ترشيد الدعم.. بمحاسبة “المدعومين”

*محمد محمود هرشو
ربما يشكل ملف#الدعم في سورية أكثر الملفات الشائكة منذ أكثر من عقد، حيث ظهر الحديث فيه للعلن وكُشفت خطوطه الحمر أيام تولي عبد الله الدردري للحقبة الاقتصادية في البلاد ، لكن، في ذلك الحين تخبّط وتردد أصحاب القرار والمؤثرين في الرأي العام الذين كانوا يعيشون في بحبوحة حين وصل الى مسامعهم ما لم يُسمع به من قبل.

الغريب في الأمر أن أشد المعارضين لسياسة رفع الدعم التدريجية المتبعة آنذاك هو من يقود هذا الملف حالياً، ويسوّق له بقناعة تامة.
قد يبرر هذا بأحد العوامل؛ إما الشح الحالي والوضع الاقتصادي المزري الذي وصلت إليه البلاد، أو بُعد أعداء الأمس (الدردري) عن الملف، أو ما يمكن وصفه “المَلَكية السورية” والتي تعني أن القائمين على الملف شهدوا اقتناع أصحاب الأمر بضرورة رفع الدعم، فتبنوا الأمر وزاودوا عليهم، كوننا وقعنا اقتصادياً في خطة “كش دعم”.
شكل الاقتصاد السوري:

ضاعت هوية الاقتصاد السوري عقب “الحقبة الاشتراكية”، والتي بدأت بالتلاشي تزامناً مع أفكار الرفع التدريجي للدعم، حيث أسماها “أبو الرفع” آنذاك اقتصاد السوق الحر، لكن تزامناً مع احتكار الحكومة “ومخاليفها” لأهم الموارد الاقتصادية، وتفصيل القرارات الاقتصادية وفقاً لأهوائهم.

وتمسك آخرون بالاشتراكية مصطلحاً أخذت تُأدُ كما في أغلب قلاعها التاريخية تحت ضغط التيارات الليبرالية، وبدأت تجارب أشكال اقتصادات عدة تخض هذا الاقتصاد دون أي توجه أو هوية مستندين إلى أرقام، ولغياب الأرقام حكاية أخرى عن ضياع الاقتصاد السوري.

غياب الرقم:

معلوم لدى القاصي والداني أن علم الاقتصاد هو علم رقم، ولابد أن يستند إلى معطيات حتى نخرج بقرارات وبدائل سليمة تخفف من وطأة الأزمة المحلية والأزمات العالمية التي ترسم ملامح اقتصادية جديدة للعالم ككل، لكن في هذه البلاد يتناهى إلى مسامع (مسامع وليس أوراق) الباحثين في الاقتصاد أرقام وبيانات مشكوك فيها، واستمر الأمر حتى أيامنا هذه مع إضافة تعتيم تام على الأرقام، وتقديم أرقام وفق أهواء مُطلقيها، فأضيف إلى ضياع الهوية، ضياع الاقتصاد والقرار، وفقاً لضياع المعطيات !

الدعم بالإغراق ليس بالمنع:

في بلاد العجائب تشتري صحن السوشي بأقل سعر قياساً للبلدان المجاورة أو العربية التي يعتبر دخل الفرد فيها أقوى بأضعاف من سورية، بينما سعر كيلو الموز هو الأعلى مقارنةً بتلك البلدان، كذلك الأمر فيما لو قارنّا سعر قالب كاتو فاخر بينها وبين بلد آخر تزامناً مع المقارنة في سعر ليتر زيت دوار الشمس، والأمثلة كثيرة.

ما أريد الوصول إليه هو دراسة ما يحتاجه السوق بشكل فعلي ليتم توفيره سواء بدعم صناعته أو فتح باب المنافسة لاستيراده، وبين السلع الكمالية التي لا يحتاجها سوى أقل من ٥٪ من السوريين الذين أصبح بإمكانهم اقتناء مثل تلك السلع، وبالطبع فإن أمر ارتفاع سعرها لا يزعجهم، وهم سيشترونها حتى لو تضاعفت أسعارها عدة مرات دون أن يتأثر حالهم بشىيء.

لكن الحلقة المفقودة هنا : من الذي يوفر السلع في الأسواق، وأين بيانات الإنتاج والاستيراد وحاجة السوق، ولماذا لا يتم فتح هذا الباب على مصراعيه ؟!

ترشيد الدعم بمحاسبة المدعومين:
لا يخفى على أحد ضرورة ترشيد الدعم، كونه أصبح عبئاً ثقيلاً على الدولة، وكذلك اكتشفت كل الدول المنتهجة لهذا النهج ثغرات فساد شابت هذا الملف، مع صعوبة ضبط الأمر.

في سورية تحديداً؛ انحسر الدعم وملياراته بأيدي العشرات من النافذين، وامتلأت جيوبهم بالدعم دون حسيب أو رقيب، مع زيادة “تمنين” الحكومة لمواطنيها بدعمهم سواء الدعم الغذائي أو الصناعي أو التعليم أو الطب ..

ملفات كثيرة للدعم الذي تقدمه الحكومة السورية لا يمكن لوزارة واحدة “التجارة الداخلية” فقط تقرير مصيرها، كما أنه لا يمكن لبرنامج حاسوبي احتسابها، ولا يمكن لأهواء وزراء إبقائها أو إلغائها.

الحل ينقسم إلى شقين؛ الأول تحليل الدعم وتفنيد بنوده والمدى المجدي لكل بند، والثاني بإغلاق أبواب الفساد ومحاسبة حقيقية لمرتكبيه بعيداً عن المحسوبيات والتصفيات، وحتى التسويات. وهذا يكون عن طريق أجهزة مستقلة انتهجت المحاسبة المالية الحقيقية تحت أمرة السلطة القضائية

#بدائل الدعم

كما ذكرت؛ فإن ملفات الدعم لدى الحكومة السورية هي أثقل من مئة ليتر بنزين أو عشرات أرغفة الخبز، وبدائل الدعم كثيرة أعتقد أن الحكومات المتعاقبة لمستها لكنها استصعبت الاقتراب من “عش الدبابير” نظراً لوجود مجموعات ضغط مستفيدة داخل الدولة كثيراً ما منعت خطوات استراتيجية كادت أن توقف نزوفات مالية، وتوفر بدائل كريمة للمواطن، لكن على حساب تلك المجموعات المستفيدة الصغيرة.

من ضمن تلك البدائل ما تنهجه الدول المتقدمة لحل أعباء الصحة، وهو تشميل المواطنين بالتأمين الصحي؛ هذا القطاع الفتي في سورية، والذي لو أبعدت عنه وعن قطاع الصحة معاً بعض المافيات المسيطرة، وتولاه بعض الخبراء المحليين، وتحولت أرقام دعم قطاع الصحة بشقيه الصحة والتعليم العالي، والمليارات المهدورة، تزامناً مع سخط المواطنين من الخدمات المقدمة حتى يكاد لا يثق بهذا القطاع نظراً لرداءة الخدمات المقدمة، لو حصل ذلك، لاستطاعت الحكومة تشميل جميع مواطنيها بالتأمين الصحي، ودعمت بذلك هذا القطاع الاقتصادي الهام، وكذلك التطور الطبي الذي سيفرضه ذلك، ولأصبح الكل راضٍ، ولتنشّطت قطاعات اقتصادية هامة، ودارت إحدى عجلات الاقتصاد، لكن على حساب عشرات النافذين المستفيدين من قطاعي الصحة والتأمين حالياً .

