“الترقيعات” لا تنفع.. معدلات التضخم في تزايد والحلول “العقيمة” تدور في حلقة مفرغة!!

وسط تدني الأجور، وتدهور الحالة المعيشية يوماً بعد يوم، وفقدان الاقتصاد السوري الكثير من مقدراته، يبرز التضخم النقدي الحاصل كشبح سيطر على الوضع الاقتصادي الذي لم تعد تنفع معه “الترقيعات” التي تتخذها الحكومة للحد منه، في وقت تجاوزت معدلاته الـ 900% حسب الاقتصاديين، وعلى الرغم من محاولات الحكومة تعزيز دورها في التدخل الإيجابي لتوفير السلع الاستهلاكية في السوق المحلية بأسعار أقل من السوق، لكن أصحاب الدخل المحدود مازالوا يعانون من ارتفاع الأسعار الكيفي، وسيطرة تجار السوق السوداء على جميع السلع والأدوية أيضاً، رافقهما انخفاض الناتج المحلي، فكانت النتيجة ارتفاع معدلات التضخم بشكل كبير فاقت معدلات ارتفاع أسعار الصرف، وانخفاض الناتج المحلي بشكل كبير، مع فقدان أصحاب القرار السيطرة على زمام الأمور، خاصة مع تراجع الأداء الاقتصادي الذي شمل الإنتاج النباتي والحيواني، وتراجع الصناعة التحويلية عن الإنتاج بشكل كبير!.

تدخّل ضعيف

وصف د. زكوان قريط “اقتصاد” التضخم الحاصل بالداء الذي يؤدي إلى ارتفاع واسع ومستمر في الأسعار والخدمات خلال فترة طويلة، ويختلف من دولة لأخرى حسب السياسات الاقتصادية المتبعة، ففي الاقتصاديات الحرة، تتحكم آلية السوق فيها من عوامل العرض والطلب والتوازن بينهما، لتستقر في نهاية المطاف وتتحدد نسبة التضخم ومؤشر الأسعار، أما في الاقتصاديات الأخرى المتحكمة والمسيطر عليها فهنا الوضع أصعب، حيث لا يمكن السيطرة على نسب التضخم لأن الأمور قد تخرج عن السيطرة لضبط آلية السوق والتحكم بالعرض والطلب لوجود عوامل استثنائية، ما يجعل التدخل الحكومي ضعيفاً، وتصبح معدلات التضخم متسارعة، ويصبح علاجها أصعب، ويدخل الاقتصاد في ركود لفترة طويلة تمتد لسنوات، ويحجم الناس عن الشراء لضعف القدرة الشرائية، ما يضطر معظم الشركات إلى تخفيض إنتاجها، وتتفاقم البطالة، ويستمر الحال حتى يحدث التوازن عبر التدخل المدروس والمضبوط بتشجيع الاستثمار، وخفض الادخار، وتغيير أسعار الفائدة، وتخفيض عرض النقود.

معالجة الداء

ولمعالجة التضخم يرى قريط أن ذلك مرهون بالسياسة النقدية للمصرف المركزي، والسياسة المالية “الضرائب” لوزارة المالية، مشيراً إلى أن بعض الدول تلجأ إلى سياسة التمويل بالعجز، وهو سلاح ذو حدين، بمعنى، له أثر إيجابي لكبح جماح التضخم لفترة قصيرة، حيث يتم إصدار نقود لغرض سداد الدين العام، أو إصدار سندات حكومية وطرحها للبيع، وهذا يقود لسد وتغطية الإنفاق العام، وتمويل المشاريع الحكومية، وتنشيط الاقتصاد، ودفع عجلته نحو الخروج من حالة المرض، أما الأثر السلبي فيتوقف على سرعة استجابة القطاعات الاقتصادية لمرونة الإنتاج، وهذه الاستجابة قد تكون ضعيفة، ما يزيد الأمور سوءاً، وقد يؤدي إلى زيادة أكبر في الأسعار، وهذا ما يحدث غالباً في الدول النامية، وبرأي قريط أن تطبيق سياسة التمويل بالعجز يجب أن تكون لفترة قصيرة لا تتجاوز السنة، وتوجيه النقود المطبوعة نحو الإنتاج الحقيقي، وتشجيع الاستثمار في المشاريع الصغيرة، وخاصة الزراعية منها، وتحريك عجلة الاقتصاد شيئاً فشيئاً، ومكافحة البطالة، ومحاربة الفساد، كل ذلك يتوقف على قدرة المصرف المركزي على ضبط الكتلة النقدية المعروضة، وتوجيهها الوجهة الصحيحة بالتنسيق مع وزارة الاقتصاد والمالية باتجاه الإنتاج الحقيقي لا الاستهلاك، وبالتالي زيادة العرض من السلع، وهذا يقود تدريجياً لانخفاض الأسعار، وشبّه دكتور الاقتصاد سياسة التمويل بالعجز باستخدام مركّب “الكورتيزون” لمعالجة بعض الحالات المرضية، ويتم استخدامه بحذر، كذلك التضخم يجب استخدام التمويل بالعجز لفترة محدودة بحذر، ومن ثم إيقافه تدريجياً في التوقيت المناسب.

