
تسجل الصادرات السورية نشاطاً متزايداً مع تحسن حركة الشحن البري وارتفاع تدفق المنتجات نحو الأسواق الإقليمية، لاسيما الخليجية، في وقت تتسع فيه فرص الوصول إلى هذه الأسواق. إلا أن استمرار هذا الزخم وتحويله إلى نمو مستدام يرتبط بقدرة المنتج السوري على تجاوز تحديات العبور والنقل والتحويلات المالية، والحفاظ على جودة المنتجات وقدرتها التنافسية.
وتكشف حركة الشاحنات وحجم الصادرات عن تحسن ملموس في النشاط التصديري، فيما تبرز تكلفة الوصول إلى الأسواق وسرعة إنجاز الإجراءات وجودة النقل كعوامل مؤثرة في قدرة المنتجات السورية على الحفاظ على حضورها الخارجي وتوسيع حصتها في الأسواق المستهدفة.
ومع اتساع الفرص المتاحة في الأسواق الخليجية، تتركز التحديات أمام الصادرات السورية في تحسين انسيابية المعابر، وخفض تكاليف النقل والشحن، وتسهيل عمليات الدفع والتحويل، بما يتيح للمنتج السوري الاستفادة من الطلب الخارجي وتحويل تحسن حركة التصدير إلى مسار أكثر استدامة.
حركة نشطة
وتشير بيانات حركة التصدير عبر المنافذ الحدودية إلى نشاط ملحوظ في حركة السلع السورية، إذ سجلت السلع والمنتجات الوطنية الخارجة عبر منفذ نصيب باتجاه الأردن، حتى نهاية أيلول الماضي، عبور 26,485 شاحنة بوزن إجمالي بلغ نحو 607 آلاف طن، تركزت حمولاتها في المنتجات الزراعية والصناعية والغذائية، بحسب مدير إدارة العلاقات والتعاون الدولي في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك مازن علوش.
وأوضح علوش لصحيفة “الثورة السورية” أن الهيئة تعمل على تنفيذ مجموعة من الإجراءات الميدانية واللوجستية لتسهيل عبور الشحنات ودعم قطاع الأعمال، تشمل أتمتة الإجراءات الجمركية، وتقليص أزمنة المواءمة والفحص الفني، وتوسيع الساحات المخصصة للشاحنات المبردة والعابرة بالترانزيت، بما يسهم في خفض تكلفة النقل وتسهيل وصول السلع إلى الأسواق.
كما يجري- وفق علوش- تنسيق مستمر مع الجهات الناظمة في الدول الشقيقة والمجاورة لتسريع مرور الشاحنات عبر المعابر، واعتماد آليات تنظيمية مشتركة تحد من العراقيل الروتينية وتعزز انسيابية حركة الشحن البري في الاتجاهين.
وكانت هيئة تنمية ودعم الإنتاج المحلي والصادرات قد ذكرت، في تصريح سابق لـ”الثورة السورية”، أن قيمة الصادرات السورية تجاوزت ملياري دولار خلال عام 2025، مشيرة إلى أن قطاع التصدير يشهد تحولاً تدريجياً في هيكل الصادرات والأسواق المستهدفة، مع تزايد الاعتماد على المنتجات الزراعية والغذائية والنسيجية والصناعات التحويلية، في حين لم تتجاوز حصة الصادرات النفطية 10 بالمئة من إجمالي الصادرات، ولم تتعدَّ حصة النفط والفوسفات معاً 13 بالمئة، بما يعكس اتجاهاً نحو تنويع السلة التصديرية وزيادة حضور المنتجات ذات القيمة المضافة في الأسواق الخارجية.
أسواق الخليج
وأكد عضو لجنة تصدير الخضار والفواكه في سوق الهال بدمشق- محمد العقاد- أن حركة الصادرات السورية “جيدة، وتفوق مستوياتها خلال العام الماضي”. ورأى أن عدم دخول البضائع الإيرانية إلى الأسواق الخليجية، على خلفية الحرب الأميركية-الإيرانية، أسهم في تنشيط حركة المنتجات السورية المتجهة إلى الخليج، لاسيما البطاطا، في ظل استقبال دول الخليج، والسعودية خصوصاً، للبضائع السورية.
