تخطى إلى المحتوى

صناعة المعارض في سوريا… بين فوضى التنظيم واستحقاقات التعافي الاقتصادي

عبد العزيز محسن:

لم تعد المعارض اليوم مجرد فعاليات موسمية أو مناسبات للتسويق والعلاقات العامة، بل أضحت صناعة اقتصادية متكاملة، تعكس مستوى النشاط الاقتصادي في أي بلد، وتشكل إحدى أهم أدوات الترويج للاستثمار والعلاقات التجارية وفتح الأسواق وبناء الشراكات.. لذلك فإن الحديث عن واقع صناعة المعارض في سوريا اليوم لا ينبغي أن يقتصر على تقييم نجاح هذا المعرض أو ذاك “إعلامياً”، وإنما يجب أن ينطلق من سؤال أكثر أهمية: هل تسير هذه الصناعة في الاتجاه الذي يخدم الاقتصاد الوطني؟

اليوم تبدو الصورة، في كثير من الأحيان، أكثر إشراقاً على منصات الإعلام والتواصل الاجتماعي منها على أرض الواقع.. فالنجاح أصبح يقاس “للأسف” بعدد الصور والمنشورات، بينما يغيب المعيار الحقيقي وهو العائد الاقتصادي الفعلي.. فلا يمكن لأي معرض أن يستمر إذا لم يحقق للمشاركين فرصاً حقيقية للبيع أو لعقد الصفقات والعقود والاتفاقيات، أو لتوسيع شبكة الأعمال بما يوازي تكاليف المشاركة والوقت المخصص.

إن الاعتماد على المجاملات أو تضخيم مؤشرات النجاح إعلامياً لن يخلق صناعة معارض حقيقية.. فالشركات سواء كانت محلية أم خارجية، لن تستمر في دفع تكاليف المشاركة إذا لم تجد مردوداً اقتصادياً ملموساً، وعندها ستفقد المعارض تدريجياً قدرتها على استقطاب العارضين النوعيين، وهو ما ينعكس سلباً على سمعة السوق السورية بأكملها.

ومن جانب آخر، لا خلاف على أن الربح هو الهدف الطبيعي لأي شركة متخصصة بتنظيم المعارض، لكن المشكلة هنا عندما يصبح الربح هو الغاية الوحيدة، بعيداً عن جودة التنظيم، وقيمة الحدث الاقتصادية، ومستوى الخدمات المقدمة، ومدى التزام الشركة بالمعايير المهنية.. فصناعة المعارض ليست نشاطاً تجارياً عادياً، بل هي واجهة اقتصادية تمثل صورة الدولة أمام المستثمرين والشركات والزوار.. ومن هنا يبرز الدور المحوري للجهات الحكومية والوزارات والهيئات التي تمنح الرعاية الرسمية لهذه الفعاليات.. فالرعاية لا ينبغي أن تكون مجرد حضور بروتوكولي أو فرصة للظهور والتقاط الصور ومنح الحدث صفة رسمية تساعد في تسويقه مستقبلاً، وإنما يجب أن تكون مسؤولية رقابية وتنظيمية حقيقية، تتابع جميع تفاصيل التنفيذ، وتقيم الأداء، وتقيس النتائج، وتحاسب المقصرين عند وجود أي إخلال بالمعايير الأساسية التي تستند اليها عملية التنظيم.

بالتأكيد لا نجافي الحقيقة إذا قلنا ان واقع المعارض اليوم يكشف عن العديد من الملاحظات والتجاوزات والثغرات التنظيمية التي يلمسها الزائر والعارض والمتابع عن بعد على حد سواء.. وبعض هذه الملاحظات يصل إلى الجهات الوصائية المعنية، وبعضها يضيع ويهمل دون متابعة.. ولذلك أصبح من الضروري ترسيخ ثقافة الشكوى والتقييم والمتابعة، بحيث يتمكن أي زائر أو عارض من تقديم ملاحظاته بسهولة، مع وجود آلية واضحة لمعالجتها، وضمان عدم تكرارها، وفرض إجراءات رادعة بحق الجهات المنظمة عند ثبوت التقصير..

وإذا كانت التشريعات المنظمة لهذا القطاع غير كافية، فإن المرحلة الحالية تستدعي تطوير إطار قانوني أكثر وضوحاً، يحدد مسؤوليات جميع الجهات العامة والخاصة، ويرفع مستوى الاحترافية، ويمنع المتطفلين والهواة من الدخول إلى قطاع يحتاج إلى خبرات متخصصة.. لأن أي خطأ تنظيمي لا يسيء إلى معرض واحد فقط، بل ينعكس على صورة بيئة الأعمال السورية بأكملها.

إن النهوض بصناعة المعارض لا يتحقق بالشعارات ولا بالمظاهر الإعلامية، وإنما ببناء منظومة متكاملة تقوم على التخطيط، والشفافية، والمساءلة، والاحتراف، والتعاون بين الجهات المنظمة والقطاعين العام والخاص والإعلام.. وعندما تصبح المعارض منصة حقيقية للاستثمار والتصدير وعقد الصفقات ونقل التكنولوجيا، عندها فقط يمكن القول إنها تؤدي دورها كرافعة للاقتصاد الوطني، لا كفعاليات موسمية تنتهي بانتهاء أيامها.

إن حماية صناعة المعارض اليوم لم تعد مطلباً مهنياً فحسب، بل أصبحت ضرورة اقتصادية. فهذه الصناعة هي إحدى واجهات سوريا الاقتصادية، وأحد المؤشرات التي يقيس من خلالها المستثمرون جدية بيئة الأعمال.. ولذلك فإن حمايتها من الفوضى، ومن التنظيم غير الاحترافي، ومن الاستسهال، ليست دفاعاً عن قطاع بعينه، بل دفاع عن سمعة الاقتصاد السوري وفرصه في النمو وسرعة التعافي..

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك