تخطى إلى المحتوى

طقوس رمضانية متوارثة في حمص.. بين عبق الماضي وروح الحاضر

عائشة صبري

يحمل شهر رمضان في مدينة حمص طابعاً خاصاً يجمع بين عبق الماضي وروح الحاضر، وفي المرحلة التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد المخلوع شهدت المدينة تحوّلاً ملحوظاً في مظاهر الحياة، خاصة عودة 300 ألف مهجّر ولاجئ خلال عام 2025 ـ حسب محافظ حمص عبد الرحمن الأعمى ـ فقد أضفى العائدون إلى مدينتهم أجواءً مميّزة، حاملين معهم تجاربهم من سنوات الغياب.

بينما تنشط الأسواق نهاراً فتزدحم بمحلات المشروبات والحلويات، وتفوح منها روائح المخبوزات الرمضانية، تزداد الحركة ليلاً في شوارع المدينة بعد صلاتي التراويح والقيام في المساجد، وفي مقدمتها مسجد خالد بن الوليد الذي تُضاء ساحاته ومآذنه في مشهد روحاني يضفي على المدينة أجواءً إيمانية خاصة.

ولحمص طقوس رمضانية تشكّل جوهر هوية الشهر في المدينة، أبرزها دعوات الغداء أو الإفطار بمسمّى “عزيمة رمضان”، إذ تتبادل العائلات الدعوات وتلتقي حول موائد عامرة بالأطباق التقليدية في مشهد يعكس عمق الروابط الاجتماعية وروح التكافل التي تميّز المجتمع الحمصي.

عزيمة رمضان
الناشطة المجتمعية رولا العبد الله قالت لـ”الثورة السورية” إن أهم عادة في رمضان ما زال الحماصنة يتوارثونها هي عزيمة رمضان، وعندما نذهب لنلبّي العزيمة يجب أن نحمل معنا هدية تُسمّى في حمص “رمضانية”، ويمكن أن تكون علبة حلوى أو عصيراً أو حتى طبق طعام من صنع المنزل.

وعلى مائدة الإفطار هناك أكلات خاصة لا تغيب، من بينها أكلة المحمّرة المعروفة في حمص بـ”طَقِّت ماتِت”، ولها قصة متداولة عن سبب تسميتها تعود لمكيدة الزوجة الأولى لضرّتها بسبب هذا الطبق، وغيرها من الأصناف والأكلات المصنّفة كمقبّلات إلى جانب الوجبة الرئيسية، كذلك “والدي يحب أن يصنع طبق فتة الحمص بيده ليكون معنا في المطبخ”، حسب العبد الله.

من جهتها، الناشطة الإعلامية فاتن عبّارة، القادمة مؤخراً من تركيا إلى مدينتها حمص، تحدثت لـ”الثورة السورية” عن تعزيز عزيمة رمضان للروابط الأسرية والمجتمعية، موضحة أن العزيمة من التراث الحمصي تكون في شهر شعبان على الغداء تمهيداً لاستقبال رمضان، وخلالها تدور حوارات عمّا يفضّل كل شخص أن يفطر عليه في رمضان كي يطّلع الداعي على رغباتهم حال دعاهم لعزيمة الإفطار.

وأشارت عبّارة إلى أن أول أيام رمضان يكون إفطار أغلب العائلات الحمصية لحمة بالصينية بالعامية “مدَّي”، وجاءت التسمية من مدّ اللحم المفروم في الصينية، عموماً الحماصنة يفضّلون اللحوم الحمراء وخاصة بـ”الشاكرية”، وهناك من يبدأ بها يومه الأول كتقليد مميّز يُعرف بـ”تبييض السفرة”، ومن عادة أهالي حمص في أول يوم أن يذهب الزوج مع زوجته وأولاده إلى منزل أهله، وفي اليوم الثاني يكون الإفطار في منزل عائلة الزوجة.