يمكن إسقاط المثال المذكور على كافة خطوط الدعم بإيجاد البدائل، كتأمين النقل الداخلي بدل دعم مشتقات النفط للمركبات، والبدائل كثيرة، وإن كانت بإسقاط تجارب دول أخرى أو حتى طرح هذا الاستثمار الضخم لشركات غير محلية تكون مهتمة بتأسيس قطاعات نقل واستثمارها، ويمكن أن تكون شروط العقد بالتشغيل المجاني للمواطنين بنفس المبالغ المدفوعة من قبل الحكومة لدعم البنزين، أما ما زاد على ذلك فهو لن يكون عبئاً على المواطن كونه قرر بكامل الأهلية ترك المواصلات المدعومة والترفه بسيارته الخاصة.

لا تقف الأمثلة هنا، فهناك بدائل حتى للدعم الغذائي، لكن هناك من يقف في وجه حصرية استيراد المشتقات النفطية والقمح والسكر وغيرهم الكثير!.

#عدم دعم الفاسدين يريح المدعومين!

ملفات كثيرة يمكن البحث في طياتها أسست على فساد يمكن البحث ضمنها ارتكبت منذ حقبة “أبو الرفع” حتى الآن يمكنها توفير مبالغ دعم لسنوات ،سواء كانت فيما يخص ملفات الدعم أو غيرها، وللتأكيد على واقعية الكلام فإن عزم الدولة على محاسبة أحد رجال أعمالها أدى لاسترجاع مئة مليار ليرة ومن ملف واحد فقط، وبعد التدقيق عن عام واحد فقط ،وضمن وزارة واحدة فقط ،وغيرهم الكثير من الموجودات للأموال العامة في جيوب الخاصة ،ولا تزال ترتكب ،وهي مستمرة.

لابد أن مكافحة الفساد بحاجة الى أدوات صحية سواء بالأجهزة أو الخبرات التي تكون قوى بشرية بشكل حصري لكن إحاطتها بعوامل متعددة هي من يكتب لها النجاح كالاستقلال، وحرية الحصول على الملفات وعدم حصر عملها، وإبعاد الخطوط الحمر عن الملفات والشخصيات والإرادة الحقيقية لمكافحة الفساد، وتوفير التشريعات والصلاحيات القانونية اللازمة لعمل تلك الأجهزة .

#الملف الاقتصادي يدار “بالتكامل”!

ربما يستغرب البعض تشجعي لأحقية الدولة برفع الدعم أو تغيير شكله أو ترشيده (بغض النظر عن المصطلحات) لكن بالتأكيد إن هكذا أمر لا يكون بكتاب مسرب أو تحديد فئات على مزاج الوزراء أو قرار ليلي كما هو متبع سابقاً “للرفع”.

إن هكذا أمر اقتصادي هام لا يقرر إلا بشكل تكاملي، بعد تأسيس بنية اقتصادية تشاركية بين النقد والاقتصاد، فلا بد أولاً من البحث والعمل الجاد عن واردات مالية، ولا يمكن لهذا الملف أن ينجح إلا بوجود قانون ضريبة مالية معاصر “مبكل” عادل مشجع لكل الأطراف (غير بالي) مبني على الشفافية والثقة والضبط بنفس الوقت تتزامن مع نظامي الفوترة والدفع الالكتروني.

وهنا نكون حصلنا على ترشيد الضريبة قبل ترشيد الدعم ، فلا ضير في أن يدفع أصحاب فواتير المطاعم والرفاهية أضعاف الضرائب الحالية، فهم سيرتادنوها بكل الأحوال سواء كانت نسبتهم ٥ أو ١٠٪ من المواطنين. بنفس الوقت يشعر الموظف الذي يكاد يكون الوحيد الذي يدفع ضريبة حقيقية، كونها تقتطع من الراتب فورا، سيشعر بالعدالة وعدم الغبن.

إن البحث عن واردات مالية في جيوب كبار المكلفين بعيداً عن جيوب صغار المواطنين الباقين هو أجدى وأسرع من أي قرارات اقتصادية اعتباطية تكمل مسير البلاد نحو الهاوية.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعونا على فيس بوك

مقالات