أكد الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة أن استبدال 35% فقط من الكتلة النقدية خلال شهرين يعكس بدرجة كبيرة جداً وجود كتلة نقدية ضخمة محتفظ بها خارج القنوات المصرفية الرسمية، وهو ما يمثل جوهر اقتصاد الظل في سوريا،
وفسر استاذ الاقتصاد بطء هذه الوتيرة بمجموعة من العوامل الموضوعية، أبرزها الاكتناز بالعملات الأجنبية كالدولار والليرة التركية أو الذهب كملاذات آمنة، ما يجعل هذه الفئة غير مضطرة للإسراع نحو المصرف المركزي، يضاف إلى ذلك التوجس من المساءلة القانونية أو الضريبية، حيث تعود الكثير من الأموال السائلة خارج النظام المصرفي لأنشطة غير مسجلة، ما يدفع حامليها لتأجيل الاستبدال أو البحث عن طرق غير رسمية، فضلاً عن عامل الثقة الذي لا يزال مهتزاً لدى شريحة واسعة من المواطنين والتجار بالجهاز المصرفي نتيجة سنوات الأزمة والعقوبات.
بناء الحسابات
ويرى محمد أن قرار تمديد فترة الاستبدال يجب أن يتحول من مجرد إجراء ميكانيكي لتبديل “ورقة بورقة” إلى حافز قوي للشمول المالي، وذلك عبر تقديم مزايا وتسهيلات رمزية للأفراد الذين يودعون أموالهم في حسابات مصرفية، مقابل استمرار القيود على السحب النقدي الكبير للعملة الجديدة، معتبراً أن هذه العملية تمثل فرصة ذهبية لتحديث قاعدة بيانات العملاء بشكل تدريجي وغير تصادمي لرسم خريطة أوضح للثروة المحلية، بالتوازي مع إطلاق حملات توعوية تشرح فوائد إدخال الأموال للجهاز المصرفي من حيث الأمان وتسهيل المعاملات الإلكترونية والحصول على تمويل مستقبلي، مشدداً في الوقت ذاته على أن هذا التحدي يتطلب استقراراً في سعر الصرف وإجراءات حقيقية لمكافحة التضخم، لضمان عدم خروج الأموال فوراً وإيداعها لشراء قطع أجنبي، ما يجعل التمديد مهلة لبناء الجسور لا بديلاً عن السياسات الكلية الشاملة.
هندسة نقدية
وفي قراءته الأكاديمية، وصف الدكتور محمد قرار التمديد بأنه “خطوة إدارية حذرة” تعكس إدراك المركزي لحجم التحدي اللوجستي والنفسي، معتبراً أن سحب 4 مليارات قطعة نقدية هو إنجاز تقني يقع في إطار “الهندسة النقدية” التي تعالج شكل النقود لا جوهر قيمتها، حيث إن النجاح الحقيقي لا يقاس بنسبة الأوراق المستبدلة، بل بمدى القدرة على إعادة ضبط التوقعات التضخمية عبر سياسات مالية ونقدية متسقة تحمي العملة الجديدة من عودة الأصفار المحذوفة.
ويرى أن التحدي الأكبر يكمن في استقطاب السيولة الكامنة وتحويل هذه العملية إلى بوابة للشمول المالي الحقيقي، إذ إن تمديد الفترة من دون حوافز حقيقية وبناء جسور ثقة مع المواطن سيؤدي فقط إلى تبييض العملة القديمة من دون تغيير هيكلي، خالصاً إلى أن هذه الخطوة ضرورية ولكنها غير كافية، ويجب أن تتبعها إصلاحات تعيد بناء الثقة بالليرة السورية كأداة للادخار والتخزين لا لمجرد الوساطة التجارية.
الوطن