وأضافت عبّارة: “أنا لم أعش هذه الحالة بسبب وجود أولادي وزوجاتهم في هولندا، لكني بالتأكيد أتمنى أن يجتمعوا في منزلي وأصنع لهم المدّي وبجانبها فتوش وبطاطا مقلية وطقت ماتت”، موضحة أن عزيمة رمضان موروث قديم كانت تبدأ عند الجد ثم العم الكبير لتنتهي عند العم الصغير وهكذا دواليك، ولم يكن أحد من الحماصنة يعزم عائلته قبل الأكبر منه احتراماً له إلا إذا استأذنه لظرف ما.

وعن “الرمضانية” تبيّن عبّارة أنها عبارة عن هدايا من الزوج لزوجته ومن الوالدين لبناتهم تُسمّى الرمضانية، وهي من التراث الحمصي الجميل لما لها من أثر عظيم في نفوس النساء وتعزّز الروابط الأسرية عملاً بالحديث الشريف “تهادوا تحابوا”، كذلك من العادات الرمضانية كان مشايخ حمص يوزّعون قطع حلويات أو نقوداً للأطفال بعد صلاة التراويح ترغيباً بالصيام والصلاة.

التراويح وسهرات رمضان
مع تحرير حمص باتت العائلات والشباب يخرجون بأعداد أكبر بعد الإفطار، وتمتد السهرات حتى ساعات الفجر، وأشارت عبّارة إلى أن أفراد الأسرة رجالاً ونساءً وأطفالاً اعتادوا الذهاب إلى صلاة التراويح، وكان الرجال يذهبون بعد الصلاة إما إلى منزل العائلة المعروف لدى عائلات حمص وفيه يجتمعون في مختلف المناسبات، أو إلى مكان يُسمّى “الزاوية” يشبه المسجد الصغير، حيث يجتمع الأهل والأصدقاء والجيران ويتسامرون بالحديث عن رمضان وخيراته أو مساعدة أحد المحتاجين من العائلة عبر جمع تبرعات أو إيجاد حلول لمشاكلهم، ومن العادات، خاصة عند الأطفال، شراء ألعاب نارية صغيرة تُسمّى “الفتيش” ويطلقونها عند ضرب المدفع إيذاناً بموعد الإفطار.

وتذكر العبد الله أن ليالي رمضان في حمص لها روحانية مميّزة، فالسوق ومسجد النوري أو الجامع الكبير معلم مشهور ويُعدّ من أقدم المعالم الإسلامية في المدينة وأهمها، وكذلك مسجد خالد بن الوليد أجواؤهما في رمضان مختلفة، وخاصة بعد التحرير، فكلّ شيء مختلف: الإضاءة، الناس، صوت التلاوة، مضيفة: “هناك رهبة جميلة تشعرني بأن المدينة كلها تعيش إحساساً واحداً، بعد صلاة التراويح تبدأ السهرات والحركة في الشارع لا تهدأ، والناس أصبحت تخرج وتسهر في المقاهي والمطاعم حتى وقت السحور، فقد أصبح لليل في حمص نبض لم نكن نشاهده قبل تحريرها”.

المشروبات والحلويات الرمضانية
لا يوجد شراب مخصّص لأهل حمص؛ فالمتعارف عليه بين السوريين هو المشروبات الرمضانية: السوس، التمر هندي، الجلاب، وقمر الدين، وتذكر رولا العبد الله أنها عندما تشاهد الطوابير أمام محلات المشروبات، وكيف ينتظر كل شخص دوره ليشتري الأكياس وينظر إلى الوقت حتى يصل إلى منزله قبل موعد الإفطار، فإن هذا جزء ثابت من يوم رمضان، ومع صوت الباعة، موسيقا تصويرية تُحفر في الذاكرة – على سبيل النكتة – نقول للأطفال الذين يفضّلون شراب الجلاب وتتلون شفاههم بلونه: “طالعلك شوارب حمرا”.

بدوره قال المهندس فارس الأتاسي، معاون محافظ حمص لشؤون المدينة القديمة، لـ”الثورة السورية”: إن أبرز العادات والتقاليد في رمضان بحمص انتشار الأطعمة الرمضانية، خاصة الحلويات الشعبية كـ”التمرِيَّة”، وهي عجين مقلي بالزيت يُطوى بعدة طبقات ليكون مقرمشاً ويُغطّس بالقطر، وتكون محشية بالقشطة أو التمر أو يفضّلها الحمصيون سادة، والمشبّك المترافق مع الفواشات/الزنغل، وأهمها “المعروك” المعروف بخبز رمضان، فالصائم يحتاج إلى السكر ليستعيد نشاطه مع مشروبات الجلاب والسوس والتمر الهندي.