معدلات خاطئة

في المقابل ربط د. مصطفى الصالح “اقتصاد” التضخم الحاصل في سورية بالتضخم العالمي وتبعاته على جميع الدول، مؤكداً أن النسب والإحصائيات المقدمة عن معدلات التضخم اليوم غير حقيقية وغير واضحة مقارنة مع الواقع الحالي، إذ لم يتوقف ارتفاع معدلاته على الأزمة وما رافقها من عقوبات اقتصادية، بل استمر المعدل بالتزايد مع تبعات كورونا، ليشهد التضخم حالات انفلات تام في فترات متعددة، رافقتها قلة عرض السلع مع ارتفاع سعرها بسبب ارتفاع التكاليف، كما أدى التضخم إلى إعادة توزيع الدخل والثروة لصالح أصحاب الأصول الثابتة والعقارات والأغنياء والمضاربين والمحتكرين وتجار الحروب، ولفت الصالح إلى أهمية توجّه الحكومة للحد بشكل تدريجي من هذه الظاهرة من خلال عرض السلع من مواد غذائية ومواد أولية خاصة بالصناعة والعملية الإنتاجية، وتأمينها في السوق المحلية من خلال دعم الإنتاج المحلي، وتقديم التسهيلات، والتدخل الإيجابي من قبل مؤسسات الحكومة، وأشار دكتور الاقتصاد إلى أن حلول الحكومة المؤقتة التي برزت بطباعة عملة من فئة الـ 5000 لم تأت ثمارها بشكل أو بآخر في ضبط سعر العملة، خاصة أن الإنفاق في بلدنا يفوق الإيرادات، وبالتالي فإن هذه الحلول يجب أن تتبع في حالات الاقتصاد الذي يعيش في نمو مستمر.

تضخم مستورد

وأرجع محمد كوسا “خبير اقتصادي” أسباب التضخم إلى زيادة التكاليف الخاصة بتأمين عوامل الإنتاج، وبرأيه بعد جائحة كورونا زاد الاستيراد من الخارج لوجود ندرة في المخازين، الأمر الذي أوصلنا إلى زيادة في الأسعار، مع زيادة في تكاليف المستوردات التي تأثرت بالتضخم الخارجي لنحصل على تضخم مستورد، لافتاً إلى أن التضخم الظاهري في بلدنا ناتج عن السياسات النقدية غير المرنة، إضافة إلى ارتفاع دخول بعض الشرائح “كالفاسدين والمضاربين” الذين حاولت الحكومة كبح جماحهم ببعض القرارات المتعلقة بسوق الصرافة، وسوق السيارات، وسوق العقارات، لكن أموال هذه الفئات توجّهت نحو الصرف والرفاهيات والبذخ والشراء من السوق السوداء، لذا كان لابد من أن تكون للقرارات الحكومية تلك متممات كفتح أبواب صرف أخرى لهذه الشرائح، وتوجيهها للاستثمار في مجال الإنتاج الحقيقي، وتلبية أنانية هذه الدخول، كما وجد كوسا بمشروع الطاقات البديلة حلاً للخروج من التضخم، إذ يحمل خطوطاً دلالية نحو الاستثمارات المستقبلية، وفتح مجال لتحديد هوية اقتصادنا في المستقبل، شرط إدارته بشكل صحيح، وخططاً مدروسة، وأيادي أمينة، داعياً للعمل على النهوض بقطاع الزراعة بذهنية جديدة للتخلص من أزمة سلاسل التوريد العالمية، إضافة إلى ضرورة وجود توجّه جديد نحو تخصيص جزء من الموازنة نحو إنتاج ثروة حقيقية.

ما سبق من آراء نعتقد أنها جديرة بالاهتمام والتوقف عندها، فقد وصفت الواقع، وقدمت مقترحات للحل، وما نحتاجه هو إدارة ناجحة، وإرادة قوية تبتكر الحلول للخروج من الأزمة التي لم تعد تنفع معها حلول المسكنات!.

 

ميس بركات

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعونا على فيس بوك

مقالات