وقال العقاد لصحيفة “الثورة السورية”: إن التحديات التي تواجه الصادرات السورية تتركز في المعابر، موضحاً أن البراد السوري يستغرق نحو 7 إلى 8 أيام عند معبر جابر قبل دخوله إلى الأردن، في حين لا تتجاوز المدة التي يستغرقها البراد الأردني نحو ساعتين.
وأضاف أن تأخير البرادات ينعكس بصورة مباشرة على المنتجات الزراعية، لاسيما الخضار والفواكه، التي قد تبقى لساعات على الأرض وتحت أشعة الشمس قبل إعادة تحميلها في البرادات، الأمر الذي يؤدي- وفق العقاد- إلى وصول نحو ربع حمولة البراد تآلفة إلى أسواق الخليج، بينما تصل المنتجات الأردنية بحالتها وجودتها.
ولفت إلى أن هذا الواقع انعكس على حجم الصادرات، موضحاً أنه في السابق كانت سوريا تصدّر نحو 250 براداً، مقابل 10 إلى 20 براداً أردنياً، بينما أصبح الوضع حالياً معكوساً، إذ تراجعت الصادرات السورية إلى نحو 20 براداً، مقابل وصول الصادرات الأردنية إلى نحو 200 براد.
وأكد العقاد أن معالجة هذه التحديات تتطلب إيجاد حلول فعلية لمشكلات المعابر، مشيراً إلى أن استمرار التأخير ينعكس على قدرة المنتج السوري على المنافسة في الأسواق الخليجية.
وبحسب بيانات منصة “Data Saudi”، بلغت قيمة واردات السعودية من سوريا خلال عام 2025 نحو 820.8 مليون ريال (218.9 مليون دولار)، مسجلة ارتفاعاً بنسبة 19.9 بالمئة مقارنة بالعام السابق. وتصدّرت الشحوم والدهون والزيوت الحيوانية أو النباتية والشموع من أصل حيواني أو نباتي قائمة الواردات بقيمة 152.8 مليون ريال (40.7 مليون دولار)، تلتها محضرات الخضر والفواكه والأثمار بقيمة 143.6 مليون ريال (38.3 مليون دولار)، ثم الفواكه والأثمار الصالحة للأكل وقشور الحمضيات بقيمة 115 مليون ريال (30.7 مليون دولار).
وفي تموز 2026، بلغت صادرات المملكة إلى سوريا 223.8 مليون ريال (59.7 مليون دولار)، مقابل واردات بقيمة 76.2 مليون ريال (20.3 مليون دولار)، ليسجل الميزان التجاري فائضاً لمصلحة المملكة قدره 147.6 مليون ريال (39.4 مليون دولار).
مشكلة التحويلات المالية
بدوره، تحدث المصدّر موفق الطيار، عن الإشكاليات التي يواجهها المصدّرون في عمليات التحويل المالي، موضحاً أن فتح المنصة المخصصة لهذه العمليات من شأنه أن يسهّل إجراءات الدفع والتحويل، بحيث يتم إيداع الأموال عبر المنصة واستلامها في سوريا، بما يسهم في تسهيل التعاملات المرتبطة بعمليات التصدير.
وأكد الطيار لـ”الثورة السورية” أن حركة التصدير عبر الأردن شهدت تحسناً واضحاً، مشيراً إلى أن الصعوبات التي كانت تواجه المصدّرين لم تعد قائمة بالشكل السابق، وأن الوضع في الأردن والطريق أصبح جيداً، باستثناء ارتفاع تكاليف المرور نسبياً.
ولفت إلى أن فتح السعودية باب التأشيرات أمام السوريين أسهم في تسهيل حركة البرادات، إذ أصبح بإمكان السوريين الحصول على التأشيرات والدخول، ما انعكس إيجاباً على حركة البرادات السورية المتجهة إلى الأسواق السعودية.
وأشار الطيار إلى أن استكمال العمل على منصة التحويل من شأنه أن يعزز سهولة التعاملات المالية المرتبطة بالتصدير، موضحاً أن الأموال يمكن إيداعها عبر المنصة واستلامها في سوريا، معتبراً أن الأمور تسير بصورة جيدة.
التنافسية أولاً
ويرى الخبير الاقتصادي -رضوان الدبس- أن الصادرات السورية تشهد خلال الفترة الماضية حركة إيجابية، مدفوعة بتحسن حركة الشحن وارتفاع الطلب على عدد من المنتجات السورية، لاسيما الزراعية والحيوانية التي قادت الزيادة المسجلة في الصادرات، إلى جانب نمو محدود في صادرات بعض المنتجات النسيجية والملابس، في حين لا تزال قطاعات أخرى بحاجة إلى السوق الداخلية ولم تبدأ التصدير بصورة فعلية.
وأوضح الدبس لصحيفة “الثورة السورية” إلى أن الحفاظ على هذا الزخم وتحويله إلى نمو مستدام يرتبط بقدرة المنتج السوري على المنافسة من حيث التكلفة والجودة وسرعة الوصول إلى الأسواق، موضحاً أن الصعوبات التي شهدتها حركة التجارة مع الأردن خلال الفترة الماضية، وما رافقها من تأخر للشاحنات على الحدود، انعكست على جودة بعض المنتجات الزراعية وعلى الالتزام بمواعيد التسليم المتفق عليها مع التجار في الأسواق الخارجية، مشيراً إلى أن جزءاً من هذه الإشكاليات تمت معالجته.
ولفت إلى أن نحو 80 إلى 90 بالمئة من الصادرات السورية كانت تتجه إلى الأسواق العربية، ما يجعل المرور عبر الأراضي الأردنية مساراً رئيسياً للوصول إليها، وبالتالي فإن تحسين انسيابية هذا المسار ينعكس مباشرةً على قدرة المنتج السوري على الحفاظ على حصته في الأسواق الخارجية.
وأكد الدبس أن تعزيز تنافسية الصادرات يتطلب خفض مختلف التكاليف المرتبطة بعملية التصدير، بدءاً من المعابر وصولاً إلى النقل والشحن والتحويلات وعمليات الدفع، موضحاً أن خفض تكلفة المنتج ينعكس مباشرةً على قدرته على المنافسة.
ويشمل ذلك، بحسب الدبس، مراجعة الرسوم والتكاليف المتعلقة بالتصدير، بما فيها رسوم الشهادات وشهادات المنشأ والفواتير، إلى جانب خفض تكاليف النقل والشحن، ولاسيما بالنسبة للمواد الغذائية التي تحتاج إلى شاحنات مبردة للحفاظ على جودتها.
وشدد على أهمية وضع أطر وقوانين تنظم عمل شركات الشحن وتضمن الالتزام بمعايير التبريد وجودة النقل، بالتوازي مع إبرام اتفاقيات تجارية جديدة تتيح زيادة الصادرات وتسهيل عمليات النقل والشحن والتحويلات المالية، معتبراً أن ذلك يتطلب تعاوناً بين غرف التجارة والجهات الحكومية المعنية بالتجارة والاقتصاد.
فرص خليجية
وعن فرص زيادة حصة الصادرات السورية في السوق السعودية وأسواق الخليج، أشار الدبس إلى أن الفرص المتاحة كبيرة، وفي مقدّمتها قرب المسافة الجغرافية بين سوريا ودول الخليج، إضافة إلى جودة المنتج السوري وتنوع المنتجات الزراعية.
وأضاف أن سوريا تمتلك قاعدة زراعية وإنتاجية واسعة، فضلاً عن قربها الجغرافي من الأسواق الخليجية مقارنة ببعض مصادر التوريد الأخرى، ما يوفر فرصاً لتوسيع حضور المنتجات السورية في تلك الأسواق.
ورأى الدبس أن المواقف الخليجية الداعمة للشعب السوري يمكن أن تسهم أيضاً في تعزيز فرص عودة التجارة السورية إلى مسارها الطبيعي، بما يدعم انفتاح الأسواق الخليجية أمام المنتجات السورية.
بانوراما سوريا- الثورة السورية