تقليد مدفع رمضان
أشار فارس الأتاسي إلى اهتمام الحمصيين بزينة رمضان؛ فهي حاضرة داخل المنازل وعلى شرفاتها وفي الأماكن العامة، من جانب آخر كشف عن استعداد مدينة حمص خلال الأيام القادمة لإحياء تقليد مدفع رمضان، وذلك ضمن فعالية تقوم بها وزارة الدفاع في كل المحافظات السورية منذ بداية الشهر المبارك، لأول مرة منذ اندلاع الثورة عام 2011.

وأفاد الأتاسي بأن فعالية المدفع موروث تعود تقاليده في حمص إلى قرابة ثلاثة قرون، بعد أن كان الإفطار يُعلن عن طريق إضاءة قناديل على المساجد ورفع راية حمراء على الجامع الكبير في حمص، وكانت المدافع تُضرب مرة واحدة وقت الإفطار ومرتين وقت السحور: الأولى للاستيقاظ والثانية للإمساك، واستمر ذلك حتى ستينيات القرن الماضي.

عادات شارفت على الاندثار
من أهم العادات المندثرة، أو التي شارفت على الاندثار، تبادل أطباق الطعام المعروفة بـ”السكبات” بين الجيران، ويعود ذلك لتفكك النسيج الاجتماعي خلال فترة الثورة وسنوات التهجير، وفقاً لفارس الأتاسي.

ويرى الأتاسي أن أسواق حمص شهدت انتعاشاً نسبياً بعد عودة المهجّرين، خصوصاً أسواق مركز المدينة والأحياء المدمّرة مثل الخالدية وجورة الشياح، إلا أن هذا الانتعاش ضئيل مقارنة بالحركة التجارية الرمضانية في حمص قبل سنوات الثورة؛ فرغم زيادة الطلب ما زالت الحركة التجارية متعثرة نسبياً لدى المواطن بسبب الغلاء العام وضعف القدرة الشرائية.

وأردف: كانت الفوانيس تُعلّق عند المساجد التي تتميّز بختمات القرآن في صلاة التراويح، فالأجواء مميّزة خاصة في أحياء حمص القديمة، لكن اليوم بعد الدمار الكبير الذي حلّ بأحياء المدينة القديمة فقدنا أغلب العادات المجتمعية الرمضانية المميّزة.

أما المسحراتي، فرغم الحفاظ على هذا التقليد الرمضاني في حمص، فإنه سابقاً كان يرافق قرع طبله بأهازيج، أما اليوم فأغلب المسحراتيين لا يردّدون أي أهازيج أثناء قرع الطبول، حسب الأتاسي، مضيفاً: “وردتنا شكاوى في محافظة حمص من مواطنين بسبب إزعاج المسحراتي لهم، فقد انتهج بعض المسحراتية نهج الصراخ والقرع العنيف، كما أنه يأتي باكراً قبل موعد السحور، وهو تقليد فقد أهميته لوجود المنبّهات في الساعات والهواتف المحمولة”.

ومن العادات التي تؤثر برولا العبد الله عادة توزيع التمر والماء في الشارع وقت أذان المغرب، قائلة: “أحبّها أولادي، وكل سنة يجهزون التمور لتوزيعها بنية إفطار صائم، هذه اللحظة تحديداً أشعر بروح رمضان الحقيقية وأنا أساعدهم بالتحضير”.

قد يشترك السوريون في العادات الرمضانية، إلا أنها تختلف من محافظة إلى أخرى، ويحاول الحمصيون الحفاظ على الموروث الشعبي في رمضان؛ فهو مناسبة جامعة تتجدّد فيها القيم الأصيلة في المجتمع وتُعزّز الروابط الأسرية.

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

تابعونا على فيس بوك

مقالات