مجرد متلقٍ للمساعدات. وعندما تتحول دولة من ساحة ضغط إلى ساحة جذب، فهذا يعني أن المعادلة بدأت تنقلب لصالحها، وأن ما فشل بالسلاح والعقوبات قد يعود عبر المصالح.
الخلاصة ليست أن “الخيرات قادمة” فقط، بل أن سورية بدأت تتحول من ساحة صراع إلى ساحة تنافس على الحصة.وهذا التحول وحده كافٍ ليؤكد حقيقة واحدة:
سورية لا تعود إلى العالم… العالم يعود إلى سورية.







